أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

وظيفة واحدة لا تكفي… والأسر مُبعثرة (الديار 27 تشرين الأول)

الحياة الاجتماعية والأسرية المترابطة والمنظمة، هي جزء لا يتجزأ من مجتمعنا اللبناني. عرّف الباحث دينكن ميتشيل الأسرة في معجمه بأنها المجتمع القائم بالفعل، الذي يشتمل على بناءات أسرية في صورة من الصور، وهي ضرورة حتمية لاستمرار الجنس البشري، والجماعة الأوليّة التي ينتمي ويرجع إليها الطفل دون اختيار، وهي الجسر الذي ينقله ويَعبُر من خلاله إلى المجتمع. فالأسرة هي نواة المجتمع التي تؤثر بشكل مباشر في عملية التنشئة الاجتماعية للفرد وتهيئه ليكون عضو فعال فيه. فالأسرة هي مصدر الأمان والاستقرار.
لذلكـ، فان تنظيم الحياة الأسرية، أمر لا بد منه من أجل اعداد أجيال مستقرة نفسياً وعاطفياً. فبناء حياة أسرية منتظمة بحاجة الى توزيع الأدوار بشكل عادل بين أفراد الأسرة. وهنا لا يتم الحديث عن أن دور المرأة يقتصر على المهام المنزلية ورعاية الأطفال فقط، لأن المرأة اللبانية تحديداً أثبتت قدرتها على التوفيق بين حياتها العملية وحياتها العائلية. لكن اليوم يشهد على حالة غير طبيعية فرضتها الأزمة الاقتصادية على العائلات اللبنانية. من تداعيات هذه الأزمة تراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين وتدني قيمة رواتبهم، وما يتبعها من أزمات مالية أجبرت الوالدين على عدم الاكتفاء بوظيفة واحدة. فأصبح رب المنزل يعمل في وظيفتين أو أكثر، وكذلك الأمهات من اجل تأمين احتياجات أبنائهم والتمكن من دفع المستحقات المتوجبة عليهم كالإيجار أو الأقساط السكنية والقروض واشتراك المولدات والاتصالات وكلفة التنقلات الخيالية، ناهيك عن النفقات الطبية والتعليمية والطعام.

تروي سيدة، تعمل في مجال التعليم منذ خمسة عشر عاماً، أنها لم تشهد ضياعاً في حياتها وفي حياة أسرتها مثل الضياع التي تشهده منذ سنتين. فالسيدة اعتادت فيما مضى على اصطحاب أطفالها الثلاث معها الى المدرسة التي تدرس فيها كل صباح، فيما تذهب هي الى عملها وتلاميذها. وعند انتهاء الدوام ترافق أبناءها الى المنزل وتحضر الطعام وتقوم برعاية أطفالها ومتابعة دروسهم الى أن يأتي زوجها من عمله، فيجلسون سوياً ويمضون وقتاً كافياً مع أطفالهم. ولكن بعد الانهيار الاقتصادي، كل شيء في حياة هذه العائلة تبدل، وأصبح زوجها يعمل في ثلاثة وظائف ولا يحضر الى المنزل سوى للنوم قليلاً بعد نهاره المضني والشاق في العمل. أما هي فتعود الى المنزل لتحضر ما تيسر من طعام، تترك ابناءها بمفردهم في المنزل وتذهب هي الى منازل تلاميذها لإعطائهم دروساً خصوصية، ثم تعود عند الساعة الثامنة مساء وقت نوم الأطفال. لا يوجد وقت للعائلة ولا للعب والمرح، ولا حتى لمعرفة مشاكل أطفالها ومتابعة مسيرتهم التعليمية.

هذه الأسرة هي مثالٌ مصغر عن الواقع التي باتت الآلاف من الأسر اللبنانية ترزح تحته. فأي حياة بات اللبنانيون يعيشون؟ وأي أمان واستقرار سيُوفّر للأطفال في ظل الظروف المعيشية القسرية التي تعصف بلبنان والتي تُجبر الموطنين على التخلي عن مهماتهم الأساسية تجاه أسرتهم وعائلاتهم؟

بواسطة
غنوة الصايغ
المصدر
الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى