ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

الدين العالمي عند مستوى قياسي ومخاوف من مساره التصاعدي

لم يعد الدين العالمي مجرد رقم يتضخم في تقارير المؤسسات الدولية. أحدث بيانات معهد التمويل الدولي تضعه عند مستوى قياسي يقارب 353 تريليون دولار بنهاية أذار/مارس 2026، بعد زيادة تجاوزت 4.4 تريليونات دولار في الربع الأول وحده.

لكن الرقم الإجمالي ليس المؤشر الأهم. فبحسب التقرير، بقيت نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي قرب 305%، ما يعني أن الاقتصاد العالمي، في المجمل، لا يزال ينمو بوتيرة تحدّ من تدهور النسبة. القلق الأبرز يتعلق بمن يقترض، وبأي شروط، وإلى أين يتجه الطلب على أدوات الدين.

جاء جزء كبير من الزيادة من الولايات المتحدة، حيث واصل الاقتراض الحكومي دفع الدين صعوداً. كما أشار معهد التمويل الدولي إلى تسارع ديون الشركات الصينية غير المالية، ومعظمها شركات مملوكة للدولة، بوتيرة فاقت اقتراض الحكومة الصينية نفسها. وخارج الولايات المتحدة والصين، ارتفع دين الأسواق الناشئة باستثناء الصين إلى مستوى قياسي بلغ 36.8 تريليون دولار، مدفوعاً في الأساس بالاقتراض الحكومي.

تحذيرات جيروم باول
في واشنطن، لا تبدو المشكلة فورية، لكنها تتراكم. رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول قال أمام طلاب في جامعة هارفارد في أذار/مارس إن الدين الأميركي، البالغ نحو 39 تريليون دولار، ليس المشكلة وحده، بل المسار الذي تنمو به المديونية أسرع من الاقتصاد. وقال: “لن تنتهي الأمور على ما يرام إذا لم نفعل شيئاً قريباً.”

هذه القراءة تتقاطع مع ما قاله إيمري تيفتيك، مدير الأسواق العالمية والسياسة في معهد التمويل الدولي، خلال ندوة عن التقرير. فرغم تأكيده عدم وجود “خطر فوري” في سوق سندات الخزانة الأميركية، البالغ حجمه نحو 30 تريليون دولار، حذّر من أن مسار الدين الأميركي على المدى الطويل يبدو “غير مستدام”، في وقت تتجه فيه نسب الدين في منطقة اليورو واليابان إلى الانخفاض.

الأرقام الرسمية تدعم التحذير. يتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن يبلغ العجز الفيدرالي الأميركي 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، وأن يرتفع إلى 3.1 تريليونات دولار في 2036. كما يتوقع أن يصعد الدين الفيدرالي الممسك به من قبل الجمهور من 101% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 120% في 2036، متجاوزاً الذروة التاريخية البالغة 106% بعد الحرب العالمية الثانية.

وتزداد كلفة خدمة الدين ثقلاً على الموازنة. فمدفوعات الفائدة الصافية تبلغ نحو 1.0 تريليون دولار في 2026، وقد ترتفع إلى 2.1 تريليون دولار في 2036، وفق تقديرات CBO. وبنهاية الفترة، ستصل الفوائد وحدها إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.3% في 2026.

الأثر لا يقتصر على الحسابات المالية الأميركية. تقرير معهد التمويل الدولي يشير إلى أن الطلب الدولي على السندات الحكومية اليابانية والأوروبية يتقوى، في مقابل طلب أجنبي مستقر تقريباً على سندات الخزانة الأميركية منذ بداية السنة. هذا لا يعني هروباً جماعياً من الدولار، لكنه يكشف أن المستثمرين بدأوا يعيدون توزيع محافظهم في ضوء اختلاف مسارات الدين بين الاقتصادات الكبرى .

في المقابل، تبدو سوق سندات الشركات الأميركية أكثر تماسكاً. فقد أشار التقرير إلى استمرار الزخم في سوق سندات الشركات، بدعم من الإصدارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتدفقات المستثمرين الأجانب. هنا يظهر التباين: القطاع الخاص الأميركي لا يزال قادراً على جذب رأس المال، بينما تتزايد الأسئلة حول قدرة الحكومة على ضبط مسار العجز والدين.

ديون المنطقة العربية
بالنسبة إلى المنطقة العربية، لا تتيح المادة المتاحة الجزم بأثر موحد على الاقتصادات العربية. فالأثر يختلف بين دولة مصدّرة للطاقة ذات فوائض مالية، ودولة مستوردة للطاقة تعتمد على الأسواق الخارجية، وأخرى تخضع لبرامج تمويل أو إعادة هيكلة. المطلوب للتحقق هو بيانات حديثة عن آجال الديون السيادية العربية، وكلفة التأمين على التخلف عن السداد، وحجم الإصدارات الدولارية أو اليوروية المتوقعة في 2026.

ما يمكن قوله بحذر أن ارتفاع الدين العالمي، مع بقاء كلفة التمويل أعلى من متوسطات ما قبل الجائحة، يضيّق الهامش أمام الدول الأكثر اعتماداً على الاقتراض الخارجي. أما تحوّل المستثمرين بين الدولار واليورو والين، فلا يزال اتجاهاً يحتاج إلى بيانات إضافية قبل وصفه بأنه تحول هيكلي.

 

المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى