أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

لماذا يتصدر السوريون والفلسطينيون المشهد ويتراجع حضور اللبنانيين؟ (نداء الوطن 2 تشرين الثاني)

تعود رحلات الهجرة غير الشرعية عبر البحر إلى الواجهة في لبنان، مع تجدّد المحاولات والتحضيرات للانطلاق من الشواطئ الشمالية باتجاه قبرص وأوروبا، في مشهد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع شرائح واسعة من السكان واللاجئين إلى البحث عن مخرج خارج البلاد، ولو كان عبر قوارب الموت.

لكن اللافت في المرحلة الحالية ليس عودة هذه الرحلات فحسب، بل التحوّل في هوية الراغبين في خوضها، مع بروز الحضور السوري والفلسطيني بصورة أكبر، مقابل تراجع ظهور اللبنانيين الذين كانوا يشكّلون جزءًا أساسيًا من موجات الهجرة البحرية خلال السنوات الماضية. وهو تحوّل يطرح تساؤلات حول الأسباب التي أعادت هذه الظاهرة إلى الواجهة، والظروف التي باتت تدفع فئات معينة إلى المخاطرة بحياتها في عرض البحر.

فخلف كل رحلة حكاية عائلة أنهكها الفقر، وشاب لم يعد يرى في بلده مستقبلا، وأب بات عاجزًا عن تأمين أبسط متطلبات الحياة لأطفاله. وبينما تبدو أوروبا بالنسبة إلى هؤلاء محطة أمل أخيرة، يتحوّل البحر إلى طريق محفوف بالمخاطر، لا يضمن الوصول ولا يستثني أحدًا من الغرق أو الاختفاء.

الفلسطينيون: لجوء بلا أفق

يبرز الفلسطينيون ضمن الفئات التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة، بفعل واقع اللجوء الممتد منذ عقود، وغياب الأفق السياسي لحل قضيتهم، فضلا عن القيود المفروضة على فرص العمل في عدد من المهن، وعدم السماح بالتملك العقاري، ومحدودية الفرص المتاحة أمام الشباب لبناء حياة مستقرة.

ويضاف إلى ذلك تراجع المساعدات والخدمات التي تقدمها وكالة “الأونروا”، وما يرافقه من ضغوط على العائلات التي تعتمد على هذه الخدمات في التعليم والصحة والإغاثة. وبالنسبة إلى الفلسطينيين القادمين من سوريا، تبدو المعاناة أكثر تعقيدًا، نتيجة تعرضهم لتجربتي النزوح واللجوء، وما رافقهما من خسارة للمنازل والاستقرار ومصادر الدخل، فضلاً عن الصعوبات القانونية والمعيشية التي تواجههم في لبنان.

السوريون: بين صعوبة العودة وضيق الخيارات

أما السوريون، فتتداخل في دوافع هجرتهم عوامل عدة، أبرزها صعوبة الاستقرار القانوني والمعيشي، ومحدودية فرص العمل، والفقر، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالعودة إلى سوريا بالنسبة إلى بعض العائلات، وعدم وضوح مستقبلها في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية والخدماتية في مناطق مختلفة.

وبين من لا يستطيع العودة، ومن لا يجد في لبنان ظروفًا تسمح له بالاستقرار، ومن يبحث عن مستقبل أفضل لأطفاله، تصبح الهجرة إلى أوروبا خيارًا مطروحًا، رغم مخاطرها وكلفتها المرتفعة. كما أنّ بعض العائلات السورية باتت تنظر إلى الهجرة باعتبارها فرصة لإعادة بناء حياتها بعيدًا من سنوات النزوح وعدم الاستقرار.

أين اختفى اللبنانيون من قوارب الموت؟

في المقابل، يبرز سؤال حول تراجع ظهور اللبنانيين ضمن رحلات الهجرة البحرية، بعدما كانوا حاضرين بقوة في موجات الهجرة غير الشرعية التي انطلقت من الشواطئ اللبنانية خلال السنوات الماضية، ولا سيما خلال ذروة الانهيار الاقتصادي. وقد يكون هذا التراجع مرتبطًا بمجموعة عوامل، من بينها مغادرة أعداد كبيرة من اللبنانيين الراغبين في الهجرة خلال السنوات السابقة، سواء عبر الطرق النظامية أو غير النظامية، إضافة إلى امتلاك اللبنانيين خيارات سفر وهجرة مختلفة نسبياً عن تلك المتاحة أمام اللاجئين، وإن كانت هذه الخيارات لا تعني بالضرورة سهولة الوصول إلى الدول الأوروبية.

ولا يمكن إغفال العامل الأمني أيضًا، إذ إن تشديد الرقابة على الشواطئ وملاحقة شبكات التهريب وارتفاع مخاطر التوقيف والملاحقة قد جعلت بعض اللبنانيين أكثر حذرًا في خوض هذه المغامرة. كما أنّ طبيعة شبكات التهريب والوجهات التي تستهدفها قد تكون تغيّرت، بما جعل حضور السوريين والفلسطينيين أكثر وضوحًا في المحاولات الأخيرة. لكن تراجع ظهور اللبنانيين لا يعني بالضرورة انتهاء رغبتهم في الهجرة، بل قد يعكس تبدلا في طبيعة المشاركين والظروف التي تدفعهم إلى ركوب البحر، في انتظار معطيات وإحصاءات رسمية تسمح بتحديد حجم هذا التحول بصورة دقيقة.

شبكات تهريب تستثمر في اليأس

وتشير المعطيات المتداولة إلى أنّ الشمال اللبناني عاد ليكون في صلب هذا النشاط، مع الحديث عن تحضيرات لتجهيز قوارب في محيط طرابلس وعكار، وصولا إلى مناطق ساحلية وحدودية، في مؤشر إلى استعادة شبكات التهريب نشاطها ومحاولاتها استغلال الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.

وقد شهدت الفترة الأخيرة حوادث ومحاولات فعلية، بينها عمليات إنقاذ لمهاجرين تعطّلت قواربهم في عرض البحر، ومحاولات تهريب أحبطتها الأجهزة الأمنية قبل انطلاقها. كما كشفت التحقيقات في إحدى القضايا عن مبالغ مالية كبيرة يتقاضاها المهربون من الراغبين في الوصول إلى قبرص، ما يعكس حجم التجارة التي باتت تقوم على استغلال حاجة الناس ويأسهم.

وتضطر عائلات إلى بيع ما تملك أو الاستدانة لتأمين كلفة الرحلة، فيما يضع المهربون حياة الركاب في مهبّ الخطر، من خلال استخدام قوارب غير مجهّزة للإبحار لمسافات طويلة، ومن دون ضمانات للسلامة أو الوصول.

وفي ظل عودة هذه المحاولات، تبرز مسؤولية الدولة في التعامل مع الظاهرة من زاويتين متكاملتين: أمنية، عبر ملاحقة شبكات التهريب ومنع استغلال الراغبين في الهجرة، واجتماعية واقتصادية، عبر معالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى اتخاذ البحر طريقاً للخلاص.

فالملاحقات الأمنية قد تنجح في إحباط رحلة أو توقيف مهرّب، لكنها لا تستطيع وحدها إقناع شاب بالتخلي عن فكرة الرحيل ما دام عاجزاً عن تأمين مستقبله، أو إقناع عائلة لاجئة بالبقاء في ظروف لا تضمن لها الحد الأدنى من الاستقرار.

وهكذا، تعود قوارب الموت لتكشف وجهًا آخر من أزمات لبنان، حيث لم يعد السؤال مقتصرًا على عدد الذين يحاولون مغادرة الشواطئ، بل بات يتعلق أيضًا بهوية هؤلاء، والأسباب التي تدفعهم إلى المغادرة، والتحولات التي طرأت على خريطة الهجرة البحرية. وبين حلم الوصول إلى ضفة أكثر أمنًا واحتمال الغرق في عرض البحر، يبقى السؤال الأهم: إلى متى سيظل البحر بالنسبة إلى هؤلاء بديلا من وطن لم يعد قادرًا على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة؟

بواسطة
مايز عبيد
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى