أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

توسعة مطار بيروت شعلة إنماء في عتمة الانهيار (النهار ٢٤ آذار)

عندما وقف الرئيس الشهيد رفيق الحريري في مجلس النواب أواسط التسعينيات مناقشاً النواب في مشروعه العام لإعادة إعمار البلاد ورؤيته لوظيفة مرافق الدولة ودورها المستقبلي في النهوض بالاقتصاد ورفد المالية العامة برسوم وضرائب تعزز ميزانيتها، يومها استرسل العديد من النواب في انتقادهم لحجم المطار وقدرته الاستيعابية ووظيفته الاقتصادية وكلفته. كانت الاعتراضات تتركز على جدوى بناء مطار يتسع لستة ملايين راكب في بلد عدد سكانه 4 ملايين والجدوى الاقتصادية من ذلك، حتى إن بعضهم اقترح توسعة المطار القديم ليستوعب مليونَي مسافر فقط. لكن الرئيس الحريري الذي كان ينظر بعين الطموح للاقتصاد اللبناني وبرؤية واعدة لمستقبل لبنان وقطاعه السياحي تحديداً، أصرّ على السير بالمشروع وتنفيذه ونال مراده وولد #مطار بيروت الجديد، من رحم رؤية تنموية لرجل دولة تعامل مع موقعه ودوره في السلطة بحسّ استراتيجي بعيد المدى أثبتت الأيام والسنوات صحة ما قام به وجدواه الاقتصادية.

أما اليوم، فبعدما أُنهك المطار بالإهمال، ومع ضيق ذات يد الدولة والفقر في الصيانة والتجهيز إضافة الى الضغط الكبير الذي شكله المسافرون السوريون بعد اندلاع الحرب في بلادهم، باتت الحاجة ملحّة وضرورية لتوسعة مطار رفيق الحريري وجعله قادراً على استيعاب ملايين المسافرين، وتطويره وتجهيزه ليعاد له المجد الذي كان عليه أيام العز قبل الحرب اللبنانية وبعد تجديده في التسعينيات ليحاكي أحدث المطارات وأكبرها في المنطقة.

هذه الحاجة دفعت بالحكومة الى إقرار المخطط التوجيهي العام لتطوير وتوسعة مطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري الدولي (قرار رقم 68 تاريخ 16/05/2018) وذلك بهدف معالجة الاختناقات الناتجة عن شدة الازدحام في مبنى المسافرين الحالي والتي وصلت الى ذروتها بعدد 8,8 ملايين مسافر في سنة ‎2018‏ (قبل الجائحة)، وعلى نحو يؤمّن حركة انسيابية للمسافرين وجميع الخدمات لهم وللطائرات ولشركات الطيران بطريقة منفصلة عن المبنى الحالي.

وبما أنه لا تمويل حكومياً ممكناً لهذه الخطة ولا دولارات مرصودة، لذلك لجأت الدولة الى القطاع الخاص فاستقطبت وزارة الأشغال العامة التمويل والاستثمار والتشغيل من الخارج وفق قانون رسوم المطارات ودون أن تتحمّل الخزينة العامة أيّ أعباء سواء تمويلاً أو قروضاً… فكانت المبادرة مع شركة “LAT” المتخصّصة في قطاع النقل الجوّي وخدماته.
هذه الخطوة لاقت اعتراضات غير مستغربة وانتقادات منتظرة وحملات إعلامية مبرمجة، جعلت من مشروع إنمائي اقتصادي يزيد من قدرة لبنان على الانفتاح على العالم ويضيف الى خزينة الدولة موارد إضافية في زمن الانهيار المالي والاقتصادية، مشروعاً مخالفاً للقانون ومناهضاً للإنماء المتوازن، وآخرون ولغرابة الأمر وجدوا أن لا لزوم للمشروع برمّته وأن المطار الحالي قادر على أداء الدور المطلوب منه. ولكن بغضّ النظر عن أن المشروع ليس بجديد بل طرحته الحكومة في عام 2018، فإنه لا يمكن الحديث اليوم عن فتح مطار جديد في مناطق أخرى، في ظل غياب التوافق بين الجهات المعنية من جهة وغياب الجهات المستعدة للاستثمار في إقامة مثل هذا المشروع من جهة أخرى.

في الاتهامات التي سيقت ضد المشروع أنه مخالف للقانون حيال صلاحيات الترخيص، ولكن سبق لهيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل أن أشارت الى أن صلاحية الترخيص بإشغال وإنشاء وإدارة واستثمار المنشآت النفطية وسواها من المنشآت ضمن المطار والأملاك العامة التابعة له والملحقة به، تعود لوزارة الأشغال العامة والنقل، تمارسها وفقاً لأحكام القوانين الخاصة بها. كما أن قانون رسوم المطارات الصادر عام 1974 وتعديلاته، يجيز في عقد الإنشاء والتجهيز والتشغيل، لشركات الطيران وشركات الخدمات الأرضية الوطنية، إشغال مساحات مكشوفة لقاء دفع رسم سنوي بالمتر المربع. كما يجيز لها إقامة إنشاءات ومبانٍ على نفقتها الخاصة على المساحات المشغولة على أن تُعاد كامل هذه المباني والمنشآت وتُسجّل ضمن ملكية الإدارة بعد انقضاء مدة العقد على إقامتها.

أما عن الانتقادات حيال عدم إقدام وزارة الأشغال على إجراء مزايدة، فقد أكدت هيئة التشريع عدم إلزامية إجراء مزايدة في مثل هذه الحالات “عدم خضوع الأراضي المكشوفة المذكورة في المادتين الأولى والثانية من المادة 25 من قانون رسوم المطارات للمزايدة العلنية بل للتعاقد الحرّ، على أن تخضع الأراضي المذكورة في الفئة الثالثة منها للمزايدة (سائر المباني والأراضي التي تشغل لغايات أخرى يؤدّي إلى تقديم خدمات غير مباشرة لحركة الطيران المدني)، علماً بأن وزراء سابقين أجروا عقوداً مماثلة مع شركة “DHL” في عام 1967 ومع شركة “ميدل إيست” للشحن، تماماً كالعقد المقام حالياً مع شركة “LAT” الموكلة بتمويل وتصميم وتشييد وتجهيز وإشغال وصيانة وتشغيل المنشآت والمباني والاستثمار بالمبنى الجديد المعلن عنه.
والشركة اللبنانية للنقل الجوي (LAT) ليست وافدة حديثاً الى مطار رفيق الحريري الدولي فهي تعمل فيه منذ أكثر من 64 عاماً سنة، وهي شركة متخصّصة في قطاع النقل الجوّي وخدماته ولها خبرة في هذا المجال. كما أنها مستوفية لكل الشروط المفروضة بموجب القوانين المرعية الإجراء ولا سيما أحكام قانون رسوم المطارات الصادر بتاريخ ‎19/03/1947 وتعديلاته، لأنه يلحظ هذا النوع من الإشغال ضمن مندرجاته ويجيز قيام الشركات في المطار وعلى نفقتها الخاصة وعلى الأراضي المكشوفة المشغولة من قبلها بإقامة المباني والمنشآت واستثمارها وإعادتها لملكية الإدارة على أن تحدّد بدلات الإشغال.

ولكن لمزيد من الشفافية والدقة في إعداد حيثيات العقد وحرصاً على إتمام مندرجاته وفقاً للأصول وبما أن المشروع بحاجة لأعمال إنشائية وتشغيلية وتجهيز وتأهيل وصيانة وخلافه، عمد وزير الأشغال العامة والنقل الى تكليف مكتب استشاري لإعداد دراسة تفصيلية تتضمّن تكلفة المشروع وإيراداته المتوقعة ليبنى على الشيء مقتضاه. وخلص التقرير المرفوع من مكتب الاستشاري دار الهندسة للتصميم والاستشارات الفنية – شاعر ومشاركوه والمتضمّن دراسة تكلفة المشروع وإيراداته المتوقعة وتكاليف الأعمال الإنشائية والتجهيز والتأهيل والتشغيل والصيانة وخلافه، إلى إمكان تشييد مبنى جديد للمسافرين في المنطقة المذكورة بتكلفة تقديرية أولية تقّدر بنحو 120 مليون دولار. وحدّد التقرير الفترة المتوقعة لاسترداد التكلفة بين 29 سنة حدّاً أدنى و34 سنة حدّاً أقصى من تاريخ بداية التشغيل.

 

بناءً على ذلك، ووفقاً للإحالة الصادرة عن وزير الأشغال العامة والنقل خُفض عدد سنوات الاستثمار إلى 25 سنة وبموجب ذلك تمّ إعداد العقد. وستموّل (LAT) كامل مقوّمات المشروع، أمّا لناحية التشغيل فستتعاون مع شركةdublin airport authority International المملوكة بالكامل لحكومة إيرلندا والمتخصصة في إنشاء وإدارة وتشغيل مطارات عالمية حول العالم، دبلن وكورك في جمهورية إيرلندا ومطار الملك خالد الدولي بالرياض في المملكة العربية السعودية واستثمارات في أكثر من ‎17‏ مطاراً دولياً بعدد مسافرين يتجاوز ‎85‏ مليون مسافر في السنة. وبناءً على ذلك سيُباشر بتمويل وإنشاء وإدارة وتشغيل مبنى المسافرين الجديد في المطار RHIA – Terminal 2 المختصّ بالرحلات العارضة والموسمية ولطائرات شركات الطيران المنخفضة التكلفة Low Cost Carriers، طبقاً للمخطط التوجيهي العام، وسنداً إلى أحكام قانون رسوم المطارات ثم تعود ملكية المباني والمنشآت والتجهيزات بالكامل للدولة اللبنانية. ويتوقع أن يبدأ تشغيل مبنى المسافرين الجديد في الربع الأول من عام ‎2027.

تؤكد مصادر متابعة أن ثمة فوائد اقتصادية سيحققها المشروع ومنها الرقيّ بالمطار ليواكب التطوّر الحاصل في مطارات المنطقة عبر استجلاب استثمارات خارجية بالعملة الصعبة، وإضافة مبانٍ وإنشاءات وتجهيزات مهمة لأملاك الدولة دون التأثير على القدرات المالية المتاحة للخزينة ‏العامة، ما يرفع من قيمة أصول الدولة اللبنانية في المطار، وتخفيف الازدحام الحالي على ممرات التفتيش والكونتوارات وبوابات الصعود إلى الطائرات للمسافرين على طائرات الرحلات العارضة والموسمية والناقلة للحجاج والمعتمرين وزائري الأماكن المقدسة ولطائرات شركات الطيران المنخفضة التكلفة (Low Cost Carries).

والاهم أن المشروع يؤمن إيرادات ثابتة سنوياً للخزينة تقدَّر قيمتها بين 30 و40 مليون دولار لمدة 25 سنة، وأكثر من 500‏ فرصة عمل مباشر ودائم، وألفي‏ فرصة عمل غير ‏مباشر دون تكبيد خزينة الدولة أي أعباء وسيمكّن المطار من استقطاب المزيد من شركات الطيران المنخفضة التكلفة (Low Cost Carries) ومن زيادة عدد الرحلات المجدولة. كما يحسّن كفاية ونوعية الخدمة المقدمة لتلك الرحلات، ويزيد إيرادات الخزينة العامة ويرفد جميع الأعمال المرتبطة بالسياحة. عدا عن ذلك، فإن توسعة المطار تتيح الفرصة للناقل الوطني (شركة طيران الشرق الأوسط) للتوسّع وزيادة عدد رحلاته على الخطوط الحالية، وزيادة وجهات السفر إلى مطارات أخرى مع الاحتفاظ بمستوى الخدمة المتميّز المقدم من قبله.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى