أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

تقويم الإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم: هل نحن بحاجة إلى مناهج جديدة؟ (النهار 5 نيسان)

كتب إبراهيم حيدر في “النهار”: 

يثير الإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم ما قبل الجامعي الذي اصدرته وزارة التربية والتعليم العالي، نقاشاً حول الحاجة إلى مناهج تربوية جديدة، وأهدافها التعليمية. صدرت المسودة الثانية للإطار الوطني بعد أولى خضعت للتقييم في ورش عمل عدة في المركز التربوي للبحوث والإنماء، من دون أن تغير من المفهوم ارتكزت إليه المسودة الأولى والتوجهات الرائجة في تطوير المناهج التربوية، على ما ورد في مقدمة الاطار من استناد وزارة التربية الى دراسات أجرتها مع المركز التربوي والمراجع الدولية التي تناولت مسألة تطوير المناهج.

سبق إطلاق الإطار الوطني، اعداد الورقة التوجيهية لسيرورة تطوير المنهاج اللبناني وهي تحدد نظرية التربية في التطوير وتفصل مراحل السيرورة الخاصة بالمنهاج اللبناني بين العامين 2021 و2026. فتطوير المناهج وتجديدها لا يمكن أن يتم بمعزل عن المجتمع، ولذلك انطلقت الورقة من الحاجة إلى تطوير المنهاج بما يتناسب مع الرؤية الإنمائية في البلاد وآفاقها، وهي توضح المراحل الرئيسة لسيرورة تطوير المنهاج وتطبيقه، ومخرجاتها ونتائجها المرتقبة حتى السنة 2026.

يشدد الاطار الوطني على الحاجة إلى اصلاح المنهاج في لبنان، على قاعدة تعزيز مفهوم الهوية اللبنانية باعتبارها المكون الأساس للوحدة الوطنية. ويعطي الاولوية لسيادة القانون واحترام الحريات والمشاركة في الحياة الاجتماعية وتنمية حس الانتماء الوطني لدى المتعلمين. بالاستناد إلى المفهوم الذي ينطلق منه الاطار الوطني وابرازه الحاجة الى منهاج جديد، لا تظهر الصورة واضحة في تحديد نقاط التعثر في المناهج الحالية التي أقرت عام 1997، خصوصاً وأن الشروع في تطوير المناهج لا يمكن ان يبدأ من التفسير السابق ذاته للتطوير، فإذا كانت المناهج الحالية لم تعد صالحة، ينبغي أن تخضع لمسار التقويم ويضعها على مشرحة النقد للخروج نحو مسار مختلف لمنهاج تعليمي جديد.

كيف نستفيد من تجربة اعداد المناهج الحالية منذ 1997؟ سؤال مشروع يرتبط بالأسباب الموجبة لتطوير المنهاج الذي وضعه الاطار الوطني. ينطلق الاطار من الحاجة إلى التطوير من منظور تعليمي، فأي منهاج يوائم الاعتبارات المتعلقة بعملية التعلم في القرن الحادي والعشرين وكيف تجري؟ من المهم أن يكون المنهاج على صلة بحياة المتعلمين وبسياق تجاربهم وأن يقارب شخص المتعلم من منظور كلي شامل. فالمتعلمون بحاجة إلى تطوير قدراتهم الذهنية وتحقيق انجازات أكاديمية، كما إلى انماء مهاراتهم الاجتماعية والعاطفية والحركية. التعلم عملية اجتماعية مجتمعية، تتحقق، في سياق التفاعلات الاجتماعية بين البيئات التعلمية التي غالباً ما تكون غير متجانسة. من هنا تبرز الحاجة إلى منهاج جديد يعزز هذه التفاعلات بين المتعلمين من جهة، وبينهم وبين معلميهم وأولياء أمورهم والمجتمع من جهة أخرى، من خلال ربطها بتجارب تعلمية ذات جدوى، تؤدي إلى تطوير الكفايات الرئيسية المستعرضة والمتخصصة على حد سواء.

هذه الكفايات هي الحياتية والعملية وتشمل المهارات الصلبة أي العناصر المرتبطة بالمعرفة واتقان المحتوى التعلمي الخاص بميادين مهنية معينة والمهارات الاجتماعية. هذا يستدعي بحسب الأسباب الموجبة اختيار المضامين الهادفة وتنظيمها والحفاظ على ترابطها وتجنب التداخلات غير الضرورية في ما بينها والتكرار والاثقال بالمعلومات. ولا بد ايضاً من تعديل المنهاج ليلبي التعلم عن بعد والمدمج.

يمهد هذا الاطار المرجعي المطور وفق المسودة إلى اعتماد ثقافة موحدة للتعاطي مع المنهاج في لبنان تسلط الضوء على المبادرات الواعدة والتطلعية التي سبق لعدد من المدارس أن طبقها. ونظراً لأن الاطار المرجعي وثائق مفتوحة، فهو يخضع للمراجعة بشكل دوري بناء على التغذية الآتية من الاطراف المعنية بالشأن التربوي وعلى التطورات المستجدة في مختلف قطاعات المجتمع. ويورد أن الاطار يشكل دافعاً لتصبح المدارس مؤسسات تعلمية خلّاقة تستكشف خصوصياتها وإمكاناتها في تحسين سيرورة التعليم ومخرجاته انطلاقاً من مبدأ الوحدة في التنوع.

يقدم الاطار الوطني رؤية للتطوير من خلال ربط التغييرات المتوخاة في القطاع التربوي بتلك المتعلقة بانماء المجتمع اللبناني وتنمية اقتصاده في المستقبل. ولا بد في هذا السياق من التعامل مع تطوير المنهاج كشرط مسبق لتنمية القطاع التربوي وانماء المجتمع. يستند الاطار إلى قاعدة أن التطوير والاستقرار وجهان لعملة واحدة، ذلك أن فترات التغيير تتعاقب مع فترات من الاستقرار، بما يضمن الانتقال السلس للنظام التربوي في لبنان من واقعه الحالي إلى مرحلة جديدة تتسم بالجودة والانصاف والعدالة والمساءلة. هكذا يجري التعامل مع سيرورة التطوير باعتبار أنها تحدث بشكل تدريجي وعلى مراحل ما يتيح التفكير في الجديد الذي ينطوي عليه المنهاج واخضاعه للاختبار التجريبي ومراجعته وتنفيذه وفقاً للسياسات التي يتبناها المعنيون بالقطاع التربوي اتطلاقاً من مبادئ التطوير والتوجيهات العائدة لها ولرؤيتهم للمنهاج كوحدة متماسكة ومتكاملة.

ينظر الاطار الوطني إلى أماكن التعليم اي المدرسة، وهي قد تشهد عمليات تحول أساسية في المستقبل. يتعين على المدارس أن تتيح للمتعلمين فرصة خوض تجارب مهنية واجتماعية وإنسانية إيجابية وأن توفر لهم بيئة صحية سليمة ما ينمي مهاراتهم. فالمطلوب أن تشكل المدارس نماذج إيجابية وملهمة، وقد يعتمد النظام التربوي في عمله على مقاربة منظومية تشرك الاطراف المعنيين كافة في سيرورة التخطيط للانشطة الخاصة بهم وتنفيذها والاشراف عليها.

ما هي أسس المتهاج اللبناني كما يقدمها الاطار؟ يستند الى الاتجاهات الحديثة للتعليم الفعال، وهي مسالة خلافية بين الخبراء، ويقوم على مفاهيم تعلّم حديثة تؤكد ميزات تعلمية جديدة وتركز على سيروة التعلّم بما يتماشى مع تطورات عالمنا اليوم الذي يتبدل سريعاً. وفي الاطار يوفر المنهاج المطور مساحات للمدارس والمعلمين وغيرهم من المعنيين ليصبحوا مساهمين مبدعين في تطويره واحداث تغيير في القطاع التربوي، وهو يعتمد المقاربة التربوية القائمة على الكفايات.

في عناصر المناهج واهدافه التربوية، كما يقدمها الإطار، يسعى الى تحقيق انجازات، أبرزها، اعداد اشخاص متكاملين ونشطين ومن ذوي الاخلاق الحسنة قادرين على تطوير طاقاتهم، واعداد مواطنين لبنانيين يحبون وطنهم وإعداد أفراد مستقلين ومؤهلين ومبدعين. وفي هذا السياق يركز على امتلاك المعارف الضرورية والتمكن من محتوى تعلّمي مهم يكون مرتبطاً بميادين محددة من المعارف والانشطة البشرية.

نتوقف عند هندسة المنهاج الذي يبين وفق الاطار، الهيكلية الشاملة للمحتوى التعلمي. تم التركيز على المضامين الخاصة بالمواد الدراسية والكفايات الأساسية التي يحتاج المتعلمون الى تطويرها باعتبارها عناصر منظمة للمنهاج. والمعارف الضرورية تبدأ بالكتابة والقراءة والتواصل الشفوي الكلامي، والحساب (معرفة الرياضيات) المعرفة الرقمية، والعلمية والتربية المدنية والمعرفة الثقافية والفنية والبدنية والاعلامية والمعرفة المالية والبيئية والصحية. ويقترح مجموعة شاملة من المواد – الميادين المعرفية المتصلة بالواقع تسهم في انماء المتعلمين. ويدعو المنهاج إلى انشاء روابط قوية بين الميادين المعرفية والمواد التي تنظمه حتى يتمكن المتعلمون من تطوير فهم عميق للعلاقات التي تربط بين مختلف مكونات عالمنا الحالي ومعرفتنا به وفهمنا له.

أما الميادين المعرفية والمواد في المنهاج المطور، فهي مستمدة من المنهاج السابق أي الحالي، وتبدأ باللغات العربية والفرنسية والانكليزية وأخرى وفقاً لسياسات تعتمدها الوزارة، والرياضيات بما تتضمنه من عمليات وهندسة وجبر وعلم المثلثات والتحليل والاحصاء والاحتمالات، والعلوم بما تشمل علوم الحياة والأرض والبيئة والفيزياء والكيمياء، والعلوم الانسانية والاجتماعية وتشمل التربية على المواطنة والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والاقتصاد وادارة الاعمال والفلسفة، والفنون والثقافة وتشمل الموسيقى والفنون البصرية والمسرح والسينما والرقص وتصميم الأزياء والاعلام والفنون التقليدية والاشغال اليدوية إضافة الى المهارات التقانية والحياتية والمهنية والتربية البدنية والصحية. ويطرح المنهاج المطور المعرفة الرقمية في صلبه. ويفصل عملية التطبيق من خلال ما تحتويه المضامين الخاصة بالمواد على المعطيات العائدة لمختلف الميادين. ويشدد على مشاركة المعلمين في اعداد المنهاج وتنفيذه وتدريسه وأن يجري تمكينهم ليصبحوا مؤلفين مشاركين.

يتوقف أخيرا عند تقويم التعليم وهذه مسالة معقدة، وتطوير الموارد البشرية والفكرية والمادية في تطبيقه وفي مرحلتي التوسع والتجربة.

بواسطة
إبراهيم حيدر
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى