العيون على الجنوب والجيش يحضّر لتطويع 1500 عسكري (النهار ١٣ أيلول )

في قراءة لواقع الوضع الأمني في مختلف المناطق، يتبيّن لدى الأجهزة الأمنية أن الأمور مضبوطة بمعدّل مقبول مع توجّه كل الأنظار المحلية والخارج إلى ما يدور في الجنوب من جرّاء المواجهات العسكرية المفتوحة بين إسرائيل و”حزب الله”، التي لا يظهر أنها ستتوقف قريباً وهي تشارف على الاقتراب من السنة وسط كل هذا الشريط من المعارك وتبادل الضربات الثقيلة وتدمير الآلاف من المنازل.
ولم يكن الطرفان يتوقعان أن المواجهة ستأخذ كل هذه الوقت، ولم تصدق كل التحليلات الجيو- سياسية من غزة إلى لبنان أن إسرائيل لا تقدر على الدخول في حرب واسعة استناداً إلى محطات حروبها منذ أواخر أربعينيات القرن الفائت إلى السنوات الأخيرة، مع فارق هذه المرة أن المسؤولين في تل أبيب من رئيس الوزراء #بنيامين نتنياهو إلى الجنرالات الحاليين لا يشبهون في الأداء والاقتناعات والخيارات من كانوا يتولّون زمام السلطة في حرب تموز 2006 إبان ولاية إيهود أولمرت الذين تعرّضوا لانتقادات شتّى في تقرير فينوغراد الشهير، ولو أنهم جميعاً لا يسألون عن أرواح المدنيين وقتلهم والدليل على حقيقة إجرامهم ما يفعلونه في غزة.
وإن كان الحزب راكم قدرات في الميدان والتكتيك طوال السنوات الأخيرة، فإن إسرائيل ضاعفت تعزيز إمكانياتها في الصناعات العسكرية والتكنولوجية. وعندما كان الحزب منهمكاً في حربه في سوريا ضد الجماعات التكفيرية وإسناده للنظام السوري، كانت إسرائيل تنفّذ حرباً استخباراتية ضد الحزب على أوسع نطاق من خلال “فلترة” أماكن انتشار قواعده ومراكزه وقياداته وعناصره، إلى أن استفاد من كل هذه “الداتا” التي يستعملها طوال الأشهر الأخيرة من القتال.
ومارس الحزب الدور نفسه في عملية الاستخبارات ونجح بدوره في جمع “داتا” أمنية في العمق الإسرائيلي لا بأس بها. ولا تقلل مصادر أمنية هنا من “العيون البشرية” التي تتعامل مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على أنواعها، ويتوزّع هؤلاء في بيئات الحزب وأماكن انتشاره، ولم يتوانَ كثيرون عن التعاون مع الإسرائيليين الذين استغلّوا بصورة أساسية تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في لبنان.
ورغم كل هذا التطور التقني والعسكري الذي يملكه الإسرائيلي، لا يواجه الحزب جيشاً كلاسيكياً منظَّماً يتمتّع بامتلاكه أحدث الأعتدة والتكنولوجيات الحربية فضلاً عن الدعم اللوجستي اللامحدود من أميركا وبلدان غربية أخرى.
وبحسب مصادر عسكرية، تتوقف إسرائيل عند حدود هذا التكتيك الذي تتبعه، ولا سيما أنها أقامت حزاماً أمنياً على مساحة لا بأس بها على طول البلدات المواجهة لشمال إسرائيل مع بقاء مجموعات من المقاومة على المسافة صفر على الحدود.
وتدفع تل أبيب الضريبة نفسها من خلال إجبار المقاومة أكثر من مئة ألف مستوطن على مغادرة منازلهم وتعطيل حياتهم اليومية، ولو أنها تقدر على تأمين حاجاتهم أكثر من أحوال النازحين الجنوبيين. ولا يمكن أن يفوت خيار إقدام إسرائيل على اجتياح برّي لمساحات على تماس مع حدودها.
ويأتي الرد على كل الأسئلة عن مقاربة تعاطي إسرائيل مع كل هذه التحديات في الجنوب بالقول إن نتنياهو الذي يمسك بمفاصل الكيان والجيش رغم كل الحملات التي يتعرض لها في الداخل، فهو يملك خيارين: الأول أن يستمر في اتباع هذه المقاربة العسكرية التي تقوم على استنزاف قدرات الحزب واستهداف مواقعه فضلاً عن كوادره، ولو أنه يحيّد الضاحية الجنوبية “الآن” لجملة من الأسباب لا سيما بعد اغتيال القيادي فؤاد شكر.
أما في الاتصالات الديبلوماسية على ضوء زيارات الوفود الديبلوماسية والعسكرية الغربية لبيروت، فكان لسان حالها أنها لن تقصّر في منع تدحرج الحرب مع اعتراف أكثرهم في الجلسات المغلقة بأن نتنياهو لا يكترث لكل ما يسمعه من طلبات لسلوك التهدئة من الإدارة الأميركية وغيرها، وهو يستمر في تنفيذ أجندته الخاصة في غزة وجنوب لبنان ولو أن طريقه مليئة بالألغام.
وفي اللقاءات الأخيرة مع المسؤولين في بيروت، كان هناك أكثر من مطلب غربي لتطبيق القرار 1701، لا سيما من الموفد الأميركي آموس هوكشتاين برفع عديد وحدات الجيش في الجنوب مع التوجه إلى تطويع نحو 10 آلاف عسكري. وفي المعلومات إن قيادة الجيش أعلنت استعدادها لتطويع 1500 شاب في المرحلة الأولى، وهي تنتظر رصد الحكومة الاعتمادات المالية المطلوب توفرها قبل البدء بهذه الدورة.
ويحتاج المتطوعون إلى ثلاثة أشهر لإتمام عملية تدريبهم وإلى ثلاثة أشهر أخرى تحضيراً لانتشارهم في المواقع قبل تأدية خدمتهم في مراكز الجيش في منطقة جنوبي الليطاني.
ولا شك في أن التوصل إلى وقف إطلاق النار في الجنوب، إذا تحقق، يساعد لبنان على القيام بمشروع التطويع. ولا يمكن القفز هنا فوق الأعباء الملقاة على المؤسسة العسكرية والدور الذي تؤديه في بيروت والمناطق الأخرى غير الجنوب وتفرض عليها جملة من الضغوط وضرورة الإبقاء على جهوزية على الأرض تحسّباً من أي تطورات طارئة.
وعلى سبيل المثال، دفعت القيادة يوم الثلاثاء الفائت إلى نشر أكثر من ألف عسكري في محيط #السرايا الحكومية و#مجلس النواب عند تحرك العسكريين المتقاعدين. ويُفهم من هذا الكلام أن الجيش غير قادر الآن وفق العديد الموجود لديه على زيادة وحداته في الجنوب وتطبيق ما يتلقّاه من رسائل ديبلوماسة غربية في هذا الشأن نتيجة المهمات التي يقوم بها في العاصمة وغيرها من المناطق، لأنه في حال تعرّضها لأي نقص سيرتّب هذا الأمر جملة من المشكلات في الداخل.



