أين تُنفق دولارات المغتربين؟

في الواقع، يبدو أن الدولارات التي تدخل لبنان، صارت تصرف فقط على استهلاكات لأساسيات معيشية ضرورية، تشح يوما بعد آخر في الأسواق اللبنانية، وفق ما يشير إليه الأكاديمي والخبير الاقتصادي والمالي إيلي يشوعي للجزيرة نت.
يعتبر يشوعي أن هذه التحويلات لم تعد تشكل عاملا إيجابيا يساهم بالنهوض الاقتصادي، بموازاة النقص الحاد بالمواد الأساسية، كالمحروقات والأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الغذائية.
ويعود الباحث إلى الأزمة المصرفية، باعتبارها أصل المشكلة، منذ أن تبخرت نحو 120 مليارات دولار من الودائع بالعملات الصعبة، “في عملية سطو ممنهجة على مدخرات اللبنانيين، وبقي منها أقل من 15 مليار دولار في صورة احتياطي إلزامي لدى المركزي، في حين أنها من حق المودعين”.
ويحمل يشوعي مسؤولية هذا الانهيار الكبير كلًا من حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة مع الحكومات المتعاقبة، ووزارة المالية على وجه أخص، باعتبار أن الوزارة كانت تضع الموازنات العامة، وترسم السياسات المالية، كما كان المركزي يرسم السياسة النقدية عبر تثبيت سعر صرف الليرة لعقود طويلة تحقيقا لفوائد عالية، فأسهمت هذه السياسات في تعطيل الاستثمار وتراكم الديون وانهيار رأس المال الوطني، وتقليص فرص العمل و”تهجير” شباب لبنان قسرا لأسباب اقتصادية.
وطوال السنوات الماضية، وفقا ليشوعي، استغل أركان السلطة أوضاعا اقتصادية مواتية لهم، واستفادوا من مصادر الأموال الخارجية، خصوصا أن تحويلات اللبنانيين كانت تفيض عمّا تحتاجه عائلاتهم، فيقومون بإيداعها في حسابتهم المصرفية للاستفادة من الفوائد المرتفعة.
ويقسم يشوعي الواردات الخارجية إلى ثلاثة مصادر:
الاستثمارات العربية والخليجية بلبنان التي كانت تقدر بـ5 مليارات دولار سنويا.
الاقتراض الخارجي الذي كانت تقوم به الحكومات المتعاقبة -من الدول العربية والغربية والجهات المانحة وعبر المؤتمرات الدولية- لتمويل مشاريع لم تحقق أهدافها بالنهوض الاقتصادي.
تحويلات المغتربين لعائلاتهم.
وبعد أن جفت موارد المصدرَين الأولَين، لم يبقَ غير تحويلات المغتربين، التي تصرف فقط على الاستهلاكات الفردية، في بلد يعيش نقصا حادا وندرة بكل شيء، “فيما لا يستطيع القيام من دون وفرة بالعملة الصعبة”، وفق يشوعي، في ظل استيراده لأكثر من 80% من حاجاته.
ويشير الباحث إلى أن عرض الدولار بالسوق بلغ أدنى مستوياته، مما أدى إلى تضخم الكتلة النقدية بالليرة، إذ تحتاج الدولة وحدها شهريا نحو 12 ألف مليار ليرة أجورًا لموظفيها بالقطاع الرسمي.
وقبل عام 2019، كانت الكتلة النقدية بالسوق تلامس نحو 6 تريليونات ليرة، لكنها تتجاوز اليوم 40 تريليون ليرة، في حين لا تتوافر احتياطات بالدولار تنمو بموازاتها.
ويرى يشوعي أن الحل العملي يكمن في استرداد اللبنانيين ودائعهم كاملة بالدولار، لخلق نوع من التوازن بالسوق النقدي، بعد أن دخل سعر صرف الدولار مرحلة الانفلات من أي سقف.
وقال إنه لا أمل في أي جهة داخلية قادرة على لجم الانهيار، وأن الخيار الوحيد يبقى في محاسبة دولية للطبقة الحاكمة لإنقاذ ما بقي من لبنان.



