شرارات جلسة اللجان تنبش”الجمر” وترفع المتاريس (النهار ٣ آذار)

لم تمر جلسة اللجان النيابية المشتركة الثلثاء الماضي مرور الكرام في ساحة النجمة نظراً الى ما خلّفته من آثار سلبية وانقسامات بين الكتل حملت علامات طائفية لم يهضمها نواب كثيرون رفعوا الصوت جرّاء بروز انقسامات مسيحية – اسلامية على السطح، حيث سارع النائبان بلال عبدالله وهادي ابو الحسن مع قلة من زملائهما الى التحذير من هذه المشهدية التي لا تدعو الى الاطمئنان وسط كل الخلافات المفتوحة حيال ما يصدر عن حكومة تصريف الاعمال التي تجاهد لتسيير شؤون المواطنين رغم هذا السيل من الضغوط. وبصرف النظر عن جدول اعمال الجلسة وما جرى ادخاله عليها، يلاحَظ ان موضوع الشغور المفتوح في الاستحقاق الرئاسي يشكل اولوية عند الكتل المسيحية التي طيّرت نصاب الجلسة، ولا يعني ان النواب الآخرين لا يكترثون لهذا الاستحقاق.
واذا كان تصميم كتل “لبنان القوي” و”الجمهورية القوية” والكتائب على اعطاء الاستحقاق الرئاسي صدارة الاولويات في المجلس، إلا أنه لا ينبغي عند كتل اخرى استجرار التعطيل الرئاسي الى الحكومة والتوقف عن متابعة ملفات اجتماعية مثل التربية والكهرباء ومشروع الحصول على الفيول من العراق، وهي تخص كل اللبنانيين.
وانتهت تلك الجلسة بعد اطاحتها بجملة من “الندوب البرلمانية” غير المستحبة، وكان اخطرها اطلاق النواب العونيين اتهامات للرئيس نجيب ميقاتي بالتزوير، الامر الذي اغضب مجموعة من النواب السنّة وغيرهم الذين رفضوا هذه الاتهامات وبعضهم لا يلتقون مع سياساته. ويُسجل لنائب رئيس المجلس الياس بو صعب انه عمل جاهدا على ادارة الجلسة بهدوء وحكمة قدر الامكان، لكنها أفلتت من يده ولم يوفق في تهدئة الجبهات المفتوحة في المجلس. وكان نواب “القوات اللبنانية” اول الخارجين من الجلسة، ثم كرّت السبحة مع العونيين إذ ردد بعضهم أنهم اطاحوا الجلسة و”نغادرها بكل فخر”.
وأراد النائب جبران باسيل ان يظهر في موقع “المتحرر” من “حزب الله” في ظل افتراق الطرفين حيال مقاربة انتخابات الرئاسة الاولى. وقد حذّر ابو الحسن من خلاصات هذه الجلسة بالقول: “اذاً كان المطلوب نصب متاريس تحت قبة البرلمان”.
لكن نواب “القوات” و”التيار” يرفضون تصوير مغادرتهم بانها جاءت لاسباب طائفية، مع ملاحظة ان الاصطفاف الحاصل في مجلس الوزراء انسحب الى البرلمان في خضم النزاع المفتوح في شأن صلاحيات حكومة تصريف الاعمال.
ولا يقول النائب آلان عون ان النواب المسلمين ليسوا حرصاء على موقع الرئاسة الاولى واتمام الانتخابات، مع اعترافه بان البلد والمؤسسات لا تعمل في حالة طبيعية. ويجزم بأن تكتله مستمر بالمشاركة في اعمال اللجان النيابية. ويعزو الإشكالية الحاصلة الى كيفية التعاطي مع المراسيم التي تصدرها الحكومة ومسألة التواقيع.
وكان النائب عبدالله قد خرج مصدوماً من الجلسة التي سبق لها ان مرت بمثل هذه الفصول في محطات اخرى ابان مناقشة ادخال تعديلات على قانون الانتخاب النافذ قبل الانتخابات النيابية الاخيرة. وتم التعاطي آنذاك مع اكثر من موضوع من زوايا مذهبية مع محاولة خفض سن الاقتراع الى 18 عاماً، اضافة الى الدخول في خلافات مع مناقشة ملفات تخص المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية. ودفعت كل تلك الوقائع نائب الشوف الى رفع الصوت والخروج الى القول على مسمع العدد الاكبر من النواب: “يبدو ان البعض لم يتعلم من تجارب الحرب”. ويكرر الرجل اليوم الكلام نفسه. ولا يقلل من ضرورة تركيز كل الكتل النيابية والنواب المستقلين على الاسراع في اجراء الانتخابات الرئاسية، “لكن هذا لا يمنع متابعة شؤون المواطنين في الطبابة والدواء ومواضيع معيشية اخرى. فهل المطلوب التفرج عليها؟”.
ولم يخفِ عبدالله في مداخلاته في المجلس وقوله لـ”النهار” ان تقاطعات سياسية بين “القوات” و”التيار” ادت الى هذه النتيجة وتطيير النصاب في جلسة اللجان المشتركة “حيث دخل الطرفان في حفلة تصعيد ومزايدات تحت عنوان الدفاع عن صلاحيات رئاسة الجمهورية. (ثمة من يخشى وصولهما الى معراب 2). وهما لا يلتقيان في مقاربة هذا الاستحقاق الوطني الذي يخص جميع اللبنانيين”. ويعيد “المناوشات” التي شهدها المجلس الى قانون انتخاب “أعوج ولا يجلب إلا الازمات والمشكلات ولا يلبي طموحات العدد الاكبر من اللبنانيين”.
وبعد واقعة الجلسة الاخيرة وما حملته من “شرارات مذهبية”، ثمة من يقترح على النواب الولوج في مقاربات اخرى. ويقول النائب السابق البر منصور إنه لم يشهد هذا النوع من السجالات الطائفية قبل الطائف، ويحذر من “المتحور المذهبي المخيف”. وما زاد الطين بلة في رأيه هو “خلق بدع جديدة اختُرعت بعد العام 1992 مثل الميثاقية الطائفية والمذهبية، وكلها تؤدي الى الانهيار بعد فرط البلد”. وما يستغربه ان البرلمان “تحول مكانا للنوم”. ولا يرتاح منصور لمشهد تعاطي النواب الحاليين، كما لا يقلل من آثار الصراع الماروني – الماروني المفتوح وانعكاسه على الفراغ الرئاسي. وما يرفضه ايضا هو عدم تلبية الافرقاء دعوة الرئيس نبيه بري للحوار، مع اشارته الى ارتباط البعض بجهات خارجية والحرص على تنفيذ املاءاتها. ويتعب منصور وهو يقارن نواب اليوم بالامس ممن كان له حظ العمل معهم.
في الماضي كان كميل شمعون وكمال جنبلاط، على سبيل المثال، يدخلان ويتصارعان في حوارات سياسية تحت قبة البرلمان، ولو كان كل منهما يعبّر عن هواجس طائفته، لكنهما لم يتجاوزا ابسط قواعد التشريع او الاطلالة بثوب طائفي.
يقول منصور الذي طلّق النيابة والوزارة ولا يزال يتنفس السياسة: إن اللبنانيين يشهدون اليوم، من دون تعميم، “بضاعة نيابية” لا تشبه قامات رحلت.



