الفصل بين لبنان السياحي ولبنان السياسي

ما بين السياحة المزدهرة والسياسة المعطلة، خيط رفيع لن ينقطع أبداً، لأنه علامة فارقة للبنان منذ ان رُسم على الخريطة، وميزة فريدة للبنانيين منذ أن تجمعوا داخل حدود الدولة الواحدة. الصيف الحالي ليس استثناء لمواسم سياحية وسياسية مشابهة، كانت تضخ الحياة في الجسد اللبناني، وتهددها في وقت واحد.
مليونا سائح هذا الموسم، هو رقم هائل فعلاً، حتى في ضوء الازدياد السكاني الطبيعي لعدد اللبنانيين، المقيمين والمنتتشرين، ولعدد السياح العرب والاجانب الذين ما زال لبنان وجهتهم ومحطتهم. الرقم بحد ذاته، ضمانة أكيدة لبقاء لبنان، إن لم يكن كدولة، وجمهورية، ومؤسسات، فعلى الاقل كبقعة جغرافية شبيهة بالكثير من المواقع السياحية العالمية، وهي في غالبها جزر متناثرة في مختلف انحاء الكرة الارضية، لا تنتمي الى دول ولا تحتاجها، ولا تطمح الى اي شرعية دولية، مثل الانضمام الى الأمم المتحدة او غيرها من المنظمات والهيئات الدولية. مجرد منتجعات سياحية ليس لها هويات وطنية يملكها رجال أعمال يحملون جنسيات متعددة ولا يخضعون لأي سلطات سياسية او حتى ادارية، من الدول المجاروة لها، ولا لأي قوانين عالمية سوى قانون الحريات السياحية وقواعدها وتقاليدها، التي تغطي في بعض الحالات الملاذات الضريبية او الكازينوهات الخاصة بالمقامرة والمقامرين..
لبنان، الذي لطالما كانت تحويلات أبنائه وبناته في الخارج شرياناً حيوياً لبقائه، يختبر هذه الايام موسماً سياحياً استثنائياً في ظل دولة تم تعطيل عملها قبل اربع سنوات بقرارٍ واعٍ من الطبقة السياسية اللبنانية، وبتواطؤ من غالبية الرأي العام اللبناني، ولم يبق من معالمها سوى مؤسسات توفر الحد الادنى من الخدمات الضرورية لمجيء الزائر اللبناني والسائح العربي، وعلى رأسها الخدمات الامنية، التي تحتاج عادة في الصيف الى جهود اضافية، والى تمييز واضح بين ما يُنفق في أسبوع أو شهر، وبين ما يدخل في بقية أشهر السنة.
ما زال لبنان جذاباً لابنائه وبناته، وللسياح العرب وبعض الاجانب. وما زال مسلياً العيش في مثل هذا الموسم ، حيث يتحول البلد من أقصاه الى أقصاه الى منتجع، فندق، مطعم، مسبح، مزار، يعج بالزبائن، ويصبح كل مقيم لبناني، شاء أم أبى، مرشداً ودليلاً سياحياً..أو منافساً للزوار والسياح على أماكنه ومقاصده الخاصة، من أجل ان تظل السياحة طقساً وطنياً ثابتاً ، يكاد يكون ثقافة راسخة، وهوية ثانية (وأحياناً أولى) للبنان.
لا تستدعي تلك الثقافة والهوية، وجود دولة مركزية قوية، هي، في التعريف، نقيض فلسفة السياحة العابرة للحدود والجنسيات والانتماءات. في الحالة اللبنانية، لا غرابة في الاحساس بعدم وجود مثل هذه الدولة، مقابل حضور طاغٍ للقطاع اللبناني الخاص الذي لطالما كان أقوى من الدولة وأقدر على تمويلها، وتغطية نفقاتها، وإفسادها طبعا. ولا داعي للاشارة هنا الى أن غياب السياسة في موسم السياحة، هو مكسب وطني يشعر به كل لبناني، ويتمنى دوامه في جميع المواسم..على الرغم من أن لبنان بلد سياحي وسياسي، وفق ازدواجية مركبة تحيل شعبه الى فئتين، واحدة تمارس السياسة بعقلية السائح، وثانية تشتغل بالسياحة بعقلية السياسي.
الاجتماع الخماسي الذي ينعقد، اليوم الاثنين، في الدوحة، لا يستطيع أن يتجاهل تلك الازدواجية، وذاك الفراغ السياسي والحضور السياحي اللبنانيَين، ولا أن يشارك في الجدل الراهن بين اللبنانيين حول مظاهر الازمة اللبنانية، والأدلة المفقودة على وجودها، بين ثلثٍ لبنانيٍ يرقص فرحاً بإجازة الصيف، وثلثين لا يؤديان سوى رقصة واحدة في جميع فصول السنة.



