موجوداته بالدولار تقلّصت 640 مليون دولار في فترة الحرب: مصرف لبنان يتلاعب بالأرقام والحقائق( الأخبار 8 أيار)

لم يكن البيان الصادر عن مصرف لبنان أول من أمس سوى محاولة للالتفاف على الوقائع. فهو أجرى مقارنة بين موجوداته الأجنبية السائلة في نهاية نيسان 2025 مع نهاية نيسان 2026، موحياً بأن فترة الـ12 شهراً هي الفترة التي يجب أن تكون قيد المقارنة والقياس، لأن نتيجتها كانت إيجابية في زيادة الموجودات بقيمة 372 مليون دولار، متجاهلاً أن فترة الحرب هي محور القياس وقدرته على الاستمرار في الدفاع عن الليرة في سوق مدولرة بشكل شبه كامل.
ففي الفترة الممتدّة من 15 شباط 2026 إلى نهاية نيسان 2026، تقلّصت هذه الموجودات بقيمة 640 مليون دولار، ما يعني أن نزيف الموجودات متواصل طوال هذه الفترة التي إذا طالت قد تكون مؤشّراً سلبياً على مخاطر انهيار سعر الصرف المُثبَّت. في البيان الصادر عن مصرف لبنان بشأن الموجودات، محاولة للتذاكي.
فقد ادّعى البيان أنه سيقدّم «قراءة موضوعية لتطوّر هذه الموجودات خلال الفترة الممتدّة من نيسان 2025 إلى نيسان 2026»، مشيراً إلى أنها سجّلت ارتفاعاً بقيمة 372 مليون دولار، مقابل ما أسماه «تقلّبات ظرفية شهدتها بعض الأشهر» تمثّلت في «تراجع مؤقّت في أشهر شباط وآذار ونیسان 2026 بقیمة 516 ملیون دولار، أي بنحو 4.5% من قیمة الموجودات بالعملات الأجنبیة (11.43 مليار دولار)».
وأضاف أن هذا التراجع «لا یعكس أيّ خلل في السیاسات النقدیة أو المالیة المُعتمدة، بل ناتج من تطورات جیوسیاسیة استثنائیة شهدتها البلاد والمنطقة خلال تلك الفترة، ما أدّى إلى تباطؤ نسبي في وتیرة شراء العملات الأجنبیة من قبل المصرف وتدخّله في الأسواق». ولم يكتفِ بهذا الأمر، بل واصل التذاكي ليقول إن المدفوعات النقدية المرتبطة بالتعميمين 158 و166 بعد رفع سقف السحوبات «شكّلت ضغطاً مؤقّتاً على مستوى الموجودات…».
قد لا يكون ضرورياً سرد كل البيان للإشارة إلى ما يحاول تقديمه. فهو بيان مليء بالتناقضات بين إقرار بالضغوط التي أحدثتها زيادة سقف السحوبات، وكونها ضغطاً مؤقتاً.
فالتعاميم هي عبارة عن التزام تجاه المودعين، ولا يجوز تسميته بالضغط المؤقّت. وهذا في الواقع هو التزام أُقرّ في المجلس المركزي لمصرف لبنان بعد دراسة مستفيضة لقدرة مصرف لبنان على التسديد وأثر ضخّ كل هذه السيولة بالعملة الأجنبية على سعر الصرف وعلى توازن الكتل النقدية في سوق مدولرة.
لكن يبدو أن هذه الدراسة لم تأخذ في الاعتبار أن الظروف قد تتغيّر، وأن هوامش الأمان فيها عالية جداً من دون أي مُبرّر، لذا تبيّن أن الضغط على الموجودات أسهم فيه المصرف المركزي والحاكم شخصياً الذي عرض ملف الدراسة التي أعدّها نائبه سليم شاهين على المجلس. ربّما يكون الحاكم ونوابه وسائر المشاركين في المجلس أغفلوا عمداً أو قصداً أي نقاش يتعلّق بالسيناريوات الممكنة، إذ كانت هذه الدراسة تتضمّن سيناريوات من هذا النوع.
لكن ليست هذه هي المشكلة الوحيدة في هذا البيان. فهو لجأ إلى فترة دراسة خارجة عن الواقع. يدرس الفترة للمقارنة بين نتائج نيسان 2025 ونتائج نيسان 2026، وكأنه يقدّم معالجة إحصائية لأرقام التضخّم التي تقارن بين شهر ومثله في السنوات السابقة باعتبار أن الأسعار مرتبطة بمواسم سياحية وزراعية وروزنامات تصدير وبالتعويل على موسم الصيف والمغتربين… غير أن الهدف من قراءة الموجودات يتعلّق بالقدرة على صمود سعر الصرف المُثبَّت لأن تثبيته يفترض تثبيتاً للأسعار.
عملياً التثبيت هو دعم للقدرة الشرائية بما يؤدي إلى تثبيت الأسعار. لذا، فإن الموجودات تقاس بالاستمرارية للحالة التي تخلقها، ولا تقاس على أساس التغيّرات السنوية. فأيّ عوامل تستجدّ ويكون لها تأثير على الاستقرار، يفترض أن تكون ملحوظة، وبهذا المعنى فإن فترة العدوان الذي شنّته أميركا وإسرائيل على إيران، ثم انخراط لبنان في الدفاع عن العدوان المستمرّ منذ 2024، خلق كلُّ ذلك صدمةً نفطية شملت العالم كلّه، وضغطاً على ما يسمّى «ثقة المستهلك» في الإنفاق واستهلاك دولاراته… باختصار، فإن واحداً من الأسباب الأساسية لهذا الاختلال في التوازن النقدي، هو إحجام المستهلكين عن الإنفاق، وتوقّف دافعي الضرائب عن تسديد ما يتوجّب عليهم، ما أدّى إلى ضرر بالغ في الآلية التي يجمع من خلالها مصرف لبنان العملات الأجنبية. وهذه الآلية هي هشّة أصلاً بسبب قرار رفع سقف السحوبات العشوائي الذي أراده الحاكم كأول خطوة شعبوية يقدّمها هدية للمودعين.
لكن ها هو الحاكم يحصد ثمار شعبويته وعبثية القرارات المُتخذة في المجلس المركزي لمصرف لبنان. ففي أقلّ من ثلاثة أشهر، انكمش رصيد الموجودات بالعملة الأجنبية من 12 مليار دولار إلى 11.43 مليار دولار، أي بانخفاض قيمته 670 مليون دولار.
وهذه الموجودات، لا يملكها مصرف لبنان بالكامل. ففي خضمّ الشعبوية التي سادت في السنوات الماضية بين مدافعين عن المودعين ومدافعين عن المصارف، صُنّف مبلغ 7 مليارات دولار فقط هو للمودعين ولا نعلم إن كانت المدفوعات للمودعين تُحسم منه، أم تُحتسب من الدولارات المجموعة لاحقاً.
ومن أصل مبلغ الموجودات، هناك أموال عائدة للخزينة اللبنانية، وأموال عائدة للمؤسسات العامة وسائر مؤسسات القطاع العام… ثمة معيار لقياس قدرة الموجودات بالعملة الأجنبية لدى أيّ مصرف مركزي في العالم، وهي تقاس على أساس الحصّة الشهرية للاستيراد. فالعملة الأجنبية تُعدّ حاجة لتمويل استيراد البلد بكامله، لكنّ حساب هذا الأمر يتطلّب معرفة دقيقة لحجم الموجودات الحرّة لدى مصرف لبنان والقابلة للاستعمال. كان بيان الموجودات بالعملة الأجنبية أيام كان وسيم منصوري حاكماً بالإنابة، يصدر مُفصّلاً، أمّا الآن فالحسابات عادت إلى أيام رياض سلامة حين كانت تُخلط وتُمزج للتمويه والإخفاء والالتفاف والتذاكي.



