أخبار لبنانابرز الاخبار

زيادة التعرفة مطلع 2022 ضمن شطور تراعي الاستهلاك

يترقب اللبنانيون المرحلة التي تمتد ما بين نهاية العام الحالي والربع الاول من العام 2022 والوعود التي قطعها المسؤولون بنجاح خطط استجرار الغاز المصري الى لبنان وصولا الى معمل دير عمار، اضافة الى استجرار الكهرباء الاردنية وزيادة كميات الفيول المستوردة من العراق، وكل ذلك بهدف زيادة ساعات التغذية الكهربائية الى ما بين 10 و12 ساعة يوميا.
أزمة شحّ السيولة بالعملات الاجنبية تعصف بقطاع الطاقة، ليس فقط بالنسبة الى شراء الفيول لتشغيل المعامل، بل أيضا لناحية تسديد مؤسسة كهرباء لبنان مستحقات للجهات المعنية ب#الدولار، ولمشغّلي الخدمات والمحطات واولويات الدفع، فضلاً عن إيجاد آلية للتعامل مع البنك الدولي من حيث الاستفادة من مساعدته في إعادة صوغ العقود وتمديدها لمشغلي الخدمات وتقييم أدائهم، ليبقى الاهم على صعيد البحث في تعديل التعرفة. خلال الاجتماع الاخير الذي عقد في السرايا الحكومية برئاسة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، تم الاتفاق على تشكيل لجنة تضم وزيري الطاقة والمال ومصرف لبنان ومؤسسة كهرباء لبنان للبحث في المواضيع المالية، فيما تشير المعلومات الى ان مؤسسة الكهرباء ستبدأ اعتبارا من كانون الاول المقبل بجباية الفواتير المتأخّرة والمتراكمة عن اشهر سابقة لخفض المستحقات غير المدفوعة عن العام 2020 ومطلع العام 2021.

الملف الاهم يبقى موضوع تعديل زيادة التعرفة المثبتة منذ العام 1994 عند شطور تبدأ من 138 ليرة للكيلوواط مع اعتماد سعر 20 دولارا لبرميل النفط، فيما سعر برميل خام برنت يتخطى حاليا 80 دولارا، وتعديل التعرفة لا يمكن ان يتم بشكل ارتجالي بل فنيّ بحت. وللتذكير كانت مؤسسة كهرباء لبنان قد استعانت اواخر التسعينات بمؤسسة كهرباء فرنسا لدراسة تعرفة جديدة لكهرباء لبنان، ومنذ ذلك الحين لم يسجل اي تقدم في هذا الملف.
بالعودة الى خطة وزيرة الطاقة والمياه سابقا ندى البستاني، والتي يمتد تنفيذها الى ما بين 6 أشهر و10 سنوات وربما أكثر، فهي تهدف بحسب ما قدِّم يومها الى تخفيف العجز المالي لكهرباء لبنان وتحسين الخدمات ورفع التغذية مع استقدام أو إنشاء معامل موقتة، ابتداء من العام 2020 ولفترة تراوح ما بين 3 و5 سنوات، وبقدرة 1450 ميغاواط بالتوازي مع إنشاء معامل دائمة في سلعاتا والزهراني والحريشة. كما لحظت الخطة التي لم تنفذ العمل بين عامي 2019 و2026، على تحصيل نحو 1200 مليار ليرة، من خلال خفض مجمل الهدر من 34% إلى ما دون 11% تقريباً. يومها، أكدت الوزيرة البستاني إستحالة نجاح الخطة او اي خطة أخرى من دون تعديل التعرفة الحالية للكهرباء، فكان الاقتراح برفع التعرفة من 138 ليرة للكيلوواط ساعة، ليصبح ابتداء من أول العام 2020 نحو 217 ليرة، بالتوازي مع زيادة ساعات التغذية وخفض الاعتماد على المولدات الخاصة. ويومها أيضا، أنجز البنك الدولي بطلب من وزارة الطاقة والمياه دراسة مفصلة حول آلية زيادة تعرفة الكهرباء على مراحل وضمن شطور محددة، وبقيت الدراسة على الورق.

اليوم يعود وزير الطاقة والمياه وليد فياض ليؤكد ضرورة زيادة تعرفة الكهرباء، لكن من دون القدرة على تأمين تغذية أكثر من 12 ساعة يوميا، وفي أحسن الحالات بحلول نهاية النصف الاول من العام المقبل في حال صدقت الوعود ونجحت المساعي، ما يعني ان على المواطن تحمّل فاتورتين، كبيرة اي فاتورة الكهرباء، وفاتورة الاشتراك بالمولدات في غياب الحلول المستدامة، بل الترقيع لا أكثر. ولا بد من الاشارة الى ان البنك الدولي في معظم توصياته الاصلاحية يطالب لبنان بضرورة العمل على زيادة تعرفة الكهرباء، حتى انه شدد في العديد من المراسلات والخطط على ضرورة رفع هذه التعرفة من 138 ليرة للكيلوواط الى ما يقارب 2000 ليرة، فيما تتحدث المصادر عن ان التعرفة الجديدة قد تكون قريبة من تعرفة المولدات، لتصبح 3 آلاف ليرة للكيلوواط ساعة من 140 ليرة حالياً، على أن تكون متحرّكة وفقاً لسعر صرف الدولار في السوق السوداء، ومع اعتماد سياسة الشطور لربط كلفة الاستهلاك بالكمية المستهلكة، حيث ستتم زيادة التعرفة إستنادا الى ثلاثة او أربعة شطور ترتبط تحديداً بحجم الاستهلاك مع يعني إمكان اعتماد تعرفة تصاعدية بحسب نسب شرائح الاستهلاك، والاهم إقتناع الجميع بضرورة تصحيح التعرفة الحاليّة التي تقلّ بكثير عن كلفة الإنتاج.

في هذا السياق، يقول الباحث في مجال الطاقة في معهد عصام فارس في الجامعة الاميركية في بيروت مارك ايوب، انه “لطالما رُبط توقيت #رفع الدعم عن الكهرباء، أي رفع التعرفة تدريجا، بتحسّن الخدمة وزيادة ساعات التغذية، إلّا أن الانهيار الحاصل فكّك أواصر هذا الربط، ليأتي رفع الدعم بحكم الأمر الواقع لا ربطًا بتحسّن التغذية، وبالتالي ما كان يمكن أن يكون وقعه أخفّ على كاهل المُقيمين لو رُبِط بإصلاح فعلي، سوف تكون آثاره كارثيّة في ظلّ الانهيار القائم”. من هنا، لم يعد السؤال الجوهري مُرتبطًا بتوقيت رفع الدّعم عن الكهرباء، بل بكيفيّة تطبيقه وآليّات حماية الفئات الاجتماعيّة الأكثر تأثّرًا بهذا الإجراء. ويعود أيوب ليشير الى عدم وجود أرقام دقيقة حول كيفيّة توزّع استهلاك الكهرباء في لبنان، لكن يُقدّر أن يكون أكثر من نصف الاستهلاك منزليًا. وهو ما يحتّم توزيع تكاليف الكهرباء بشكلٍ عادل، بحيث تتحمّل الطبقات الأكثر استهلاكًا العبء الأكبر من رفع الدعم.

تشير أرقام البنك الدولي للعام 2016 الى أن 62٪ من عائدات مؤسّسة كهرباء لبنان تأتي من الشرائح التي يزيد استهلاكها عن 500 ميغاواط ساعة في السنة، فيما تأتي النسبة الباقية من شرائح المستخدمين الأقل استهلاكًا للطاقة ويتوزّعون سنويا كالآتي:

• 8٪ ممن لا يزيد استهلاكهم عن 100 ميغاواط ساعة.
• 16٪ ممن يراوح استهلاكهم ما بين 101 و300 ميغاواط ساعة.
• 7٪ ممن يستهلكون ما بين 301 و400 ميغاواط ساعة.
• 7٪ من الشريحة التي تستهلك ما بين 401 و500 ميغاواط ساعة.

تبيّن هذه الأرقام بحسب الدراسة التي قام بها ايوب أن دعم الطبقات الأكثر فقرًا، إذا ما احتسبنا الشريحتين الأوليين من الاستهلاك، لا تتجاوز قيمته 24٪ من مداخيل مؤسّسة كهرباء لبنان، مشيراً في هذا السياق الى إمكان اللجوء إلى آليّتين لحماية الشرائح الأكثر فقرًا أو تأثّرًا برفع الدّعم، وهي:

– منح تعويضات نقدية مباشرة عن ارتفاع الأسعار، إسوة بالنموذج الذي اتبع في إيران في العام 2010 وفي الأردن في العام 2012، وإضافتها إلى الحصص النقدية المُفترض توزيعها عبر برنامج البطاقة التمويليّة.

– إعتماد نظام دعم هادف ومتفاوت بحيث تحصل الأسر التي لا يتعدّى استهلاكها سقفًا معيّنًا على كهرباء مدعومة أو حتّى مجانيّة. بالمقابل، يرفع الدعم كليًا عن باقي شرائح المُستهلكين.

قد تكون الآليّة الأولى بحسب أيوب أسرع وأكثر فاعليّة لأنها لا تحتاج إلى جهود مؤسّسة كهرباء لبنان، ولكن قد يشوبها بعض التفاوت وانعدام في المساواة. أمّا الآليّة الثانية فتتطلّب جهودًا إداريّة وماليّة، من دون ضمان أن تحقق الأهداف المرجوّة منها، كَونها تستوجب تحديد معدّلات الاستهلاك التي تحتاج إليها الأسر، ولا سيّما شريحة الاستهلاك الأدنى التي تقدّر بنحو 88٪ من مجمل المشتركين في الخدمة، وكذلك وجود عدّادات ذكيّة لضبط الاستهلاك ومنع التلاعب. وهنا يبقى التحدّي على المدى المتوسّط في كيفيّة خفض التأثيرات السلبيّة الناجمة عن رفع الدعم على النشاطات الاقتصاديّة، وهو ما يتطلّب إعداد بيانات دقيقة لتوزّع الاستهلاك بين المؤسّسات الاقتصاديّة المختلفة، تجاريّة وصناعيّة، وتحديد الأولويّات وفقًا لأهمّية هذه النشاطات ومساهمتها في تعزيز الأمن الاجتماعي والتصدير.

ويعود أيوب ليشير الى ان الوفر المتوقّع من تعديل تعرفة الكهرباء يجب أن يترافق مع رؤية للنهوض بالقطاع، ووضع خطّة طويلة الأمد للمزيج الطاقوي للبلاد، عبر زيادة الانتاج الى حدود 3000 ميغاواط، وهي حاجة لبنان القصوى بحسب دراسة حديثة للبنك الدّولي، من خلال الاستثمار في الغاز الطبيعي، والتخفيف من الخسائر التقنيّة وغير التقنيّة بالتوازي مع التحوّل نحو الطاقات المُتجدّدة التي تخفّف الاعتماد على مصادر الوقود الأحفوري المستورد والأكثر كلفة والملوِّث في آن.

في كل الاحوال قرار زيادة تعرفة الكهرباء يعود الى الحكومة، على ان يتخذ القرار المناسب بحلول نهاية العام الحالي وبالتنسيق مع البنك الدولي، لتدخل هذه الزيادة حيز التنفيذ مطلع العام المقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى