أخبار لبنانابرز الاخبارتقارير وإحصاءاتسياسة

علينا فهم الآخر لنتفادى مصيبة التقسيم (الجمهورية 27 آب)

تعود التلميحات الى التقسيم في لبنان بقوة، ترافقها أحاديث تحت الطاولة عن ان لا حل في لبنان الّا بتقسيمه بعد ان بدأ يُطرح سؤال جدي: «هل سنتمكن من خلق وطن موحد تتمكن كل مكوناته من التعاون لخلق اقتصاد مزدهر ووطن متطور؟».

فيما بادر عدد من المسؤولين، ومنهم وليد جنبلاط، الى نفي نية التقسيم في لبنان والتحذير من مخاطر هذا المخطط، يخشى البعض من ان يؤدي الفراغ الرئاسي الى التقسيم.

وبرز تصريح للنائب اللواء جميل السيد، قال فيه: «من لا يرى ان البلد ذاهب هرولة الى التقسيم بيكون أعمى، ومن لا يرى انه اذا حصل التقسيم سينتج منه اقتتال داخل كل طائفة قبل ان ينتقل اقتتالاً بين الطوائف بيكون أعمى اكثر».

يعيدنا ذلك الى مخططات دولية قديمة وحالية هدفت الى التقسيم، من اتفاقية سايكس بيكو وصولاً الى دراسة برنارد لويس لحساب وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في عام 1978، والتي ارتكزت عليها سياسات ارييل شارون بتقسيم الدول العربية الى دويلات طائفية. وتصريحات لمستشار السياسة الخارجية الأميركية السابق وليد فارس عن وجود أفكار يتم تداولها في واشنطن لتقسيم لبنان منطقتين، وصولاً الى إعداد مشروع «القانون الاساسي لجمهورية لبنان الفدرالية ودستورها» الذي تم تسليمه للبطريرك الماروني، وتأسيس ما يسمّى «المؤتمر الدائم للفديرالية».

مما لا شك فيه انّ الطريق الافضل هو ان نتفاهم بعضنا مع بعض ونعمل لبناء وطن موحد قادر على الازدهار والحياة وتأمين الحقوق والكرامة لأبنائه، خصوصا ان هناك قوى خارجية يهمّها ان لا نتفاهم وان نلجأ الى التقسيم المدمر الذي يتحقق عبر الاقتتال والحروب.

ولكن اذا توصّلنا الى اقتناع في اننا غير قادرين على التفاهم، ولا يهمنا ان نبذل جهداً لتحقيق التفاهم، فحينها من الحماقة ان نتجه الى التقسيم عن طريق القتال اذا كان التقسيم شراً لا بد منه، علماً ان أبغض الحلال عند الله الطلاق، فلنكن عقلانيين ونتحاور للوصول الى الصيغة الافضل والتي يتوافق عليها جميع الاطراف، وبذلك نقطع الطريق على من يهمه ان يُدخلنا في نزاعات وقتال يدمّر الجميع.

ونشير هنا الى انه على رغم من الانتقادات الكثيرة التي تم توجيهها الى «حزب الله» و»التيار الوطني الحر»، الا انهما نجحا في خلق تفاهم وجلسا الى الطاولة لمناقشة القضايا المشتركة والخلافية، وعلى الاطراف جميعها ان تحذو الحذو نفسه وتخلق تفاهمات بعقلية منفتحة.

وعندما نتحاور، على كل طرف ان يضع نفسه مكان الآخر، وان يكون الحوار منطلقاً من ارداة المحبة والتآخي، وتقديم التنازلات لمصلحة الوطن، لأنّ التقسيم هو رجوع الى الوراء، فكل وجوه التقدم في العالم تمر بالاجتماع بين مجموعات مختلفة لتحقيق ثقل اقتصادي وسياسي…

أما اذا تبين بعد كل ذلك اننا لا نريد العيش معاً، فالافضل عدم الاستمرار في مسرحية اسمها وطن، والبقاء «إجر بالبور وإجر بالفلاحة»، فلننتقل الى تصور واقعي للتقسيم يُراعي ظروف المناطق، بطريقة سلسة غير تصادمية او قتالية،
خصوصاً انّ التقسيم يستوجِب التفكير بتفاصيل عدة منها التنقل بين المناطق وشكل الحكم والعلاقات… ونكرر ان لا ننجرّ الى القتال الذي يفرض التقسيم بل ان نبقى على وفاق، لنكون فيما بعد جيراناً وأصحاباً قادرين على التعاون وخلق اتفاقات لتحقيق تنمية مناطقنا واقتصادها، وهذه امور غير مستحيلة اذا كان الجميع «أوادِم» ولا نية للغدر، وان لا يستقوي احد على جاره بقوى خارجية، فهذه القوى يسرّها ان ترى تعتيرنا، فلم تنزعج حين دمّرنا أنفسنا في الحرب الاهلية، ولم تحرّك ساكناً عند قصفنا في حرب تموز، بل على العكس مَوّلت هذه الحروب، ولم تتأثر حين تم إفلاسنا بسياسة تشبه ما يسمّى «القاتل الاقتصادي».

سيبدو حديثي مُستغرباً، وقاسياً، وانني ادعو الى التقسيم وأروّج له، ولكن الاقسى اننا حتى اليوم لم نقم بمحاولة جدية او تضحيات للتقرّب بعضنا من بعض لمصلحة الوطن. نحن كانتونات طائفية تتنازَع في المجلس والحكومة وفي الادارات، نحن عاجزون عن إقرار زواج مدني، وايّ تبادل علمي او ثقافي او حضاري، عاجزون عن التوحد حول برامج اقتصادية، فيسقط اي قرار اذا كان يمسّ الطائفة، وتنسف تعيينات لأنّ هناك طائفة مغبونة، ونحمي فاسداً اذا كان من طائفتنا ويتحول خطاً أحمر. إذاً أضعف الايمان ان لا نستمر في طمر الرؤوس في الرمال ونرى الامور على حقيقتها.

بواسطة
فادي عبود
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى