أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

زراعة القنّب الهندي في لبنان: من الوعد المؤجَّل إلى التنفيذ… البقاع يكتب فصلاً جديداً من شرعيّة الأرض (الديار ٢٧ تشرين الأول)

في عام 2020، عندما أُقرّ القانون رقم 178 الذي يشرّع زراعة القنّب الهندي للأغراض الطبية والصناعية، استبشر المزارع البقاعي خيراً. كانت الفكرة بسيطة ونبيلة: تحويل زراعةٍ ظلّت لعقودٍ محظورة إلى مصدر رزقٍ شرعي، يحمي المزارع من السوق السوداء ويُخرجه من دائرة الملاحقة إلى حضن الدولة.

لكنّ الطريق من التشريع إلى التطبيق لم يكن مفروشاً بالورود. عامان من الجمود البيروقراطي والوعود المؤجلة جعلت القانون أقرب إلى “ورقة حبر” لا أكثر، حتى تدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري مطلقاً ما يشبه “حرباً على التباطؤ” لتفعيل هذا الملف الحيوي.

القانون الذي وُلد من رحم الأزمة

لم يكن قانون 178 وليد رفاهية اقتصادية، بل نتيجة ضيقٍ مزمن عاشه المزارع اللبناني، خصوصاً في البقاع، حيث الزراعة هي المورد الأول وربما الوحيد لمعظم العائلات.

فجاء القانون ليشرّع القنّب الهندي ضمن ضوابط محددة، وينظمه عبر هيئة ناظمة تتمتع بصلاحيات واسعة تشمل الترخيص، الرقابة، التصنيع، والتسويق. والهدف كان واضحاً: خلق نموذج زراعي – صناعي متكامل، يدرّ أرباحاً مشروعة ويحدّ من هيمنة السماسرة والمافيات.

لكنّ غياب المراسيم التطبيقية وتعطّل الهيئة الناظمة أفرغا المشروع من مضمونه. حتى بدأت في الأسابيع الأخيرة مؤشرات جدّية على أن العجلة عادت لتدور.

لقاء بعلبك: ولادة جديدة للقانون 178

في مشهدٍ غير مألوف في البقاع، جمع لقاء موسّع في مقر اتحاد بلديات بعلبك عشرات الشخصيات السياسية والزراعية والاجتماعية، بدعوة من جمعية “إرشاد” وبرعاية وزير الزراعة نزار هاني.

فقد حضر اللقاء نواب ووزراء سابقون ورؤساء بلديات ومخاتير ونقابيون وخبراء، في حضور الهيئة الناظمة للقنب الهندي برئاسة داني فاضل وعضويّة محمد مروة، إلى جانب رئيس جمعية “إرشاد” الحاج بسام طليس ومسؤولين من حركة “أمل” واتحاد الفلاحين.

فالرسالة كانت واضحة: زمن الانتظار انتهى. فالقانون الذي وُضع على الرف لسنوات بات اليوم أمام اختبار التنفيذ الفعلي.

هاني: زراعة واعدة… وتنظيم علمي صارم

أكد وزير الزراعة نزار هاني خلال اللقاء أنّ “زراعة القنّب الهندي ليست زراعة عشوائية أو تقليدية، بل حديثة وواعدة”، مشيراً إلى أنّ نجاحها يتطلّب أساليب علمية وتقنيات متطورة.

واقترح ثلاث خطوات أساسية:

1- تشكيل تعاونيات متخصصة تجمع المزارعين ضمن أطر قانونية منظّمة.

2- التصنيع الأولي في المناطق الزراعية لتشجيع القيمة المضافة وخلق فرص عمل.

3- الزراعة التعاقدية بحيث لا يُسمح لأي مزارع بالزراعة من دون عقد مسبق مع مصنع أو مصدر معتمد، ما يضمن التسويق المنظم ويمنع تهريب المحاصيل أو استغلالها.

وأكد هاني أنّ الوزارة تعمل بالتوازي على البرنامج الوطني للإرشاد الزراعي والسجل الزراعي الوطني الذي سيصبح مرجعاً رسمياً لتسجيل مزارعي القنّب وتنظيم عملهم تحت إشراف الدولة والهيئة الناظمة.

طليس: من الملاحقة إلى الشِرْكة

من جانبه، شدّد رئيس جمعية “إرشاد” بسام طليس على أنّ “القنب الهندي لم يعد تهمة بل فرصة”، داعياً إلى عفوٍ عام يستثني المزارعين الذين عانوا لعقود من الملاحقات.

وقال إنّ القانون 178 هو ثمرة مبادرة مباشرة من الرئيس نبيه بري، “المدافع الأول عن حقوق المزارعين”، مضيفاً أنّ “المرحلة الجديدة هي شركة حقيقية مع الدولة لا خضوع لها”.

ودعا إلى الإسراع في استيعاب المحصول الحالي كخطوة رمزية لطمأنة المزارعين إلى أنّ الدولة باتت شريكاً لا خصماً.

فاضل: من الوعود إلى التنفيذ!

أما رئيس الهيئة الناظمة داني فاضل، فاعتبر أنّ تشكيل الهيئة شكّل تحوّلاً مفصلياً من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ، مؤكداً أنّ الهيئة بدأت عملها رسمياً الأسبوع الماضي.

وكشف أنّ العمل جارٍ على إعداد المراسيم التطبيقية وتنظيم العملية الإنتاجية كاملةً، من منح التراخيص إلى التصنيع فالتصدير، بإشراف الدولة.

كما أعلن عن إطلاق منصة إلكترونية وطنية تُنظم عمليات البيع والرقابة، وعن إعداد شهادة منشأ رسمية للمنتج اللبناني، لتمنحه هوية قانونية تسمح له بدخول الأسواق الدولية.

وأشار فاضل إلى أنّ الهيئة باشرت جولات ميدانية لتقييم الموسم الحالي بالتعاون مع الدكتور محمد مروة، مؤكداً أنّ “لا نية لتلف المحاصيل”، بل لاحتضانها وحماية تعب المزارعين.

بين الطموح والواقع!

على رغم الأجواء التفاؤلية، يدرك المشاركون أنّ المشروع يقف على أرضٍ مليئة بالألغام السياسية والإدارية.

فمنذ انطلاق النقاش حول القانون عام 2020، ظهرت مطالب من جمعيات بقاعية بضرورة أن يكون أعضاء الهيئة الناظمة من “أبناء الأرض”، لضمان تمثيلٍ عادل وفهمٍ أعمق لطبيعة الزراعة المحلية.

كما تخشى بعض الجهات من أن تتحوّل الزراعة الشرعية إلى بابٍ جديد للاحتكار أو النفوذ، إن لم تُدار بشفافية ومراقبة صارمة.

لكنّ القوانين الحديثة التي وضعتها الهيئة، مثل الرقابة بالكاميرات، البيع عبر البورصة الرقمية، والتسعير الشفاف – تهدف إلى منع تكرار التجارب الفاشلة السابقة في الزراعة اللبنانية.

القنب اللبناني… من التربة إلى السوق العالمية

أبرز ما يميّز المشروع الحالي هو اعتماده على البذور اللبنانية المحلية التي أثبتت قدرتها على إنتاج نسب عالية من مادة الـ CBD ذات القيمة الطبية المرتفعة.

وهذه الميزة تمنح المنتج اللبناني ما يُعرف في الاقتصاد الزراعي بـ”الـ Local Premium”، أي القيمة الإضافية المحلية التي تميّز المنتج الوطني وتجعله قادراً على المنافسة عالمياً.

وإذا ما تمكّن لبنان من دخول سوق الصناعات الطبية والتجميلية القائمة على القنّب، فإنّ العائدات المتوقعة قد تفتح الباب أمام نهضة اقتصادية في المناطق الريفية المهمّشة.

هل يتحرّر المزارع من التبعية؟

تظهر التحقيقات الميدانية واللقاءات السياسية الأخيرة أن الدولة بدأت تُدرك أن إنقاذ المزارع ليس ترفاً بل ضرورة وطنية.

ففي البقاع، حيث لطالما ارتبطت الأرض بالملاحقة لا بالشرعية، قد يتحوّل القنّب الهندي الشرعي إلى جسر عبورٍ من اقتصاد الخوف إلى اقتصاد الكرامة.

ومع إطلاق الهيئة الناظمة لأعمالها، تبقى الأنظار شاخصة إلى آذار المقبل، حيث يُفترض أن تبدأ المرحلة الأولى من الزراعة التعاقدية.

فهل يُكتب للبقاع أن يتحوّل من منطقة منسية إلى مختبرٍ زراعي رائد في الشرق الأوسط؟

الإجابة ستأتي من الأرض… ومن أيدي المزارعين الذين يعرفون جيداً أنّ البذرة لا تنبت إلا حين تجد من يرعاها.

بواسطة
أمل سيف الدين
المصدر
الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى