أسعار النفط فوق 100 دولار.. لماذا ستكون السوق رهينة تحركات الصين؟

ارتفعت أسعار النفط مجدداً فوق مستوى 100 دولار للبرميل، مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعطل بنى تحتية نفطية مهمة، لكن العامل الأكثر حسماً في مسار الأسعار خلال الأشهر المقبلة قد لا يكون الحرب نفسها، بل وتيرة عودة الصين إلى شراء الخام.
سجّل الخام الأميركي هذا الأسبوع أعلى إغلاق له منذ مايو متجاوزاً 102 دولار للبرميل، بعدما قفز بنحو 50% مقارنة بأدنى مستوياته المسجلة في يونيو. وجاءت المكاسب بالتزامن مع اشتداد المواجهات في الشرق الأوسط وتوقف خط أنابيب النفط السعودي “شرق – غرب” عقب هجمات متكررة.
وأشار رئيس شركة “رابيدان إنرجي” بوب ماكنالي إلى أن السوق أعاد تدريجياً تسعير مخاطر الإمدادات منذ انهيار مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران وعودة الحصار البحري الأميركي على إيران خلال يوليو، إلا أن الأسعار لا تزال دون الذروة التي سجلتها في أبريل عند نحو 113 دولاراً للبرميل.
الصين.. العامل الغائب في التسعير
ترى كبيرة متداولي الطاقة في “CIBC Private Wealth”، ريبيكا بابين، أن الأسواق أخذت في الحسبان تصاعد الصراع بالشرق الأوسط، لكنها لم تستوعب بالكامل احتمال ارتفاع الطلب الصيني على الخام.
وتوقعت أن يؤدي رفع المصافي الصينية معدلات التشغيل إلى زيادة مشتريات النفط، ما قد يضيف ضغوطاً جديدة على سوق تعاني أساساً من شح الإمدادات.
“حمية قاسية” أبقت الأسعار تحت السيطرة
لعبت الصين دور “المستهلك المرجّح” خلال الحرب مع إيران، إذ خفضت وارداتها النفطية بمقدار يتراوح بين 3 و5 ملايين برميل يومياً، مستفيدة من احتياطيات استراتيجية ضخمة تتجاوز مليار برميل.
ووصف ماكنالي هذه السياسة بأنها “حمية قاسية” ساهمت في منع الأسعار من الارتفاع الحاد، لكنه أشار إلى أن بكين بدأت تدريجياً العودة إلى السوق، ما يزيد المنافسة على الإمدادات المتاحة.
هوامش التكرير تشجع الشراء
دفعت القفزة الكبيرة في هوامش أرباح إنتاج الديزل المصافي الصينية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الشرائية، بعدما أدت الحربان في إيران وأوكرانيا إلى خروج جزء معتبر من طاقات التكرير العالمية من الخدمة.
ورأت بابين أن مستويات الربحية الحالية أصبحت مرتفعة إلى درجة تجعل من الصعب على المصافي تجاهل الفرصة، ما يدفعها إلى شراء مزيد من الخام وتحويله إلى منتجات تحقق أرباحاً كبيرة.
الواردات ترتفع.. لكن بحذر
أظهرت بيانات Kpler أن واردات الصين من النفط هبطت إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً في يونيو، مقارنة بنحو 11.5 مليون برميل يومياً في فبراير، قبل أن ترتفع مجدداً إلى قرابة 7 ملايين برميل يومياً خلال يوليو وأغسطس.
ورجحت مؤسسة Energy Aspects، أمريتا سين، استمرار التعافي التدريجي للواردات، لكنها استبعدت العودة إلى مستويات ما قبل الحرب في المدى القريب.
كما توقع مدير أبحاث السلع الأولية في Kpler، مات سميث، أن تحافظ الصين على نهجها البراغماتي، معتمدة بدرجة أكبر على السحب من المخزونات وإدارة معدلات تشغيل المصافي بدلاً من شراء النفط بكثافة عند مستويات سعرية تتجاوز 100 دولار للبرميل.
مخزونات العالم تتآكل
زاد الضغط على السوق مع اقتراب انتهاء عمليات السحب من الاحتياطيات الطارئة، في وقت تراجعت فيه المخزونات العالمية بنحو 400 مليون برميل بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وأدى هذا الانخفاض إلى إضعاف أحد أهم العوامل التي منعت أسعار النفط من الارتفاع الحاد خلال النصف الأول من العام، ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي اضطراب جديد في الإمدادات أو زيادة مفاجئة في الطلب.
هل يعود النفط إلى قمم الحرب؟
حذر ماكنالي من أن رهانات الأسواق على قرب التوصل إلى تسويات سياسية بدأت تتراجع تدريجياً، مع استمرار النزاعات وعدم تحقق سيناريو السلام الذي عوّل عليه المتعاملون سابقاً.
ويرى محللون أن مسار النفط في المرحلة المقبلة سيتحدد إلى حد كبير وفق سلوك الصين الشرائي؛ فإذا واصلت بكين زيادة الواردات بالتزامن مع تراجع المخزونات العالمية واستمرار التوترات الجيوسياسية، فقد تجد الأسعار طريقها مجدداً نحو القمم التي سجلتها خلال ذروة الحرب.



