أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

نواف سلام في مواجهة اختبار السيادة: الحقيقة والمحاسبة في ملف ضهر البيدر (اللواء 13 أيلول)

في المشهد السياسي اللبناني المثقل بالتسويات الرمادية والبيانات الملتبسة، حيث اعتاد بعض المسؤولين الاحتماء خلف عبارات فضفاضة تفادياً للاشتباك مع الملفات الحسّاسة، جاء الموقف الأخير لرئيس الحكومة نواف سلام بشأن شحنة المتفجرات المضبوطة على حاجز ضهر البيدر ليشكّل خرقاً مدوياً لجدار الصمت ومحطة سياسية تعلن بوضوح دخول الدولة مرحلة المكاشفة المطلقة. فالمسألة لا تتعلق بمجرد إقرار أمني عابر على حاجز عسكري، بل بوثيقة سياسية تمسّ جوهر سلطة الدولة وحقها الحصري في إدارة الأمن وفرض القانون على الجميع دون استثناء.

تكمن أهمية موقف رئيس الحكومة في أنه نقل القضية إلى مستوى المسؤولية السياسية والمؤسساتية المباشرة، واضعاً أمام الرأي العام أسئلة حاسمة لا يمكن طيّها بالتوافقات التقليدية: من أين جاءت هذه المواد؟ وإلى أين كانت تتجه؟ وما الغاية من نقل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات الشديدة الخطورة نحو حدود العاصمة؟ إن قيمة هذا الموقف تكمن في كسر قاعدة التغاضي السائدة وتأكيد أن حيازة السلاح الخارجي عن الشرعية ونقله لم يعد مادة للمساومة السياسية، بل خطراً مباشراً يهدّد السلم الأهلي وجوهر الكيان.

إن خطورة ما كُشف عنه باحتواء الشحنة المضبوطة على مواد شديدة الانفجار تُستخدم عادة في الجرائم السياسية الكبرى، تفرض التعامل مع الملف بأقصى درجات الحزم. فالتأكيد الرسمي على رفض التساهل أرسل إشارة صريحة دفعت الأجهزة القضائية والأمنية للتوسّع في تحقيقاتها وتتبّع الخيوط اللوجستية دون الاكتفاء بالموقوفين المباشرين، مما يرفع أي مظلة سياسية عن أي جهة قد يثبت تورطها. وهنا تحديداً تبدأ معركة استعادة الهيبة؛ فالدولة القوية هي التي تتجاوز الأحكام المسبقة والتراشق السياسي لتصل إلى الحقيقة الكاملة وتفرض المحاسبة عبر مؤسساتها الشرعية.

تتجاوز هذه القضية التفاصيل الأمنية لتلامس السؤال الجوهري الذي يواجه لبنان اليوم: من يملك قرار الأمن والسلم، ومن يحتكر خيارات القوة؟ إن حصرية السلاح والقرار ليست مجرد شعار دستوري، بل شرط أساسي لقيام الدولة. ولا يمكن بناء استقرار دائم بينما تبقى القرارات الأمنية موزعاً بين المؤسسات الرسمية ومراكز قوة خارجها. ومن هنا، يكتسب موقف سلام قيمته إذا تحوّل إلى مسار مؤسساتي يمنع الاستثناءات ويجعل القانون سقفاً يعلو فوق الجميع.

إن الأجهزة العسكرية والأمنية التي أدّت واجبها بنجاح في ضبط هذه المواد الخطرة تحتاج اليوم إلى غطاء سياسي وقضائي مستدام يحمي عملها ويمنع الضغوط. لكن الامتحان الحقيقي للحكومة يبدأ الآن؛ فالفارق بين اللحظة التاريخية والموقف العابر يتحدد بالقدرة على ترجمة الشجاعة في الإعلان إلى حزم في التنفيذ ومحاسبة شفافة. إن لبنان لا يحتاج فقط إلى موقف سياسي شجاع، بل إلى دولة تملك الإرادة السيادية لتطبيق القانون على الجميع وإعادة قرار السلم والحرب إلى مؤسساتها الشرعية وحدها.

 

 

بواسطة
آلاء أبو الذهب
المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى