الإعلام المجتمعي للتنمية (النهار ١٤ آذار)

التنمية المحلية تتجاوز النمو الاقتصادي الذي هو محرّك وليس غاية. وتبقى التنمية اجتماعية أولاً وقبل كل شيء… نموذج التنمية الذي يتجاهل البعد الثقافي محكوم عليه بالفشل (اليونسكو، القمة العالمية للتنمية الاجتماعية، كوبنهاغن، 1995).
يرى ريتشارد برينكمان (“النموّ الاقتصادي مقابل التنمية الاقتصادية، 1995”) أنّ النمو من حيث الشكل والهيكل يتميّز عن التنمية لكنه يرتبط بها. النمو تطوّر كميّ أما التنمية فتراكمية وهي تطوّر وترقٍّ.
تكلم مقدسي وصدقة في “البنك الدولي، فهم الحرب الأهلية، 2005” عن نموّ سريع للاقتصاد اللبناني في مرحلة ما قبل الحرب وتوجّهه الى التجارة والخدمات على حساب الزراعة والقطاعات الأخرى مما أوجد تنمية غير متكافئة وفوارق اجتماعية واقتصادية مهمة وفجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء. موقف الطبقة الوسطى التي شكلت 25% كان الأكثر بروزاً. فمسألة عدم المساواة في توزيع الدخل كانت ظاهرة. في “خلفية الحرب الأهلية: أزمة الرأسمالية اللبنانية” تكلم سليم نصر عن دخول الريف اللبناني في انحلال وأزمة دائمة قبيل الحرب، وعن تراجع الزراعة من 20٪ من الناتج المحلي (1948) إلى أقل من 9٪ (1974.( تحللت الأرياف، وانهار الفلاحون ونزحوا الى العاصمة قبيل الحرب. فتكوّنت أحزمة الفقر والغضب التي استثمر فيها. وتكلم عن تمركز رأس المال بشكل غير متكافئ وعن تردّي العلاقات ما بين الشرائح الاجتماعية. واضاء على واقعة الركود في أسعار التبغ الشرقي من جراء عولمة المذاق بفعل طغيان الخلطة الأميركية في السجائر حينها، ما أدى الى تراجع الطلب وتدنّي الأسعار واستياء المزارعين الذين انتفضوا في الشوارع. فشكل ذلك مؤشراً سلبياً حول إمكانية تفجير الوضع.
لذا، وبناءً على ما تقدّم، فإنّ النمو الذي لم يُترجم تنمية متكافئة كان أحد الأسباب غير المباشرة للانفجار. وانتهت الحرب وبدأت مرحلة أخرى لم تلحظ أنّ الأدوار القديمة للبد تفجّرت، وأنّ ثمة حاجة لرسم استراتيجيات جديدة الى أن بلغنا واقع انعدام النمو والتنمية معاً، بعجيبة أمن ما زال متماسكاً الى حد بعيد، لكن الى متى؟
يقول J. BRADFORD DELONG (PS.2023) إنّ الحداثة أضافت الى الحضارة اقتصاد السوق الذي صمّمه رجال الأعمال لتلبية حاجاتهم، والبيروقراطية التي هندستها الدولة الحديثة. البيروقراطية قضت على فوضى حياة الناس، وأوصلت الأكثر فائدة الى السلطة. أما الأسواق فقد أدخلت عوامل خارجية مكلفة غير محتسبة أدّت الى مخاصمة النمو للتنمية وأنتجت عصر النفايات والاستهلاك وعدم الاستقرار في الدول وتمخّضت عن أزمة الاحتباس الوجودية. ثمة معطى جديد دخل ألا وهو مجتمع الخوارزمي الذي ضاعف اختلالاتنا البنيوية.
السوق والبيروقراطية أديا الى “بناء حضارتنا القوية، لكن المعيبة وغير المتكافئة”. وما يقلق هو دخول “المجتمع الخوارزمي” الى المعادلة فخدم نزقنا وأهواء الخوف والغضب لدينا. مجتمع سلبي ينشر أسوأ ما عندنا والسوق تلبّي حاجات القلة. والنتيجة هي مزيد من الاختلالات والتصدعات البنيوية عالمياً وفي أوطان ممزقة كلبنان.
في خضم الانهيار والعجز لا يجوز الاستسلام. أملي أن يسهم الإعلام المجتمعي في رفد أجيالنا بما يفيد، وتنميتها في ظل توقف غالبية المدارس والجامعات بسبب الأزمة منعاً للمزيد من التصدعات. يجب التفكير في دعم الإعلام كي يخدم المجتمع. إعلام يموَّل من الناس كي يبقى للناس، فيكون جزءاً من الخير العام ولا يرتهن للمموّلين. إعلام مجتمعي يسهم في تنمية المجتمع.
علينا كقادة رأي أن نكون جزءاً من حل أزمة وجودية وأن لا نتحوّل الى جزء منها…



