السلطة غائبة وكأن الاعتكاف واستقالة قضاة يحصلان في الصين! (النهار ٢٤ تشرين الثاني)

فيما الإعتكاف القضائي على حاله مع اقتراب دخوله الشهر الرابع واستمرار نادي قضاة لبنان في التركيز على الشق المعنوي للقضاة من خلال سلسلة أجوبة عن أسئلة يطرحها الرأي العام، لينقل في مضمونها الواقع في السلطة القضائية وليتناول الرد: هل السلطة القضائية مسؤولة عن الوضع المأسوي الذي وصل إليه لبنان؟ وبين الإعتكاف وطول انتظار حل السلطة السياسية الغائبة عن الوعي لأوضاعهم هزت الجسم القضائي حركة استقالة قضاة في مقابل تزايد طلبات الإستيداع من قسم آخر بلغ عشرة قضاة حصلوا على فرص طويلة غير مدفوعة . وآخرها تقديم القاضي فادي العنيسي إستقالته من القضاء بسبب الأوضاع المادية والمعنوية، وبذلك يكون القضاء خسر قاضيا مناقبيا نزيها وعالما. وسبقه القاضيان زياد مكنّا وجان طنوس اللذان يتمتعان بالمناقبية ذاتها. بالفعل يخسر القضاء كل يوم خيرة قضاته وأفضل طاقاته الشبابية بانزلاق يقضي حتما على مستقبل مرفق العدالة، وفق تغريدة النائب ملحم خلف إثر استقالة القاضي عنيسي، ليزيد: “وكأن هذا المرفق أضحى في حالة تصفية نهائية. بالأمس خرج زياد مكنّا واليوم يخرج فادي العنيسي، وغيرهما من القضاة الأنقياء الشرفاء”، ليسأل: “ماذا بعد؟ من يحكم بين الناس؟ من يحمي الناس والحقوق؟”.
ويبدي مراقبون خشية من تنامي حركة الإستقالات في القضاء في دولة مغيّبة تجوّع قضاتها وتقطع عنهم مقومات تأمين العمل من ماء وكهرباء وقرطاسية وكأنها تدفعهم إلى استقالة قسرية بلامبالاة غريبة وتعيّشهم في ذلّ على وعود السلفات التي لا تزال محجوبة عن صندوق تعاضد القضاة حتى الآن. واقع مخجل في دولة عاجزة عن تأمين مقومات عيش 550 قاضيا لا يزالون يتقاضون رواتبهم على دولار 1500 ليرة. ولا تزال مطالب القضاة المادية والمعنوية تدور حول نفسها من دون إحراز أي تقدم، بل على العكس زاد الوضع سوءا مع بدء الإستقالات من السلك و”على الوعد يا كمّون” بسلفة ولا حياة لمن تنادي من تصحيح الوضع المستدام للقضاة إنما وعد بسلفة جديدة بعد انتهاء صرف السلفة الأخيرة للصندوق القضائي بقيمة 35 مليون ليرة، مع انتفاء النية لإيجاد أي حل يؤمّن ولو أيّ استقرار بسيط في وقت يعاني صندوق تعاضد القضاة، المسؤول عن التغطية الطبية والتعليمية والمادية التي تستمر في شكل خجول. ثمة قناعة في الاوساط القضائية ان السلطة السياسية لا تريد تعزيز اوضاع القضاة الذين يستشعرون كرهها لهم وإهمالها لجناح العدالة ليس إلا.
وفي المقابل حالت الضغوط السياسية على المصرف المركزي دون تحقّق المطلب المالي الذي سعت اليه اللجنة القضائية عبر مجلس المصرف المركزي لاحتساب الراتب على “الفريش” دولار تحت ذريعة معاملة إدارات عامة بالمثل وكأن القاضي موضع تشبيه بموظف عام آخر بدل اخذ موقعه وسلطته في الإعتبار والنظر إليه بمنظار الرقيب القانوني الذي يختلف عن سائر القطاع العام، رغم ان الموازنة ميّزتهم بفصلهم عن إقرار أضعاف الزيادة للموظفين فحسب من دون متابعة وضعهم على حدة.
ويبدو واضحا ان السلطة السياسية لا تريد حلا مستداما، ولا تراه راهنا إلا عبر الحقن المهدئة بوعد السلفة التي، وإن وصلت، ولم تصل مع اقتراب موعد قبض الرواتب آخر الشهر، إلا بشق النفس. وهذا النوع من الإهمال يطاول جانبا معنويا بذاته عبّر عنه نادي قضاة لبنان حين لفت في فيديو مصور ضمن سلسلة ردوده على أسئلة الرأي العام الى مدى مسؤولية السلطة القضائية مع باقي السلطات عن الإنهيار الذي يصيب مؤسسات الدولة بالإشتراك مع سائر السلطات، لكن الوضع يختلف في لبنان لأن “السلطتين التنفيذية والتشريعية تسعيان دوماً إلى تقويض السلطة القضائية لجعلها أداةً طيعة بيدهما تتحكمان بها كما تشاءان، وذلك عبر إقرار قوانين وإصدار قرارات تناقض أحكام المادة /20/ من الدستور اللبناني وتسمح لهما ببسط نفوذهما داخل السلطة القضائية”، ليضيف “أن معظم المراكز الأساسية في القضاء، سواء بالعدلي أم بالمالي أم بالإداري معيّنة بقرار سياسي، والتعيين يحصل في أكثر الحالات بحسب الولاء الطائفي او السياسي، ناهيك عن الرأي الراجح للسياسي في التشكيلات القضائية تحت طائلة عدم توقيع مراسيمها، كما أن قانون استقلالية القضاء لا يزال يترنّح بين سلطة ولجنة ووزارة وأهواء مسيّريه، وخوفنا أن يولد القانون مسخاً لا استقلالية فيه إلا عنوانه”، ليؤكد النادي “أن السلطة السياسية حصّنت نفسها بقوانين تضعها بمصاف الآلهة العصيّة عن الملاحقة وأقرّت إجراءات وتدابير تضيع فيها المسؤوليات وأولت اختصاصات يُراد منها أحياناً طمس الحقائق، فأمسى الوطن وطن اللامحاسبة بامتياز، بخاصةٍ وأن هذه المحاسبة صارت مطلوبة للغير فقط من باب التشفّي وتسجيل النقاط، ومحرّمة على النفس والأتباع”، من دون ان يغيب عن باله أن “الشعب، بشريحة كبيرة منه، يؤمن بالزعيم الذي خلق له مساحة آمنة من الدولة التي أفشلها بنفسه، ويبرّر للزعيم كل موبقاته خوفاً من الآخر، ويُطالب بمحاسبة الجميع إلا زعيمه، فتُرجَم الدولة التي لا تزال للأسف متروكة ويتيمة الأبوين، ألف رجمة”.
رغم كل الحملات التي تشن ضدهم ووصلت الى لقمة عيشهم لا يزال في لبنان قضاة كثر وأكثر بكثير مما تهدف اليه الحملات المعروفة خلفياتها بقصد تشويه صورته ودكّه. ثمة واجب إنساني يقوم به القاضي حتى في أيام اعتكافه في أحلك الظروف، يحضر الى مكتبه ليؤديه. فهل تتمثل به السلطة السياسية وتقوم بواجباتها؟



