أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

هل يفتح التفاوض المباشر مع إسرائيل باب تعديل الدستور اللبناني؟ (اللواء ١٥ تشرين الثاني)

في خضمّ تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية، يجد لبنان نفسه أمام مفترق طرق جديد: إمّا القبول بالتفاوض المباشر مع إسرائيل تحت عنوان «تسوية النزاع الحدودي»، أو مواجهة احتمال انفجار أمني جديد قد يكون الأكثر تدميراً في تاريخه الحديث. هذا الطرح، الذي يتقدّم به الأميركيون بوضوح في الأشهر الأخيرة، يصطدم بواقع لبناني داخلي شديد الحساسية، قانونياً وسياسياً وشعبياً، إذ يُعدّ التواصل مع العدو الإسرائيلي محظوراً بنصّ القانون، كما يُنظر إليه في الوجدان الوطني كمساسٍ بالسيادة وتطبيعٍ مرفوض.
من الناحية الدستورية، السياسة الخارجية هي من صلاحيات السلطة التنفيذية، أي رئيس الجمهورية والحكومة مجتمعتين، غير أنّ أي اتفاق أو معاهدة ذات طابع سيادي – كاتفاق سلام أو ترتيبات أمنية دائمة – لا يمكن أن تدخل حيّز التنفيذ إلّا بعد موافقة مجلس النواب وتصديقه عليها. وعليه، فإنّ فتح باب التفاوض لا يحتاج بالضرورة إلى تعديل دستوري، لكنه يستدعي تفويضاً تشريعياً واضحاً يحدد الإطار القانوني والسياسي للتفاوض، حمايةً للمفاوضين من أي طعن أو مساءلة قانونية بموجب القوانين التي تُجرّم التخابر مع العدو.
قانونياً، لبنان يمتلك منظومة جزائية صارمة تُجرّم التعامل أو التواصل أو حتى التراسل مع العدو الإسرائيلي. لذا فإنّ أي خطوة تفاوضية من دون غطاء قانوني رسمي ستكون عرضة للطعن وربما للملاحقة، حتى لو جرت بقرار حكومي. من هنا، يُصبح الحلّ القانوني الوحيد هو إصدار قانون تفويض خاص من مجلس النواب يمنح الحكومة الإذن بالتفاوض، ويحدّد المدة والغاية، ويمنح المفاوضين حصانة مؤقتة خلال فترة المحادثات، إلى أن يُعرض أي اتفاق نهائي على المجلس للمصادقة.
سياسياً، التفاوض المباشر يهدّد بتفجير التوازن الداخلي الهشّ. فالغالبية الشعبية ترى فيه خطوة نحو التطبيع، في حين يعتبره البعض ضرورة واقعية لدرء الحرب وتحصين الحدود. هذا الانقسام يُعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر: هل تستطيع الدولة اتخاذ قرار استراتيجي من هذا النوع من دون توافق وطني شامل؟ التجارب اللبنانية السابقة تُظهر أن القرارات المصيرية التي اتُّخذت في ظلّ انقسام سياسي، غالباً ما تسبّبت بأزمات داخلية وانفجارات أمنية لاحقة.
من جهة أخرى، هل يعتبر التفاوض المباشر «انقلاباً على الدستور»؟ هذا الأمر مبالغاً فيه من منظور قانوني بحت، طالما أن العملية تتم ضمن مؤسسات الدولة وبآلياتها الدستورية. الانقلاب يُفترض به أن يكون تجاوزاً للسلطة الشرعية أو تعطيلًا للدستور، وهذا لا ينطبق على مفاوضات تُدار بقرار حكومي وضمن إشراف البرلمان. لكن الخطر الحقيقي يكمن في تجاوز المؤسسات أو فرض أمر واقع بالقوة أو بالضغوط الخارجية، ما قد يُفقد أي عملية تفاوض شرعيتها الوطنية، ويحوّلها من مبادرة سياسية إلى أزمة دستورية مفتوحة.
ان التداعيات المحتملة لتبنّي خيار التفاوض تتجاوز البُعد القانوني. داخلياً، قد يُعمّق الانقسام بين القوى السياسية، ويؤدي إلى احتكاك اجتماعي وربما أمني إذا فُسّرت الخطوة كتخلٍّ عن «ثوابت المقاومة». خارجياً، قد يُعيد تموضع لبنان في الخريطة الإقليمية ويؤثر على علاقاته مع حلفائه التقليديين. وفي المقابل، يمكن أن يُفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار إذا جرت العملية ضمن إجماع وطني مدروس وبتغطية دولية واضحة.
في المحصّلة، التفاوض مع إسرائيل ليس مجرّد خيار سياسي، بل اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على إنتاج قرار سيادي من داخل مؤسساتها، بعيداً عن الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية. فإما أن يُدار الملف بآليات قانونية شفافة تحفظ السيادة وتحمي المفاوضين من الملاحقة، وإما أن يتحوّل إلى ورقة نزاع داخلي جديدة تزيد هشاشة النظام السياسي.
الطريق نحو أي تفاوض ممكن يجب أن يبدأ من داخل البرلمان، عبر قانون تفويض واضح ومحدّد، وبالتوازي مع حوار وطني شامل يضع خطوطاً حمراء تحفظ الثوابت الدستورية وتراعي الانقسام الداخلي. وحدها هذه الصيغة يمكن أن تمنح القرار مشروعيته القانونية والسياسية، وتمنع لبنان من الانزلاق بين حرب مدمّرة وسلام هشّ بلا شرعية.

بواسطة
د. محمد دوغان
المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى