برامج تمويلية لا تجد من يفيد منها… والمحتاجون اليها لا يعرفون بها (النهار 6 كانون الثاني)

كتبت سلوى بعلبكي في” النهار”:
في لبنان الكثير من القطاعات الانتاجية الزراعية والصناعية والبيئية، ومنها تحديدا المشاريع الصغيرة التي تعاني لإيجاد من يمولها أو يعينها على الوقوف بوجه التحديات في سعيها للنمو والتوسع. وفيما يفتقر بعضهم إلى الاستثمارات الرأسمالية الأولية لإنشاء مشاريع جديدة، نجد في المقابل أن ثمة برامج تمويلية محلية وخارجية مخصصة لمساعدة هؤلاء إلا أن معوقات سياسية وادارية، ولامبالاة احيانا توقف مسارها وتجمد تنفيذها. أما بعضها، اذا ما آل الى مرحلة التنفيذ، فلا يصل الى الهدف المصبو اليه، وفي احيان كثيرة يتوزع كرشى سياسية ومنافع بطريقة تثير الشبهات.
في تصريح سابق أكد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد أن “ثمة تمويلا يدخل الى لبنان ولا يُستخدم، لسبب بسيط هو أن ليس هناك من يطلبه ضمن الحاجات التي تحددها تلك الجهات الممولة، إنْ لجهة الاهداف وقواعد العمل، أو لجهة الصدقية والشفافية المطلوبة، او الطريقة العلمية التي تؤثر من خلال من يستفيد من التمويل ومدى استدامته وطريقة استخدامه”.
والملاحظ أن ثمة صناعيين، وتحديدا اصحاب المصانع الغذائية الصغيرة، يحاولون المساعدة في ما بينهم بموضوع بناء القدرات والتسويق وتقنية التوضيب، في حين ان برامج تمويل من جهات مانحة تخصص لمثل هذه العمليات لا يستفاد منها. ويعزو عربيد السبب الى أن “هؤلاء وغيرهم من الصناعيين والمزارعين لا يعلمون بهذه المساعدات، وفي حال علموا بها فإنهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع الشروط والمعايير التي تطلبها الجهات المانحة، حتى ان بعضهم غير ملمّ بتقديم الطلبات بالشكل الذي تطلبه هذه الجهات. فهذا الدعم يتطلب دراسات محددة، ومن يمكن أن يفيد منه، وهل يمكن ان يكون لديه استمرارية أو استدامة أم لا”.
هذا الواقع حدا بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وفق ما يقول الى عرض مساعدة جزء كبير من هؤلاء عبر تأمين خبراء لمساعدتهم من خلال آلية تكون مقبولة عند هذه المنظمات والجهات المانحة… مؤكدا لـ”النهار” أن “هذا الحال أدى لأن يأتي التمويل من دون أن يفيد منه هؤلاء بما يضطر الجهات المانحة أو الممولة الى رده او تغيير وجهته”. ويعطي مثالا على ذلك الاتحاد الاوروبي “الذي عادة ما تكون لديه برامج بـ 15 مليون دولار على سبيل التقدير لبناء قدرات الصناعات الغذائية، فلا يستخدم المبلغ كله بما يضطرهم الى تبديل وجهته أو رده. لذا يجب أولا ان يعلم المعنيون بالموضوع بهذه المساعدات، وان يتقدموا بطلباتهم لهذه المساعدات وفق ما تطلبه هذه الجهات على أن نساعدهم من خلال علاقاتنا وتواصلنا مع الجهات المعنية”.
وثمة اجماع على أن القطاعات الزراعية أو الصناعية وغيرها من القطاعات المستهدفة بالدعم قد تجد صعوبة في الوصول الى الدعم أو التمويل لأنشطتها، بيد أن رئيس برنامج دعم المجتمع المحلي المموّل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية-#USAID ريت غوريان اوضح لـ “النهار” أن “برنامج دعم المجتمع المحلي المموّل من الوكالة يستخدم مزيجاً من قنوات التواصل، منها الإعلام الرقمي، للوصول إلى الجهات المستفيدة المحتملة التي تبحث عن الدعم. وتشمل وسائل التواصل الأولي إجراء مقابلات ونقاشات جماعية مركزة، على نحو مباشر، مع أشخاص أساسيين في المجتمع المحلي. ويولي البرنامج الأولوية للتواصل مع الآخرين بشأن تدخلاته من أجل نشر التوعية حول المساعدات التي تقدّمها الوكالة. وكل من يرغب في معرفة المزيد عن برامجنا يمكنه زيارة صفحاتنا عبر مواقع “فايسبوك” و”لينكد إن” و”إنستاغرام” و”تويتر”، وموقعنا الإلكتروني”.
في حال حصول فائض في تمويل أحد البرامج، هل تجري إحالة المتبقي منها لدعم مشاريع أو برامج أخرى أم تعود إلى حساب المانح؟ يقول غوريان: “كل تدخّل في إطار برنامج دعم المجتمع المحلي تحدد له ميزانية تخضع للتدقيق من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ومن شركة Chemonics الاستشارية الدولية المتخصصة بشؤون التنمية للتأكّد من أنها ضمن المنطق. وفي حال كان هناك فائض في الميزانية بعد التنفيذ، يستخدَم المبلغ المتبقي لدعم تدخلات أخرى في إطار البرنامج. فالهدف الذي تسعى إليه الوكالة هو تقديم المساعدة إلى أكبر عدد ممكن من المجتمعات المحلية”.
كما يتقيّد برنامج دعم المجتمع المحلي بالإطار التنظيمي المعمول به في لبنان، لا سيما في ما يتعلق بأدوار البلديات ومسؤولياتها في تأمين الخدمات، إذ يقول غوريان: “نستخدم مزيجاً من البيانات الكمّية والنوعية للوصول إلى الجهات المستفيدة والشركاء المحليين. وتشمل البيانات الكمية التي تخضع للتقييم، معدلات الفقر، ووجود لاجئين في المجتمع المحلي المستهدَف، والهشاشة، ومستوى التشنجات، وأوضاع البلديات. ونستكمل تحليل البيانات الكمّية بواسطة مقاربة تشاركية تحفّز إلى حد كبير مشاركة المجتمع المحلي من خلال إجراء مقابلات وتنظيم نقاشات جماعية مركّزة مع أشخاص أساسيين في المجتمع المحلي من أجل تحديد الحاجات عن طريق المشاركة الناشطة لأفراد المجتمع، وتحديد أسباب التشنجات في المجتمعات المحلية على خلفية التزاحم على الموارد، مثل الوصول المحدود إلى المياه أو الخدمات العامة الأخرى. وتهدف الوكالة الأميركية للتنمية الدولية إلى مساعدة البلديات على توفير الخدمات العامة الضرورية والمساهمة في التخفيف من حدة التشنجات الناجمة عن التنافس على الموارد، وذلك من خلال تحسين تأمين الخدمات وتعزيز الفرص الاقتصادية في المجتمعات المحلية الأكثر ضعفاً وحرماناً في لبنان”.
ماذا عن الأحكام والشروط التي يعتمدها البرنامج والتي ينبغي على المستفيدين والشركاء المحليين الالتزام بها للحصول على الدعم والمساعدات؟ يوضح غوريان أنه “ينبغي على جميع الجهات المنفِّذة لبرامج الوكالة الامتثال للقواعد والتنظيمات التي تعتمدها في جميع البلدان التي لها تواجدٌ فيها. يُقدّم برنامج دعم المجتمع المحلي للجهات المنفّذة المحلية تدريباً في مجالات إدارة المنح، وعمليات النقد لقاء العمل، والرصد والتقييم، والعلامة التجارية والتوسيم، من أجل زيادة الامتثال لتلك التنظيمات. فضلاً عن ذلك، وقبل الشروع في أيّ تدخل لتقديم المساعدات، يجري البرنامج تقييماً للحاجات، ثم يدقق في ما إذا كانت الأنشطة المحددة قابلة للتنفيذ والاستمرار أم لا. ويجب أن تتمكن البلديات والجهات المستفيدة الأخرى من تنفيذ هذه الأنشطة ومتابعتها بنجاح، ويُقدّم لها البرنامج التدريب اللازم لهذه الغاية. كذلك، يجب أن تتمتع الكيانات الشريكة في التعليم المهني والتقني بالقدرات الإدارية والمالية كي تنفّذ أنشطة المنح الفرعية للبرنامج وتقوم بمتابعتها على أكمل وجه، ويؤمّن لها البرنامج التدريب اللازم أيضا”.
ويؤكد أن “جميع المساعدات التي تقدّمها الحكومة الأميركية تخضع لمعايير صارمة في الرصد والتقييم. وتواظب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أسوةً بجميع الدوائر والوكالات التابعة للحكومة الأميركية، على رصد جميع أنشطة المساعدات وتقييمها بصورة مستمرة. إضافةً إلى ذلك، يُجري مكتب المفتش العام في وزارة الخارجية تفتيشاً منتظماً على مستوى السفارات والموظفين والمتعاقدين بهدف التحقق بصورة مستقلة من استيفاء أنشطتنا لمعايير السلوك الأكثر صرامة”.
أما المساعدات التي تقدّمها الوكالة من خلال برنامج دعم المجتمع المحلي فمعظمها مساعدات عينية، وليست نقدية. ويشرح غوريان ان الجهات المستفيدة تحصل مثلاً على المعدات وخدمات البناء والتدريب التي تؤمّنها شركة Chemonics التي تقوم بشراء المعدات وتشييد البنى التحتية، ثم تسلّمها إلى البلديات والمجتمعات المحلية المستفيدة. وتساهم هذه المقاربة في الحد من سوء استخدام الأموال لأن شركة Chemonics التي تتمتع بقدرات مالية وإدارية كبيرة، تتولى إدارة التمويل، بدلاً من أن يُعهد بهذه المهمة إلى كيانات أخرى ربما تفتقر إلى نظم مالية وإدارية متينة. وتقوم الحكومة الأميركية سنوياً بمراجعة حسابات شركة Chemonics. أما في ما يتعلق بالمنح الدراسية التي تُقدَّم إلى الطلاب في المؤسسات الشريكة في قطاع التعليم والتدريب المهني والتقني، فتُسدَّد المبالغ إلى هذه المؤسسات بناءً على جدول زمني متفق عليه بعد إتمام المراحل الأساسية المختلفة.



