أخبار لبنانابرز الاخبار

أكثر من 100 محطة تكرير… 35 فقط “مشغّلة” والمياه إلى البحر!

أكثر من 70 في المئة من اللبنانيين يعيشون في المناطق الساحلية، من طرابلس شمالاً إلى الجنوب، حيث هناك نحو 12 محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي. لكن المفارقة أن لا واحدة من هذه المحطات تعمل بمستوى معالجة ثانوية أو ثلاثية، وفق معلومات “النهار”. بل معظمها يكتفي بالمعالجة الأولية، أو لا يعمل أصلاً، فيما تُدفع المياه المبتذلة بعد ذلك نحو البحر.

هذه ليست أزمة جديدة. فمنذ سنوات يشهد قطاع الصرف الصحي في لبنان بناء محطات وترميم أخرى، فيما بقي بعضها بلا شبكات، وشبكات بلا محطات، ومنشآت لم تدخل الخدمة أصلاً. وبين وزارة الطاقة والمياه ووزارة البيئة، لا تبدو حتى أرقام المحطات وحالتها التشغيلية موحّدة. فبعد تداول معلومات تفيد بوجود 39 محطة لتكرير مياه الصرف الصحي، وأن محطة زحلة هي الوحيدة التي تعمل بمراحلها كاملة، تحققت “النهار” من الواقع الفعلي للقطاع.

 بحسب معلومات خاصة من وزارة الطاقة والمياه، في لبنان أكثر من 100 محطة تكرير شُيّد معظمها في مراحل سابقة عشوائيا أو بمبادرات بلدية، فيما يبلغ عدد تلك المشغلة حالياً، بدرجات ومعالجات مختلفة، 35. 

وتقول الوزارة إن قيمة منشآت الصرف الصحي المنفذة عبر مجلس الإنماء والإعمار تبلغ نحو 750 مليون دولار، وليس 3.2 مليارات دولار كما كان متداولاً، فيما يحتاج القطاع إلى نحو 1.5 مليار دولار إضافية، نظراً إلى كلفته الاستثمارية والتشغيلية المرتفعة.

 35 محطة… كيف تتوزع؟

جبل لبنان والشوف 16 محطة: الغدير، الخنشارة، رأس النبي يونس، نبع الصفا والباروك، إضافة إلى 12 محطة صغيرة في الشوف أقيمت سابقًا عبر USAID.  

 البقاع 7 محطات: زحلة، إيعات، جب جنين، قب الياس، الفرزل، صغبين وعيتنيت.

الشمال 5 محطات: طرابلس، البترون، شكا، إدة وعين تورين في زغرتا.

الجنوب والنبطية 6 محطات: صور، صيدا، تبنين، الشرقية، سلعاتا ومحطة جنوبية أخرى ضمن نطاق التكرير الموزع.

ولكن عندما نضع هذه القائمة مقابل معلومات وزارة البيئة، تظهر صورة مختلفة تماماً.

 محطات “مشغّلة”… ولكن كيف؟

وفق معلومات وزارة البيئة لـ”النهار”، محطة زحلة هي الوحيدة المسجل استمرار عملها بجميع مراحل المعالجة، بما فيها الثالثة المسؤولة عن إزالة الملوثات المتبقية والتعقيم. أما معظم المحطات الأخرى، فإما متوقفة تماماً وإما تعمل جزئياً بمراحل تمهيدية أولية وبنسب تشغيل منخفضة.

 وتشير الوزارة إلى أن أكثر من 95 في المئة من المحطات الصغيرة التي نفذتها USAID في القرى والبلدات متوقفة. ويعود ذلك إلى استخدام تقنية  UASB في ظروف لم تكن ملائمة دائماً، وانبعاث الروائح، وعدم تدريب الكوادر المحلية، وارتفاع كلفة التشغيل وعجز البلديات عن تحمّل النفقات.

 وتلفت البيئة إلى أن الجهات المانحة وخصوصاً أوروبا، أوقفت في مراحل سابقة تمويلا مباشرا للحكومة والمؤسسات الرسمية بسبب مخاوف مرتبطة بالهدر والفساد، وأصبحت المساعدات تُدار بآليات أكثر تقييداً، بينها تحويل الأموال مباشرة إلى منظمات دولية لتنفيذ الصيانة والتدريب والتأهيل.

وتكشف الوزارة واقع أبرز المحطات:

-الغدير: تعمل بالمعالجة التمهيدية فقط، ثم تضخ المياه إلى البحر عبر مصب بحري بطول نحو 2500 متر.

-طرابلس: انتهى بناؤها عام 2009، لكنها لم تدخل التشغيل الكامل بسبب عدم اكتمال الشبكات ومحطات الضخ، ولا يتجاوز تشغيلها 20 في المئة، فيما المطلوب 40 في المئة للاستفادة منها.

-جبيل: انتهى بناؤها عام 2011 وبقيت متوقفة.

-صور: أُنجزت حديثاً لكنها لا تعمل، ولا تصلها مياه الصرف الصحي عبر الشبكة.

-البترون/سلعاتا: كانت تعمل بمعالجة ثنائية متوازية، لكنها متوقفة منذ سنوات.

-شكا: متوقفة بسبب أعطال تقنية.

-صيدا: تعمل بالمرحلة التمهيدية فقط وتضخ المياه إلى البحر عبر مصب بحري دون معالجة ثنائية كاملة.

-الجية: محطة حديثة لكنها غير مشغلة فعلياً.

-إيعات: توقفت سابقاً، وهناك مساعٍ وأموال لإصلاحها وإعادة تشغيلها.

 

لماذا زحلة الاستثناء؟

بحسب وزارة الطاقة، أُنشئت محطة زحلة بدعم إيطالي وصُممت أساساً للمعالجة الثلاثية للاستفادة من المياه في الأراضي الزراعية المحيطة. واستمر تشغيلها بفضل خبرة الكادر المدرب والتمويل الذاتي للمؤسسة، في انتظار هبة إيطالية جديدة لتطوير التشغيل.

 وتشير وزارة البيئة إلى مشروع لاستخدام المياه المعالجة في الري الصيفي بقدرة تصل إلى 10 آلاف متر مكعب يوميًا، مع إمكان رفعها إلى 20 ألفًا، وفرض شروط بيئية على نوعية المحاصيل التي يمكن ريها.

 فوضى تاريخية

وفق وزارة الطاقة والمياه، يعود الإطار القانوني لتشغيل القطاع وصيانته إلى القانون 221 الصادر عام 2000 وتعديلاته، وقد أعطى مؤسسات المياه الأربع مسؤولية التشغيل والصيانة. وقبل ذلك، سادت حالة من تداخل الصلاحيات بين البلديات ومجلس الإنماء والإعمار، الذي كان ينشئ المحطات ثم يحاول تسليمها إلى مؤسسات المياه، واضطر بسبب ضعف القدرات البشرية والمالية إلى تشغيل بعضها بالإنابة. وقد أدى هذا التداخل إلى ممارسات عشوائية، بينها ربط شبكات الصرف الصحي بالأنهار، في غياب معالجة مكتملة.

وبالتزامن مع تفاقم الأزمة، قدّم الاتحاد الأوروبي قبل نحو خمس سنوات منحة بقيمة 50 مليون يورو لدعم قطاع المياه والصرف الصحي، اشترطت تولي مؤسسات المياه الإدارة وتشغيل المحطات ونقل الصلاحيات من البلديات ومجلس الإنماء والإعمار إليها، بإشراف وتنفيذ من اليونيسف. وبناءً عليه، انتقلت إدارة 37 محطة إلى نطاق المؤسسات، مع تدريب فرق العمل وتأهيل   الكوادر.

 وبسبب محدودية التمويل، ركزت المرحلة الأولى على تشغيل المحطات الساحلية بمستوى “معالجة أولية” تزيل المواد الصلبة والرمال والزيوت، على أن تتبعها المعالجة الثانوية حيث أمكن لإزالة المواد العضوية، فيما تُدار المحطات الداخلية، ولا سيما في البقاع، بمستويات ثانوية وثلاثية وفق تصميمها.

 هل تكفي المصبات البحرية؟

تقول وزارة الطاقة أن ليس المطلوب أن تعمل جميع المحطات بالمراحل الثلاث، والمحطات الساحلية يمكن أن تكتفي بالمعالجة الأولية أو الثانوية، بينما تُستخدم المعالجة الثلاثية أساساً في الداخل للاستفادة من المياه في الزراعة.

 وترى أن ضخ المياه عبر مصبات بحرية طويلة إلى أعماق بعيدة عن الساحل يتوافق مع معيار متبع عالمياً في بعض المحطات الساحلية، ويمنع تأثيرها في المياه الشاطئية والسلامة العامة.

 في المقابل، تحذر وزارة البيئة من الأثر البيئي للصرف غير المعالج أو غير المعالج بالشكل الكافي، وتلاحظ أن التفريغ المباشر للملوثات في البحر يهدّد البيئة البحرية والأسماك وينقل ملوثات خطرة إلى الإنسان.

 وهكذا، بعد أكثر من عقدين على تنظيم مسؤوليات القطاع، لا تزال المعطيات الموحدة غائبة. فوزارة البيئة، الجهة المعنية بمراقبة الأثر البيئي، لا تملك قاعدة بيانات محدثة عن الحالة التشغيلية الدقيقة لكل محطة، فيما تبقى نتائج الفحوص الدورية التي تجريها مختبرات مؤسسات المياه سرية ولا تصلها بصورة منتظمة، إلا عند الضرر البيئي الكبير أو ورود شكاوى.

 فكيف لا تملك الجهة المسؤولة عن مراقبة الأثر البيئي أرقاماً موحدة عن المحطات التي تراقبها؟ وكيف تعتبر الطاقة أن المصبات البحرية لا تؤثر في الساحل، فيما تحذر البيئة من مخاطر الصرف غير المعالج؟ وبين تضارب الأرقام وتضارب التقييمات، تبقى النتيجة واحدة: نعوم في مياه المجارير!

بواسطة
باميلا شاهين
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى