التعويل على هيئة المنافسة… فهل تطيحها المحاصصة؟ (النهار 26 شباط)

كتبت سلوى بعلبكي في” النهار”:
حتى الأمس كان لبنان من الدول العربية القليلة (من بينها ليبيا، قطاع غزة والضفة الغربية) التي لا تزال تحافظ على حماية #الوكالات الحصرية بقانون مخالف لنص المادة 36 من اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي التي توجب إلغاء الوكالات الحصرية التي أصلاً انتفى سبب وجودها مع فتح الأسواق العالمية.
أولى المحاولات الجدية لإلغاء هذه الوكالات كانت في تسعينيات القرن الماضي، بيد أن السلطة كانت تفشل في كل مرة في الاتفاق على تمرير قانون أجهض نحو 5 مرات في البرلمان، الى أن أبصر النور قبل أيام بموافقة غالبية النواب.
فمع انهيار الوضع الاقتصادي والنقدي والمالي، وتلبية لشروط #صندوق النقد الدولي الإصلاحية، كان لا بدّ للبنان من إعادة النظر في بعض التشريعات والمراسيم لتحاكي المرحلة الجديدة وفي مقدمها إلغاء الوكالات الحصرية التي أقرّت في المرسوم الاشتراعي الرقم 34/67، الذي تنصّ المادة الثانية منه على أنه “يمكن أن يتضمّن هذا العقد بنداً يحصر التمثيل…”.
ولكن القانون الذي يتيح لأيّ أحد البدء باستيراد ما كان يُعتبر حقاً حصرياً لقلة من أصحاب الوكالات الحصرية، ربط التطبيق بتشكيل هيئة المنافسة التي ستخضع كما غيرها من الهيئات الوطنية للمحاصصة، بما يعني أنها قد تبقى حبراً على ورق.
النائب فادي علامة الذي كان قد تقدّم بالاقتراح الأول بهذا الخصوص في حزيران 2020 في المجلس النيابي، تمنّى في اتصال مع “النهار” أن يوقع رئيس الجمهورية القانون لكي لا يكون مصيره كمصير الدولار الطالبي الذي أعاده الرئيس الى المجلس النيابي. مع الاشارة هنا الى أن جمعية المستهلك التي أطلقت على القانون “قانون تكريس الاحتكارات”، أعلنت أنها ستطلب من رئيس الجمهورية ردّ هذا القانون لتصحيحه… و”إلا فنحن ذاهبون إلى الطعن به أمام المجلس الدستوري”.
في الانتظار، يؤكد علامة أنه إذا سارت الأمور على نحو طبيعي وبعد أن ينشر القانون في الجريدة الرسمية، فعلى وزارة الاقتصاد أن تختار مع مجلس الوزراء 7 أعضاء لهيئة المنافسة. وبعد تعيينهم وتشكيل مجلس إدارة جديد، لدى الهيئة فترة زمنية محددة لوضع النظام الداخلي الذي على أساسه ستعمل الهيئة، وقال “نحاول قدر الإمكان إبعاد السياسة عنها بدليل أنها أعطيت استقلالية وصلاحيات واسعة”. وفيما يشكك البعض في إمكان إلغاء الحصرية وعرقلة تطبيقها خصوصاً إذا ما اتفق أصحاب هذه الوكالات مع المصنع في الخارج على عدم إعطاء الوكالة لأيّ لبناني آخر، يشير علامة الى أن “موادّ القانون ركّزت على العناصر التي يمكن أن تؤثر على المنافسة العادلة في السوق ومن ضمنها الهيمنة والاتفاقات التي يمكن أن تعقد ضمن السوق لتحديد سعر السلعة وعدم خفضها، وإغراق السوق بالبضائع للحدّ من منافسة الداخلين الجدد على السوق وتالياً إخراجهم منها. هذه الضوابط وغيرها من المواد التي لحظها القانون ستحدّ حتماً من التلاعب، وهنا يأتي دور هيئة المنافسة التي وضعنا لها العناوين وخريطة الطريق مع الأخذ في الاعتبار أيّ سلطات أو قطاعات أو نقابات يحق لهم تقديم الشكاوى”.
ولفت الى المادة التاسعة التي تحدّد إساءة استغلال الوضع المهيمن. هذه المادة تعتبر أن الهيمنة تعني أن حصة الشخص أو الشركة في السوق لا تقل عن 35% أو 45% لأيّ مجموعة تتألف من 3 أشخاص أو أقل، و55% إن كانت تتألف من 5 أشخاص أو أقل. ولكن رئيس جمعية المستهلك زهير برو يرى أن هذا القانون لن يؤدّي إلى أي تغيير في خريطة هيمنة الاحتكارات وأن كل شيء سيبقى على حاله. في أحسن الأحوال، ستضطرّ بضع شركات، تمتلك حصة تتجاوز 35%، إلى إعادة ترتيب وضعها وتأسيس شركة جديدة تحت اسم مستعار لشخص آخر (شركة الغاز مثالاً) لتبقى المهيمنة على السوق. وطالبت الجمعية بنسبة 15% للهيمنة كحد أقصى لاعتبارات عدة وهي أن “كل قوانين المنافسة في العالم اعتمدت هذه النسبة، ولأن وجود 3 أشخاص يملكون كل السوق لا يسمّى اقتصاداً حرّاً بل احتكار. ولأن الاقتصاد الحرّ الحقيقي يعني منافسة حقيقية على أساس النوعية والسعر، في كل القطاعات، تؤدّي إلى انخفاض الأسعار والى فتح الاقتصاد بدلاً من تكبيله، وفي النهاية تؤدي إلى نموّ البلاد المشلولة منذ اعتماد الاحتكارات، وتأمين مصالح وحقوق كل مواطنيه واستقرارهم المفقود”.
يؤكد النائب علامة أنه عند البدء بتطبيق القانون يمكن أن يتبيّن أن ثمة ثغرات أو نواقص لم يجر التطرّق إليها، وتالياً لا يستبعد تقديم اقتراحات قوانين لتعديل بعض الموادّ، على مدار عام ونصف عام، علماً بأن الصيغة النهائية للقانون أشبعت درساً، بمشاركة معظم المعنيّين في هذا المجال، من هيئات اقتصادية ورقابية وإنتاجية، بالإضافة إلى مواكبة دقيقة من وزارة الاقتصاد.
يبرّر مؤيّدو الوكالات الحصرية دفاعهم عن إبقاء الحصرية بأن ذلك يضمن جودة المواد للمستهلك، وهو تشريع أساسي لمكافحة الاحتكارات وحماية الاقتصاد وحقوق المستهلك، فيما يرى المعارضون لإبقائها أن إلغاء الحصرية يسهم بتدني الأسعار بنسبة 28%. فماذا يقول رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير في هذا الإطار؟ لا يعارض شقير القانون فهو بصيغته النهائية يُعدّ مقبولاً للأفرقاء كافة وخصوصاً حيال المنافسة غير الشرعية. فموضوع المنافسة هو مطلب إصلاحي، ولكن القول بأن إلغاء الوكالات الحصرية سيخفض الأسعار هو لذرّ الرماد في العيون وغير صحيح وكلام شعبوي”، معتبراً أن “الاحتكار الاساسي هو الذي تمارسه الدولة في قطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات والطيران”. وقال لـ”النهار” إنه إذا أرادت الدولة حماية المواطنين فعلاً “يجب حمايتهم أولاً من التهريب الذي يزداد على نحو هستيري، وحمايتهم أيضاً من الدواء والمواد الفاسدة”. وإذ استبعد “نجاح أي قانون للمنافسة بوجود التهريب والمهربين الذين لا يدفعون الرسوم بأنواعها كافة وخصوصاً الجمركية منها”، رأى أن “بناء البلد والاقتصاد لا يكون بضرب القطاع الخاص والشرعي”.
وعلمت “النهار” أن رئيس مجلس النواب نبيه بري وقع على القانون أول من أمس، وأُرسل الى رئيس الحكومة المفترض أن يكون قد وقعه وأرسله بدوره الى رئيس الجمهورية لتوقيعه. وبعد نشره في الجريدة الرسمية، يبقى التعويل على وزارة الاقتصاد للتسريع في اختيار أسماء أعضاء هيئة المنافسة وعرضهم على مجلس الوزراء لتبصر بعدها هئية المنافسة النور وتبدأ مهامها عملياً.



