أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

زيارة واشنطن… والسؤال الذي لم يحسم بعد (نداء الوطن 8 تموز)

في غضون أيام، يتوجه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن في زيارة قد تشكل محطة مفصلية تتجاوز بعدها الدبلوماسي المباشر. فالرهان لا يقتصر على الحصول على دعم أميركي لتنفيذ “اتفاق الإطار” بين لبنان وإسرائيل، أو ضمان الانسحاب الإسرائيلي، بل يتمثل في اختبار قدرة الدولة اللبنانية على ترجمة التزاماتها الدولية إلى وقائع ميدانية.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه لبنان لم يعد يتعلق ببنود هذا الاتفاق بقدر ما يتعلق بمسألة أكثر جوهرية: من يملك صلاحية تحديد المصالح الوطنية والتفاوض باسم السيادة اللبنانية؟

ولعل سبب صعوبة الإجابة عن هذا السؤال يعود إلى أن معظم المراجع التي تُستحضر في هذا النقاش تعود إلى مراحل تاريخية كانت فيها الدولة اللبنانية صاحبة القرار الحصري في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية. ومن أبرز هذه المراجع اتفاقية الهدنة لعام 1949، التي تُقدَّم باعتبارها المرجعية القانونية الأساسية. غير أن هذه الاتفاقية أُبرمت في سياق استراتيجي مختلف جذريًا عن الواقع الراهن، ولم يكن هناك فاعل مسلح غير حكومي ينازعها هذا الامتياز. ومن ثم، تبقى أهمية هذه الاتفاقية تاريخية وقانونية، لكنها لا توفر النموذج الأكثر ملاءمة لفهم الإشكالية المطروحة اليوم.

أما المقارنة الأكثر دلالة فهي بين مسار اتفاق ترسيم الحدود البحرية لعام 2022 ومسار “اتفاق الإطار” الحالي، إذ إن المسارين نشآ في بيئة استراتيجية متشابهة: وساطة أميركية غير مباشرة، واختلال في ميزان القوى بين لبنان وإسرائيل، ودولة لبنانية تفاوض تحت ضغوط سياسية وأمنية كبيرة، وفي ظل وجود “حزب الله” كفاعل عسكري وسياسي مستقل.

وتكمن أهمية هذه المقارنة في أن اتفاق 2022 لا يوضح فقط طبيعة التسويات التي قد تقبل بها الدولة اللبنانية تحت ضغط موازين القوى، بل يكشف أيضًا الظروف التي يختار فيها “حزب الله” دعم مسار تفاوضي أو عدم الاعتراض عليه.

وتكشف المقارنة بين المسارين مفارقة لافتة. ففي عام 2022، دخل لبنان المفاوضات متمسكًا بالخط 29 باعتباره الحد الأقصى لتفسيره لحقوقه البحرية، بما يشمل جزءًا من حقل كاريش. إلا أن الاتفاق النهائي انتهى إلى اعتماد الخط 23، ما عنى التخلي عن المطالبة بالخط 29 مقابل الحفاظ على إمكانية تطوير حقل قانا. وبالقياس إلى الموقف التفاوضي الأولي، فإن لبنان قبل بتسوية أدنى من سقف مطالبه الأصلية. ومع ذلك، لم يصف “حزب الله” الاتفاق بأنه تنازل، بل اعتبره انتصارًا. كما أن النتيجة التفاوضية نفسها جرى تفسيرها ضمن سرديتين متعارضتين: فقد رآها “حزب الله” ثمرة لمعادلة الردع التي ينسبها إلى “المقاومة”، بينما اعتبرتها إسرائيل نتيجة لحسابات أمنية وسياسية أوسع سمحت لها بتحقيق مصالحها من دون الانخراط في مواجهة عسكرية.

واليوم، وبعد أربع سنوات، يجد لبنان نفسه أمام مسار تفاوضي جديد يجري في ظل اختلال واضح في موازين القوى. ومرة أخرى، تأتي التسوية نتيجة الضرورات التي يفرضها هذا الواقع.

إلا أن موقف “حزب الله” تبدل بصورة كاملة. وها هو اليوم يصوّر “اتفاق الإطار” على أنه استسلام، ويشكك في حق الحكومة في التفاوض وفي إدارة الأمن الوطني.

بالتالي، لا يعارض “حزب الله” بنود الاتفاق فحسب، بل ينازع الدولة اللبنانية حقها الحصري في ممارسة السيادة الأمنية. فالدبلوماسية تصبح مقبولة عندما تأتي ضمن معادلة تكرس دوره، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح بديلا عن هذا الدور أو تعيد تعريف الجهة صاحبة القرار.

ومن هنا يمكن فهم الاختلاف بين عامي 2022 و2026.

ففي الحالة الأولى، كانت التسوية مقبولة لأنها أُدرجت ضمن السردية السياسية لـ “حزب الله”، فتحولت إلى دليل على نجاح مقاربة “المقاومة” وقدرتها على إنتاج مكاسب عبر التفاوض. أما اليوم، فإن التسوية مرفوضة لأنها تأتي عبر مسار تقوده الدولة اللبنانية. إذن، المشكلة الأساسية ليست فقط في مضمون الاتفاق، بل في الجهة التي تملك سلطة منحه الشرعية السياسية.

ولهذا الخلاف نتائج عملية مباشرة. فمن خلال عرقلة تنفيذ “اتفاق الإطار”، يحافظ “حزب الله” على هامش واسع من المرونة الاستراتيجية بانتظار اتضاح مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، كما يؤخر الانتقال إلى مرحلة تستعيد فيها الدولة دورها الحصري في إدارة الملف الأمني. وهنا يبرز الصراع الحقيقي حول موقع السلطة السيادية في لبنان: هل تبقى رهنًا بقبول فاعل سياسي مسلح خارج عن القانون، يعتبر نفسه شريكًا في تقرير شؤون الحرب والسلم؟

في غضون أيام، تنتقل هذه الإشكالية من دائرة الجدل النظري إلى اختبار عملي مع وصول الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن. فالزيارة ستشكل اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على إقناع شركائها الدوليين بأنها لا تملك فقط شرعية التفاوض، بل أيضًا القدرة على تنفيذ تعهداتها.

 

بواسطة
د. جوسلين البستاني
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى