أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

خطة التعافي تحمي حتى 100 ألف دولار… فأيّ ضمان للودائع؟ (النهار 21 أيار)

كتب موريس متى في “النهار”:

لحظت خطة التعافي التي وضعتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي شطب التزامات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية وقيمتها 60 مليار دولار، وهي بالفعل اموال المصارف لدى مصرف لبنان والتي تعود في نهاية المطاف الى المودعين، ما أجّج المخاوف بين المودعين من “تطيير” الجزء الاكبر مما تبقّى من ودائعهم في المصارف، على رغم التطمينات المستمرة للرئيس ميقاتي الى قدسية الودائع وضرورة حمايتها في اي خطة ستقرها الحكومة.

خرج رئيس الحكومة في الايام الماضية ليؤكد ان اي خطة ستقرها الحكومة ستضمن للمودعين أن أول مئة ألف دولار لهم وفي كل المصارف باتت مضمونة 100%، ليعود ويقول في مقابلة مع رئيسة تحرير “النهار” نايلة تويني انه “قبل سنة كان بالامكان ضمان الودائع حتى مليون دولار، واليوم تراجعت هذه الضمانة حتى 150 الف دولار، وبعد 6 اشهر سينخفض السقف الى 50 الفا، وبعد سنة سيصل المبلغ الى 10 آلاف مع التراجع الدراماتيكي لقدرة الدولة والقطاع المصرفي على حماية هذه الودائع نتيجة ازمة السيولة بالعملات الاجنبية التي تعصف بالبلاد”.

في هذا السياق، قال الوزير السابق المحامي زياد بارود لـ”النهار” انه “في المبدأ وفي المطلق، يأتي ضمان الودائع كموجب على الهيئة الناظمة للقطاع المصرفي، أي مصرف لبنان، وعلى الدولة أيضا بما هي حامية وضامنة للثقة التي وضعها المودعون من لبنانيين وغير لبنانيين في هذا القطاع. لذلك وكما في معظم الدول، فإن ثمة نوعين من الإجراءات تتكفّل الدولة بموجبهما بضمان الوديعة: الأول والأشمل هو رقابة المصرف المركزي على عمل المصارف ونشاطاتها كما يحددها قانون النقد والتسليف، إضافة الى دور يُفترض ان تتولاه لجنة الرقابة على المصارف التي أوكل اليها القانون مهمة التحقق من حسن تطبيق النظام المصرفي وأعطاها الحق في ان تضع لاي مصرف برنامجا لتحسين اوضاعه وضبط نفقاته، وان توصيه بالتقيد به. أما الإجراء الثاني فهو عبر “المؤسسة الوطنية لضمان الودائع”.

بالنسبة الى الإجراء الأول، من الواضح أنه لم يؤدّ إلى ضمان الودائع التي باتت محتجزة de facto بمعنى أنها لا تزال موجودة دفتريا وحسابيا وإنما هي غير قابلة للتسييل أو التحويل أو القبض، أكانت بالعملة الأجنبية أم بالعملة الوطنية أخيرا. وهذا يعني أن ثمة مسؤولية على الهيئة الناظمة للقطاع من الزاوية الرقابية على الأقل ومن زاوية عدم استدراك المخاطر، لا سيما لجهة إقراض مصرف لبنان وعبره الدولة. أما الإجراء الثاني، أي عبر المؤسسة الوطنية لضمان الودائع، فقد بات من دون أي جدوى فعلية. فالمؤسسة التي أنشئت بموجب القانون الرقم 28 عام 1967 بعد أزمة بنك إنترا هي في الأساس مؤسسة مختلطة تساهم فيها الدولة وجميع المصارف العاملة في لبنان، وهي تتولى ضمان الودائع في المصارف المتوقفة عن الدفع أو التي توضع اليد عليها. في كانون الثاني 2020 رفع مجلس النواب قيمة الضمان من 5 ملايين ليرة (كما كانت محددة في القانون 110/1991) إلى 75 مليون ليرة، بعد انهيار سعر الصرف، وكانت التقديرات تشير إلى أن حوالى 85% من المودعين لا تزيد ودائعهم عن 100 مليون ليرة.

اليوم هذا الرقم بات دون 2.500 دولار. ثم ماذا عن سائر المودعين الذين تفوق ودائعهم هذا الرقم وهم دون المئة ألف دولار، مثلا؟ وعلى سبيل المقارنة، فإن ضمان الودائع في فرنسا هو في حدود مئة ألف يورو، وفي الأردن 50.000 دينار أي حوالى 70.000 دولار. ولذلك، فإن التأخير في بت الودائع ومصيرها أدى ويؤدي إلى اضمحلال قيمتها المضمونة ويشكّل تخليا غير مقبول من السلطة النقدية كما والسياسية والرقابية عن أدوار كل منها ويحمّلها مسؤولية معنوية وأيضا قضائية. والأخطر من ذلك كله هو تضمين أي خطة للتعافي شطب الالتزامات وتصفية المصارف في غياب أي ضمانة حقيقية وفعلية للودائع”.

وتساءل بارود: “ماذا لو ذهب البعض، متسلّحا بالقانون 2/1967، في اتجاه مراجعات قضائية لتصفية المصارف معتبرا أن عدم قابلية الودائع للتحريك (في غياب الكابيتال كونترول) هو بمثابة توقف فعلي عن الدفع؟ من يدير هذه الأزمة؟ ومن يضمن ألا تختفي الودائع في “طوابق التفليسة”؟ الحاجة باتت ملحّة لتشريع متكامل، لا لمجرد كابيتال كونترول وإعادة النظر بالإطار القانوني لعمليات دمج المصارف وإعادة الهيكلة وضمان حقوق المودعين”.

بدوره اعتبر الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة ردا على سؤال: هل من قدرة على ضمان الودائع؟ انه “يجب معرفة أن المُلكية الخاصة مُقدّسة في الدستور اللبناني (أقلّه هذه هي النظرة الإقتصادية)، وبالتالي ليس من السهل إقتطاع الأموال من ودائع المودعين مهما كان السيناريو المُعمول به إلا ضمن موافقة المودع. وبالتالي فإن التزامات المصارف تجاه المودعين لا يُمكن التراجع عنها إلا برضى صريح من قِبل المودع. فضمان الودائع هي فكرة ظهرت في العديد من الدول عقب الأزمات التي تعرضت لها المصارف في الماضي، مع ما لذلك من خطر على الودائع ولكن أيضًا على الإقتصاد بحكم أن الودائع هي مصدر أساسي لتمويل النشاط الإقتصادي. تقنيًا تتجمّع المصارف والمؤسسات المالية ضمن تكتل (شركة، مؤسسة…) وتقوم بتمويله نسبة إلى الودائع. وفي المقابل وعند حدوث أي عملية إفلاس في إحدى هذه المؤسسات، تقوم المؤسسة الضامنة بالتعويض على المودعين (حالة فرنسا مثلا). في لبنان أنُشِئَت المؤسسة الوطنية لضمان الودائع (شركة مساهمة) في القانون الرقم 28 عام 1967 “قانون تعديل وإكمال التشريع المتعلّق بالمصارف وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية”، وتهدف إلى تأمين الودائع في المصارف العاملة في لبنان (سواء كانت لبنانية أم أجنبية) بالعملة اللبنانية. وحدد القانون قيمة سقف التعويض بمبلغ 5 ملايين ليرة لبنانية، ليُعاد تعديل هذا السقف في العام 2019 إلى 75 مليون ليرة لبنانية للحساب الواحد”.

وأشار عجاقة الى ان هذا النظام “يتعرّض للعديد من الصعوبات القانونية والمالية لتطبيقه في لبنان. فالتضارب بين القوانين حيث يتم اعتماد المادة 14 من القانون الرقم 110 عام 1991 (إصلاح الوضع المصرفي) كتطبيق للمادة 14 من القانون الرقم 28 عام 1967. أما ماليًا، فإن المعوق الأساسي يأتي من منطلق طلب كل الودائع في الوقت نفسه في ظل عجز المصارف عن تلبية هذا الطلب، وبالتالي لا إمكان للتعويض على المودعين سواء من باب الحفاظ على مستوى الليرة اللبنانية (يتطلّب الأمر دفع أرقام خيالية) أو من ناحية القيمة التي سيتم التعويض فيها على المودعين. لذا، تقنيًا، ربط ضمان التعويض على المودعين بالتزامن مع الدفع الآني هو أمر مستحيل، حتى في ظل فرضية التعويض على صغار المودعين (أقلّ من 100 ألف دولار أميركي بحسب السلطات الرسمية).

من هنا فان أي خطّة تعاف يجب أن توازن بين نسبة ضمان الوديعة وبين الفترة التي سيتمّ التعويض فيها تحت طائلة خسارة قيمة الودائع من دون استثناء. في الواقع هذا القول يدحض (ظاهريًا) أهمية فكرة إنشاء مؤسسة ضمان للودائع، إلا أن ما ينبغي معرفته هو أن مؤسسة الضمان هي نظام ليس فقط للدفع بل من مهامها دراسة المخاطر وتحليلها بشكل إستباقي سواء كانت هذه المخاطر داخلية (عجز الموازنة، الفساد…) أو خارجية (مخاطر سياسية واقتصادية) تكون نهايتها زيادة مساهمة المصارف لتغطية المخاطر. وهذا الأمر يجعل من مؤسسة ضمان الودائع نظاما وقائيا بامتياز”.

بواسطة
موريس متى
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى