المتقاعدون هم الاكثر عرضة لتداعيات الازمة الاقتصادية الحالية (الديار ٢٣ شباط)
طليس: لا إمكانية لضبط السّوق والدولرة لا تعد قانونيًة

خدم أبي في المعسكر طوال فترة شبابه، وأعطى لبلدي وقته وتعبه وناضل من أجل الخدمة، خدمة الوطن. تعب واجتهد وعاش أيام الحروب على الثلج وفي الوديان والجبال وبين الميليشيات ودافع عن كرامة واسم الجيش اللبناني. اقترب من الموت ألف مرّة ومرّة، وأصيب بطلقةٍ من النار لا يزال مكانها واضحًا حتّى السّاعة. ترك عائلته وخدم في الخدمة العسكرية طوال مدّة شبابه، ليعيش اليوم أتعس أيّام شيخوخته في بلدٍ هزمته كبرياءه وعزّة نفسه أمام أطفاله.
سوزان، تتكلّم بحرقةٍ للدّيار، لتخبرنا عن الواقع المرير الذي يعيشه والدها.
لا بطاقاتٍ صحيّةٍ معترف بها، ولا الطّبابة والاستشفاء أيضًا، حتّى ولو أراد تجديد أوراقه، عليه الذهاب يوميًا إلى المديريّة للمطالبة بتجديد أوراقه الرسمية والانتظار لأيام وأيام علّى الدّواء يؤمن، لكن المحاولات كلّها باءت بالفشل.
وتُكمل سوزان: باع سيّارته ليطعمنا. أبي عسكريّ متقاعد يزور طبيبه سيرًا على الأقدام، وفي الحالات القُسوة ينتظر السّرفيس أو يركب فان كبير عندما يكون المكان بعيدًا. هكذا تبدو حالة أبي، عندما انهارت العملة اللبنانية في وجه الدّولار الذي لم يعد لسقفه التوقّف. وهذه حالة أبي وربطة الخبز بـ33 ألف ل.ل. لو أنّ بجعبته السّيارة، لكان الوضع أفضل بقليل، لكنّ أزمة المحروقات وارتفاع صفيحة البنزين وارتفاع أسعار السيارات زادت الطّين بلّة، فمن بمقدوره اليوم شراء سيارة جديدة؟ أبي؟ طبعًا لا. ربّما تأمين إعاشة من الدّولة، باتت طموحه. لا نعرف لماذا وكيف يتم المعاملة مع العسكري المتقاعد بهذه الطريقة السيئة في نهاية عمره، لكنّنا نعرف أنّ العدالة إن لم تأخذ مكانها على الأرض، ستتحقق لاحقًا.
حالة سوزان ليست الاولى ولا الأخيرة، التي تعبّر عن مشاكل يواجهها العديد من المواطنين في ظلّ انهيارٍ صعبٍ لا يحسدون عليه بتاتًا. والشغل الشاغل والهم الأول للمواطن الفقير اليوم هو تأمين ربطة الخبز بغضّ النّظر أكان عسكريا متقاعدا أم لا. هذا الوضع ينطبق أيضًا على حال المعلّمة في المدارس الرسمية أم الخاصة، والموظف في بعض الشركات الخاصة الصغيرة وجميع موظّفي قطاع العام. وبات السؤال: كيف سنسدّ تكاليف بدل النقل؟
هذه المشكلة أخذت حيّزًا كبيرًا في الفترة الأخيرة، خصوصًا بعد السيطرة الجزئية على فيروس كورونا وتجاوز محنته وفكّ الحجر الصحي. هذا ما ساهم في فتح العديد من الشركات أبوابها بدل العمل online. ولكن من لا يتقاضى راتبه بالعملة الصّعبة، كيف سيذهب إلى العمل؟ سيرًا على الأقدام.
الفان والسرفيس بالدّولار قريبًا.. ؟
مع دولرة الأسعار وانهيار العملة الوطنيّة في لبنان، تدولرت الفواتير بما فيها فواتير مولّدات الكهرباء، والقطع الكهربائية والمنزليّة والحواسيب وإلى ما هنالك، وأصبحت كل متطلبات الحياة تدفع بالدّولار. فما بالكُم من أمور أساسيّة كالتنقل من مكانٍ إلى آخر؟ وماذا لو تدولرت تكاليف التاكسي، الصّرخة ستكون عالية من الشعب؟
يقول معلّم الياس، أحد سائقي سيارة تاكسي عمومي في بيروت، إنّه يعمل في هذا المجال منذ أن كانت يوميّته بالليرة واللّيرتين. ويسأل: أستغرب كيف أن بعض الزبائن ينزعجون من أسعاري خصوصًا عندما أطالب بزودة عندما يكون المكان بعيدًا، أو عندما أطلب التعسيرة بالدولار أو ما يوازيه، مبديين استغرابهم منّي. أعلم تمامًا أنّني أتعامل مع الطبقة الفقيرة، التي لا تستطيع شراء سيّارة، لكنّني على إدراكٍ تامّ أّنّني وأثناء عودتي للمنزل، سأشتري الأغراض لبيتي بالدّولار، وأنا أيضًا من الطبقة الفقيرة، لكنني أريد أن أعيش.
ويكمل: الحياة صعبةٌ جدًا في بيروت، ربّما هي الأصعب في لبنان مقارنةً بتكاليف وايجارات المنازل في الضّيع. لذلك، عندما نطالب بارتفاع تسعيرة التاكسي والسيرفيس، يُشنّ علينا هجوم لا نعلم السّبب.
ويختم: عندما كان الدّولار بـ1500 ل.ل، كان السرفيس بـ2000 ل.ل، فكيف ستتوقعون المشهد لو أصبح الدّولار 100 ألف ل.ل.؟ حتمًا أرزاقنا تأثرت سلبًا بارتفاع الدّولار، لأنّ سيارة التاكسي دائمًا ستدخل الكاراج، والتكاليف التي سندفها للميكانيك والصيانة والمراجعة والزيت والبنزين..جميعها بالدولار. ومن باستطاعته دفع المبلغ المقبول، فأهلا وسهلا به، ومن يستكتر علينا ارتفاع الأسعار، فليمشي سيرًا على الأقدام، حتّى تهدأ الأمور ونرى حلًا لذلك.
وفي حديثه للدّيار، يؤكد رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري بسام طليس، أنّ الحلّ الوحيد لتحديد سعر النقلية هو العودة إلى التدابير القانونيّة، معتبرًا أنّ المديرية العامّة للنقل البري والبحري تعدّ دراسة بناء لجدول الكلفة المعتمد وإصدار قرار بالتعرفة موازيًا لقرار وزير الأشغال العامة والنقل، والذي كان السبب في تأخيره، أو عدم صدوره نتيجة عدم استقرار سعر الليرة مقابل الدّولار وعدم استقرار أسعار المحروقات وقطع الغيار.
وأكمل: ولكن، على المدى القريب أو المنظور، ما من إمكانية لضبط هذا السعر ولا إمكانية للحد من تفلّت الأسعار. لذلك، المفروض إصدار جدول أو تعرفة رسمية تصدر حتى ولو كان ذلك اسبوعيًا، تماما كما يحصل في جدول المحروقات. هذا الحل الوحيد لمعرفة السائق كم عليه أن يتقاضى، ومعرفة المواطن واجباته من الدفع. وعلى ضوء ذلك، على وزارة النقل والأشغال متابعة ومراقبة الأسعار لضبط السوق. لا النقابات ولا الاتحادات لها الصلاحية في إصدار أي تعرفة، هذه الصلاحية حصرًا لدى وزارة العامة والنقل بعد دراسة طويلة لهذا الموضوع، وهذا ما طالبناه من معالي الوزير. ويبدو أن الأمور ستذهب إلى هذا الاتجاه، لكننا لم نعرف متى حتى الساعة تاريخ الاصدار.
وختم طليس: في القانون اللبناني، ليس هنالك أي تعرفة بالدولار، مع العلم أنه تم رفع الدعم كليًا عن المحروقات، ويتم شراؤها من الشركات بالدّولار، ولكن الاسعار لا يمكنها أن تكون بالدولار. ولهذا السبب يصدر جدولان يوميًا، مواكبةً لتحليق الدولار.



