جوزاف عون… قراءة في ميزان الواقع

بقلم دافيد عيسى، سياسي لبناني
هل انتهى العهد قبل أن يبدأ؟ ماذا فعل جوزاف عون منذ انتخابه رئيسًا للجمهورية؟ وما الذي تغيّر فعلًا؟
أسئلة تتكرر كثيرًا في النقاش السياسي اللبناني، ويعتقد البعض أن الإجابة عنها يمكن اختزالها في موقف أو جملة واحدة.
لكن مقاربة تجربة العهد بواقعية وموضوعية، بعيدًا عن الاصطفافات السياسية، تقتضي أولًا العودة إلى نقطة البداية وطرح السؤال الأساسي:
أيّ لبنان تسلّم جوزاف عون؟
هل يُعقل أن يُنتظر من رئيس الجمهورية أن يمتلك عصًا سحرية تمكّنه، خلال سنة واحدة فقط من عهده، من معالجة أزمات تراكمت على مدى سنوات، بل عقود؟ وهل من المنطقي أن يُطلب من عهد جديد أن يُصلح خلال فترة زمنية قياسية ما خلّفته سنوات طويلة من الانهيار المالي والاقتصادي، والتعطيل السياسي، والفراغ المؤسساتي، فضلًا عن الحروب والانقسامات التي استنزفت البلاد وأثقلت كاهلها؟
إن تقييم أي عهد لا يمكن أن ينفصل عن حجم التراكمات التي ورثها، ولا عن طبيعة الظروف التي يعمل في ظلها.
فمعالجة أزمات بهذا التعقيد تحتاج إلى وقت ومسار متدرّج وبيئة إقليمية مستقرة نسبيًا، ولا يمكن اختزالها في نتائج سريعة خلال فترة زمنية محدودة.
عند انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية في ٩ كانون الثاني ٢٠٢٥، بعد شغور رئاسي دام أكثر من عامين، كان لبنان يمرّ بمرحلة بالغة التعقيد، سياسيًا وأمنيًا.
وجاء انتخابه في أعقاب حرب مدمّرة بين إسرائيل وحزب الله، وفي ظل ظروف أمنية وسياسية شديدة الحساسية فرضت تحديات كبيرة على البلاد.
تسلّم عون الرئاسة بعد مسيرة في قيادة الجيش اللبناني، وفي ظرف كان يدرك تفاصيله وتحدياته جيدًا.
وكان يعلم منذ اللحظة الأولى أن ما تسلّمه لم يكن سوى “كرة من نار” وُضعت بين يديه: وبلدٌ أنهكته أزمات متراكمة، واقتصادٌ يواجه واحدة من أشد الأزمات في تاريخه، ومؤسساتٌ أثقلتها سنوات من التعطيل والتراجع، ونظام مالي ومصرفي يرزح تحت وطأة أزمة غير مسبوقة، فضلًا عن تراجع الثقة بالدولة ومؤسساتها داخليًا وخارجيًا.
لكن أقسى ما واجهه العهد الجديد كان الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي دخل حزب الله مجددًا فيها بعد استشهاد المرشد الإيراني علي خامنئي في ٢٨ شباط ٢٠٢٦، لتتسع المواجهات وتمتد مجددًا إلى الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع.
وهكذا أضيفت إلى الأزمات الداخلية المتراكمة أزمة أمنية وعسكرية جديدة زادت من تعقيد المشهد اللبناني وأثقلت كاهل الدولة ومؤسساتها.
وتسلّم الرئيس عون البلاد أيضًا وسط انقسام سياسي لبناني عميق حول واحدة من أكثر القضايا إشكالية، وهي دور سلاح حزب الله ومستقبل قرار الحرب والسلم، فيما كانت مناطق لبنانية واسعة قد دفعت ثمن المواجهات بالقصف والدمار، وأُجبر آلاف اللبنانيين على مغادرة منازلهم وقراهم والنزوح إلى مناطق أكثر أمانًا.
وفي مواجهة هذا الواقع، رفع رئيس الجمهورية منسوب موقفه السياسي، معلنًا رفضه إعادة لبنان إلى معادلة “حروب الإسناد”، ومؤكدًا أن أولوية الدولة تتمثل في تحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية وحماية اللبنانيين من تكرار تجارب المواجهات التي لطالما كانت كلفتها باهظة على الشعب والمؤسسات والاقتصاد والوطن.
كما شدد على أن قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يكون خارج إطار الدولة اللبنانية أو خاضعًا لإرادة أي دولة أخرى، بل هو قرار سيادي وطني حصري يجب أن يُتخذ ضمن مؤسسات الدولة الدستورية، بما يضمن وحدة القرار الوطني ويحفظ سيادة لبنان ومصالح اللبنانيين وأمنهم.
وبالتزامن مع ذلك، واجهت الدولة اللبنانية تحديًا بالغ الصعوبة تمثّل في إعادة بناء علاقاتها العربية والدولية، واستعادة الثقة بلبنان، وإعادة فتح قنوات الدعم المالي والاقتصادي اللازمة لإعادة إعمار ما تضرّر خلال حربي الإسناد، وذلك بعد سنوات من إغلاق الأبواب أمام كبار المسؤولين اللبنانيين وامتناع عدد من الدول عن استقبالهم، في ظل تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية.
هذه هي نقطة البداية التي ينبغي أن تكون حاضرة عند أي محاولة لتقييم العهد، سواء في ما تحقق خلاله أو في ما لم يتحقق.
ومن هذه النقطة يمكن قراءة الحراك السياسي والدبلوماسي الذي شهدته رئاسة الجمهورية منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون.
فقد دخلت الرئاسة في مسار نشط من الاتصالات والزيارات واللقاءات مع عواصم عربية وأوروبية ودولية، تناول ملفات أساسية تتصل بسيادة لبنان وأمنه، ودور الجيش، وإعادة الإعمار، والإصلاحات، وتعزيز العلاقات الخارجية.
ففي ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٥، زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بيروت، في زيارة تناولت سبل دعم مؤسسات الدولة والجيش ومسار التعافي والإصلاح.
ثم جاءت زيارة المملكة العربية السعودية في ٣ آذار ٢٠٢٥، حيث التقى الرئيس عون ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في خطوة عكست أهمية إعادة بناء العلاقة بين لبنان والمملكة وتعزيز حضور لبنان في محيطه العربي.
وتوالت بعد ذلك الاتصالات والزيارات مع عواصم عربية وأوروبية ودولية، في محاولة لإعادة لبنان إلى دائرة الاهتمام الخارجي وتعزيز الدعم للدولة ومؤسساتها
وفي ١٠ حزيران ٢٠٢٦، أعلنت المملكة العربية السعودية توجيهًا باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة، وقالت وزارة الخارجية السعودية إن القرار جاء بناءً على طلب الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وفي ضوء الخطوات الإيجابية التي قامت بها الحكومة اللبنانية في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة والتعاون مع الفرق المختصة. وبدأ تنفيذ القرار عمليًا في ٢٠ حزيران، مع انطلاق أول شحنة من مرفأ بيروت إلى جدة.
ثم جاءت زيارة واشنطن في ٢١ تموز ٢٠٢٦، حيث التقى الرئيس عون الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، وبحثا ملفات مرتبطة بلبنان، بما فيها الوضع في الجنوب والجيش والسيادة والاستقرار.
هذه الوقائع لا تعني أن الأوضاع أصبحت أفضل بالشكل الذي يتطلع إليه الجميع، ولا أن العهد حقق كل ما كان اللبنانيون ينتظرونه.
لكن مجرد امتلاك الرئيس إرادة المحاولة والسعي إلى التغيير أمر يستحق أن يُرى بإنصاف، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
كما لا يصح القول إن الرئيس لم يفعل شيئًا، لما ينطوي عليه هذا الطرح من إجحاف وتجنٍّ على حقيقة الواقع.
ومن هنا، لا بد من التوقف أيضًا عند بعض الملاحظات التي برزت حول تركيبة الوفود المرافقة لرئيس الجمهورية خلال زياراته الخارجية، إذ يقتصر الوفد أحيانًا على عدد من المقربين والمستشارين.
وهنا يبرز السؤال: هل يُقاس نجاح زيارة رئيس الجمهورية بحجم الوفد المرافق له أو بعدد أعضائه؟ وهل يحتاج اللبنانيون أصلًا إلى معرفة مسبقة بما سيطلبه الرئيس من الدول التي يزورها، في ظل وضوح الملفات والقضايا التي يحملها معه، وفي مقدّمها دعم لبنان ومؤسساته وتعزيز علاقاته الخارجية؟
فالزيارة هي في الأساس زيارة لرئيس الجمهورية، فيما تتمثل مهمة الوفد في مواكبة الزيارة وتسجيل ومتابعة الملفات والقضايا التي تُبحث خلالها، بما يضمن استمرارية العمل عليها بعد انتهاء الزيارة.
ومن هنا، فإن المعيار الأساسي لنجاح أي زيارة رئاسية لا ينبغي أن يكون حجم الوفد أو أسماء المشاركين فيه، وإنما النتائج التي تحققت خلالها، وما فتحته من قنوات للتواصل، وما أسهمت فيه من دعم لمعالجة الملفات المطروحة وتعزيز علاقات لبنان مع الدول التي يزورها رئيس الجمهورية.
كما يمكن النظر إلى محدودية عدد أعضاء الوفود من زاوية حرص رئيس الجمهورية على ترشيد الإنفاق العام والحد من كلفة السفر والإقامات، ولا سيما أن الرئيس هو الأدرى بحجم الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، وما تفرضه من ضرورة التعامل مع المال العام بأقصى درجات المسؤولية والحرص.
والدول لا تُبنى بالعزلة، ولا تستطيع أن تنهض من دون شبكة علاقات خارجية متينة وظهير عربي ودولي يواكبها ويدعم استقرارها. ومن هذه الزاوية، لا يمكن تجاهل أن جوزاف عون أعاد فتح قنوات التواصل مع المحيطين العربي والدولي.
قد يختلف اللبنانيون حول حجم هذا الانفتاح ونتائجه الفعلية وجدواه السياسية، لكن ذلك لا يلغي أهمية ما تحقق في هذا المجال، ولا يبرر شطبه من الحساب.
في الختام، من أراد محاسبة جوزاف عون، فليكن ذلك استنادًا إلى الوقائع والحقائق، لأن إحقاق الحقيقة وإنصافها يجب ألا يكونا رهينة موقع الشخص أو انتمائه السياسي.
أما السؤال الذي ينبغي علينا جميعًا أن نطرحه، فهو: ماذا كان يتعيّن على رئيس الجمهورية أن يفعل ولم يفعله؟ وما الملفات التي كانت تقع ضمن صلاحياته ولم يعالجها؟ وما النتائج التي تحققت فعلًا، وما النتائج التي لم تتحقق؟ والأهم، ما الذي كان بإمكانه إنجازه ضمن صلاحياته ولم يُقدِم عليه؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح أمام اللبنانيين، بدل الاكتفاء بالانتقاد والنظر إلى الواقع من زاوية سلبية، وحصر النقاش في سؤال: “ماذا فعل الرئيس؟”.
فهذا السؤال، على أهميته، يبقى ناقصًا ما لم يُطرح إلى جانبه سؤال أكثر شمولًا: في أي وضع كان لبنان عندما تسلّم جوزاف عون رئاسة الجمهورية؟ وما التحديات والأزمات التي كانت قائمة أمامه عند تولّيه المسؤولية؟
وفي المقابل، من الطبيعي، بل من حق اللبنانيين، أن يطرحوا تساؤلاتهم حول الأوضاع المعيشية على الحكومة، وأن يطالبوا الدولة باتخاذ إجراءات عملية وفعّالة لمعالجة الأزمات وإيجاد حلول ملموسة تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين اليومية.
فالمطالبة بتحسين الظروف المعيشية ليست انتقادًا بحد ذاته، بل هي حق مشروع ومسؤولية تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها.
لكن اختزال المرحلة بأكملها بالقول إن الرئيس “لم يفعل شيئًا” هو ظلم وتجنٍّ، ويعكس قراءة تفتقر إلى الموضوعية والإنصاف.
المطلوب هو قراءة هذه التجربة بكل ما لها وما عليها؛ بما تحقق خلالها وما بقي عالقًا، وبما كان يمكن إنجازه، في ضوء الظروف السياسية الصعبة التي أحاطت بالمرحلة، والواقع الإقليمي المضطرب، وموازين القوى الداخلية والتعقيدات السياسية التي شكّلت عوائق أمام تحقيق عدد من المشاريع والإنجازات.
فالحقيقة لا تخشى المحاسبة، والوقائع لا تحتاج إلى مزايدة.



