مزايدة البريد: كفّة التمديد لـ”ليبان بوست” مرجّحة أكثر (النهار ٣ تشرين الثاني)

يحار اللبنانيون في كيفية فهم إدارة دولتهم لمشاكلها والمستجدات التي تطرأ على وظيفتها يومياً، خصوصاً في ما يتعلق بمشاريع التلزيم والإدارة والتعاقد وخلافه. فما بين الكمائن التي توضع في دفاتر الشروط، مزايدات كانت أو مناقصات لاستدراج العروض، وما بين استدراج الحكومة تحت ضغط ضيق الوقت أحياناً أو الفراغ الإداري أحياناً أخرى، تمرر مشاريع وتلزيمات تشوبها أسئلة كثيرة وشبهات فساد. وإلا فما الطارئ اليوم في ظل أجواء حربية وعسكرية وأسئلة حيال مصير البلد وبُناه التحتية، ليتسلّل اقتراح وزير الاتصالات تلزيم خدمات البريد وفق مزايدة كان ديوان المحاسبة وهيئة الشراء العام قد رفضاها لثغرات عدة ليست في مصلحة الدولة وماليّتها العامة.
وإن كان ما حصل في جلسة مجلس الوزراء من نقاشات في ملف مزايدة البريد التي وصفها البعض بالفضيحة، فإن الفضيحة الكبرى في الاعتماد على رأي ديوان المحاسبة وهيئة الشراء العام لغسل ماء الوجه، ومن ثم الانقضاض عليهما لإبعادهما عن المشهد الرقابي، كما حصل في مجلس الوزراء الذي طلب من وزير الاتصالات جوني القرم إعداد تقرير نهائي ليُبنى على الشيء مقتضاه.
رئيس هيئة الشراء العام الدكتور جان العلية شرح لـ”النهار” مسار المزايدة بدءاً من إطلاقها في 16 شباط الماضي وصولاً إلى قرار مجلس الوزراء مجتمعاً أول من أمس “تكليف وزير الاتصالات برفع تقريره النهائي والمفصّل حيال الموضوع المطروح تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب”.
وقال: “أطلقت المزايدة مرتين، الأولى لم تفض إلى أي نتيجة، والثانية أطلقت في 30 آذار 2023 وأعلنت وزارة الاتصالات يومها فوز عارض وحيد هو تحالف شركة Merit invest – Colis Privé، ووقتها أصدرت هيئة الشراء العام تقريرها الثاني، تاريخ 6/4/2023 أعلنت فيه أنه “تبيّن بعد التدقيق بالملف أن العرض المقدَّم لا يتطابق مع أحكام دفتر الشروط الخاص بالمزايدة ولا يحقق التوازن المالي لمصلحة الدولة اللبنانية، وأوصت بإلغاء المزايدة. ورغم أن الوزير شكّك في التقرير، بعدما كان قد رفضه، أقرّ لاحقاً بمضمونه وألغى المزايدة التي أُجريت للمرة الثانية بتاريخ 30 آذار 2023، وقرّر إعادة إطلاق المزايدة من جديد، وأجرى بعض التعديلات على دفتر الشروط لتوسيع دائرة مشاركة العارضين. وبتاريخ 12 تموز 2023 أجريت المزايدة من جديد، ولم يتقدَّم إلا عارض واحد هو تحالف شركة Merit invest – Colis Privé. أمام ما تقدّم، كان يُفترض برأي هيئة الشراء العام إعطاء مهل إضافية للعارضين لتحضير عروضهم، الأمر الذي رفض وزير الاتصالات الاستجابة له ورأى أن الشركتين اللتين طلبتا تمديد المهلة غير جدّيتين. كما طلبت هيئة الشراء العام من الوزير تبسيط الشروط لتسهيل دخول أو مشاركة الشركات لناحية خفض رأس المال من 10 ملايين دولار، إلى الحد القانوني. ولكن الوزير رفض التجاوب مع هذا الطلب، بما استدعى من هيئة الشراء إصدار تقرير أشارت فيه إلى الثغرات القانونية وعدم إمكانية التعاقد مع مقدم العرض الوحيد. ثم عرض الملف على رقابة ديوان لمحاسبة الذي رفضه بالاستناد إلى تقرير هيئة الشراء العام. ولكن وزير الاتصالات طلب إعادة النظر، ولكن الديوان أصر على موقفه بعد الاستماع لوزير الاتصالات ورئيس هيئة الشراء العام. وقال العلية: “الخلاف تُرجم أول من أمس في مجلس الوزراء، إذ إن رئيس ديوان المحاسبة وأنا علّلنا موقفنا بالاستناد إلى القوانين فيما الوزير اعتمد لغة “الواتساب” للرد على ما لا يقل عن 15 كتاباً ومراسلة قدمتها. وتالياً، فأنا أتحدّاه أن يثبت من خلال هذه التقارير أنني وافقت على المزايدة”.
إذن، مهمة هيئة الشراء العام وديوان المحاسبة انتهت عند هذا الحد، وأصبح الملف كله بيد مجلس الوزراء في انتظار القرار النهائي، فهل سيكسر رأي هيئتين رقابيتين مثل ديوان المحاسبة لمصلحة عرض وحيد؟
وما حصل في مجلس الوزراء استدعى من وزير الاتصالات إصدار بيان أكد فيه احترامه للقوانين والأنظمة المرعيّة الإجراء ولا سيما ديوان المحاسبة، المؤسسة العريقة التي يجب أن نكون سنداً ومن الداعمين لها خصوصاً في هذه الظروف الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تمرّ بها البلاد لا سيما وزارة الاتصالات.
وأكد أنّه أبدى اعتماده الكامل على ديوان المحاسبة في ما خص موضوع مزايدة قطاع البريد لناحية الاطلاع وإجراء المقتضى لجهة بت القرار النهائي، لكن ديوان المحاسبة أصدر قراره بعد الاستماع لإفادة هيئة الشراء العام التي أبدينا استغرابنا لناحية رفضها السير بنتيجة المزايدة الثالثة التي أُجريت لقطاع البريد والتزمت وزارة الاتصالات بتوصيات ديوان المحاسبة ولا سيما في تقريره رقم 2021/11 تاريخ 2021/6/8 وأن هذه التوصيات كانت المحور الأساس في إعداد دفتر الشروط والمستندات التابعة له خاصة لجهة إعادة التوازن المالي للعقد.
ووصف الواقع كالآتي: “إما توقيع نتائج المزايدة الثالثة الرابح المؤقت وهو ائتلاف شركتي Merit Invest و Colis Privé France، أو الاتجاه بالخيار الثاني وهو التجديد ل#ليبان بوست، وهذا الخيار الذي لا نحبّذه نظراً لأن التمديد يعني هدر المال العام، فالهم الأساس استمرارية المرفق العام والموظفين الذين يشغّلونه”.
مصادر متابعة انتقدت بيان الوزير قرم، لافتة إلى أن توصيف الواقع بالنسبة إلى الوزير القرم هو وضع مجلس الوزراء أمام خيارين سيّئين بالمطلق، وذلك بعد إضاعة الوقت الطويل والأشهر المتتالية دون تحضير للخيار الثالث.
ولفتت إلى أن الوزير قرم تجاهل تماماً الخيار الثالث وهو الذي كلّفه به مجلس الوزراء منذ أشهر تحضيراً للواقع الذي فرضه علينا الوزير بنفسه اليوم، وهو يتمثّل بإنشاء شركة مساهمة لبنانيةPIC Postal Interim Company، تكون انتقالية تُدرَج جميع عقود شركة “ليبان بوست” ضمنها ويمكنها إدارة قطاع البريد بجميع أصوله كما تدير شركتي الخلوي اليوم القطاع من خلال MIC1 Mobile Interim Company1 وMIC2 Mobile Interim Company2، علماً بأن القرم أشار بنفسه سابقاً إلى أن هذا الخيار من الممكن اللجوء إليه حيث بإمكان هذه الشركة من اليوم الأول أن تصرف من مدخولها لتتمكن من الدفع للموظفين، إذ لا يمكن للدولة أن تؤمن التمويل لها، وذلك على غرار ما يحصل في شركتي “ألفا” و”تاتش”، فالهمّ الأساس استمرارية المرفق العام والموظفون الذي يشغلونه على حد قول الوزير، علماً بأن هذا الخيار الثالث لا يتطلب وقتاً طويلاً للقيام به، بل فقط تسجيل شركة PIC بالسجل التجاري في بعبدا والبدء فوراً بإجراءات نقل العقود من خلال تعيين لجان نقل في مختلف الأقسام Transfer Committees تحت إشراف مديرين متخصصين في ذلك، علماً بأن مديرين من هيئة “أوجيرو” سبق أن أسهموا في إجراءات شركتي الخلوي MIC1 وMIC2 وكانوا ضمن اللجان المتخصّصة في هذه الأعمال.
ولكن وزير الاتصالات أكد لـ”النهار” أنه صُرف النظر عن إنشاء هذه الشركة، على اعتبار أن حظوظ النجاح بالمشروع ضئيلة جداً، نظراً إلى حاجتها إلى التمويل ومتخصّصين لإدارتها، فيما في الواقع لا يعمل في الوزراة إلا المدير العام ومساعدته، معتبراً أن “حظوظ الفشل أكثر من حظوظ النجاح وبدلاً من أن يدرّ القطاع على الخزينة سنصرف عليه أموالاً”.
وكشف الوزير أنه منذ تسلّم الوزارة كانت ميزانية البريد شبه صفر ولا تزال، فيما عمدت دار الهندسة الشاعر وشركاه إلى مساعدة الوزارة على إعداد دفتر الشروط من دون مقابل، حتى إن الوزارة لم تدفع كلفة الإعلانات التي نشرت في وسائل الإعلام حتى الآن”.
وإذ أشار إلى أن “كل الخيارات المتاحة صعبة وغير مستحبة”، قال: “إذا عدنا إلى نقطة الصفر، فإنه حسب المعطيات التي توافرت، يجب تأمين التمويل لإجراء مناقصة لتكليف شركة استشارات إجراء دراسة جدوى لتلزيمها. بعدها وبناءً على الدراسة علينا إعداد دفتر شروط جديد نأمل أن نجد شركة تعده من دون مقابل، وإلا فسنضطر الى إيجاد تمويل وإجراء مناقصة لدفتر شروط جديد. ومن بعدها سنطلق مزايدة التي تحتاج وفق ديوان المحاسبة الى 3 أشهر من وقت إعلانها الى حين فضّ العروض. إضافة الى ذلك، ثمة نقطة أثارها ديوان المحاسبة، وتتعلق في ما إن كان يحق لحكومة تصريف أعمال أن تبتّ هذا الموضوع، أم تحتاج الى قانون في مجلس النواب”.
أمام هذا الواقع، يرى القرم أن “الموضوع يتطلب وقتاً. وتالياً فإن مجلس الوزراء مضطر للتجديد لليبان بوست الذي انتهى عقدها في 31/5/2023″، لافتاً الى أن “ليبان بوست”، خسرت كل العقود مع الشركات الخاصة والمصارف وحتى مع الدولة. وكلما تأخرنا خسر القطاع من قيمته، وكل يوم تأخير تخسر الدولة 13 ألفاً و700 دولار أي 15 مليون دولار سنوياً.
ولكن، ماذا سيتضمّن التقرير؟ يؤكد قرم أن “التشاور الذي لا يزال قائماً حيال فكرة لم تتبلور بعد. الفكرة سيعرضها ميقاتي كمخرج للموضوع، علماً بأن مجلس الوزراء أصبح لديه وجهة نظر حيال ملف البريد على ضوء المعطيات التي توافرت من المعنيّين”.
الى ذلك، أكدت مصادر مجلس الوزراء أن ما حصل من نقاشات داخل المجلس هو فضيحة بكل ما للكلمة من معنى وخصوصاً حيال المفاوضات التي حصلت مع رجل الأعمال وسام عاشور لتؤول إليه المزايدة بعد خفض حصّة الدولة من 10% إلى 7%.
وفي السياق، أصدر وكيل المهندس محمد وسام عاشور وشركة غانا بوست المحامي فادي جمال الدين بياناً توضيحياً عن مزايدة البريد، لفت فيه الى أنه بعد فشل المزايدتين الأولى والثانية لعدم وجود أي مزايدين، وبعد علمه بالأمر، تدخل أحد المقربين من وزير الاتصالات وهو مستشار لأحد الوزراء في حكومة تصريف الأعمال، وأرسل لموكلي رقم هاتفه وطلب منه إرسال المقترحات التي تراها غانا بوست مناسبة لمشاركتها في المزايدة ولاستقطاب المزايدين من الشركات الأجنبية والعالمية. وهذا ما حصل فعلاً، فقام موكلي بمراجعة شركة غانا بوست واستحصل منها على اقتراحاتها لتعديل دفتر الشروط، وأرسلها كرسالة نصّية بالواتساب لوزير الاتصالات”.
ولفت الى أنه “بعد توجيه الرسالة النصية، وقبل طرح المزايدة الأخيرة ودفتر الشروط الجديد المعدل، قام موكلي برفقة المستشار بزيارة وزير الاتصالات في مكتبه لشرح الاقتراحات شفاهية”.




