هل يتابع مجلس الوزراء التحرّك… 600 مبنى في بيروت وطرابلس تحتاج الى قرارات لخليّة أزمة لإدارة مخاطر الكوارث تلافياً لأيّ خسائر بشريّة بفعل الهزّات الارتداديّة (الديار ٩ شباط)

بعد الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا، ووصلت تداعياته الى لبنان والعراق والأردن وفلسطين ومصر وقبرص واليونان، عادت مشكلة الأبنية المتصدّعة في سائر المناطق اللبنانية الى الواجهة، لما لها من مخاطر على سلامة المواطنين الذين يقطنون فيها. فتداعيات الزلزال أو الهزّات الارتدادية التي قال الخبراء انّها يمكن أن تستمر لمدةّ أسبوع أو عشرة أيّام، قد تؤدّي الى خلخلة المباني المتصدّعة، ما قد يؤدّي الى وقوع كوارث بشرية. فالقلق الذي يعتري نفوس المواطنين اللبنانيين، لا سيما منهم الذين يسكنون في مبانٍ غير مؤهّلة للسكن، تضاعف مع الزلزال الأخير، ما يفترض تحرّك الحكومة بشكلٍ سريع ومتواصل، سيما أنّ بعض الخبراء يؤكّدون حصول هزّة كبيرة، أو زلزال مدمّر على فالق اليمونة الذي يمرّ بلبنان بشكل مباشر، ولا يستطيعون تكهّن تاريخ أو موعد حدوثه.
تقول مصادر سياسية مطّلعة انّه على مجلس الوزراء أن يستكمل سريعاً ما أقرّه في جلسة يوم الاثنين، في ما يتعلّق بتكليف الهيئة العليا للإغاثة بالتعاون مع نقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس والبلديات ومع الأجهزة الامنية، إجراء مسح شامل للأبنية المتصدّعة من جرّاء الهزة التي حصلت، وانجراف التربة على الطرقات العامة، ورفع تقرير مفصّل لمجلس الوزراء. فثمّة حالات لا تنتظر، على غرار بعض الأبنية القديمة في بيروت، والتي يفوق عددها الـ 300 مبنى، أو العديد من المباني المتصدّعة أساساً في طرابلس منذ زمن، والتي يبلغ عددها أيضاً أكثر من 300، بحسب المعلومات التي أفاد بها بعض السكّان. والمشكلة أنّه ليس لدى الحكومة أي إحصاء رسمي عن عدد هذه الأبنية الموجودة في سائر المناطق اللبنانية، والتي تحتاج الى تدخّل سريع إمّا لترميمها، أو لإخلائها من سكّانها تحسّباً لوقوع أي أمر خطر.
ورأت المصادر أنّ العمل يجب أن يبدأ على صعيد البلديات، التي بإمكانها إجراء هذا المسح من خلال الطلب من السكّان التبليغ عن المباني التي يسكنوها في حال كانت تحتاج الى الكشف عليها، والتأكّد من أنّها غير صالحة للسكن، مع ضرورة تسريع هذه الخطوة. ففي القرى الصغيرة يُمكن إحصاء هذه المباني، غير أنّ الأمر يبدو أكثر صعوبة في المدن، لا سيما في العاصمة بيروت، وطرابلس وصور وصيدا وسواها. لهذا تعمل مجموعة من النوّاب “التغييريين” على هذا الأمر، لتأمين الكشف على غالبية الابنية بالتعاون مع نقابات الهندسة، من خلال المتطوّعين الذين قدّموا أنفسهم طوعاً للمساعدة في إجراء هذا المسح.
ولا تعتبر المصادر نفسها أنّ هذا الأمر يتعارض مع عمل الهيئة العليا للإغاثة، التي كُلّفت التعاون مع نقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس والبلديات والأجهزة الأمنية، غير أنّه يعمل على تسريع المهام، وخصوصاً أنّ الوقت لا ينتظر في ظلّ الرعب والقلق الذي يعيشه المواطنون في مختلف المناطق اللبنانية، وتلافياً لعدم الوقوع في الروتين الإداري وسوى ذلك من المعوقات. فوحدة الكوارث، على ما أشارت المصادر، لا يقتصر عملها على إحصاء عدد الضحايا، في حال وقوع كارثة ما، لا سمح الله، على سبيل المثال، إنّما العمل على مبدأ نجاة الأشخاص والتخفيف من حدّة الكوارث وتداعياتها بقدر المستطاع، وتأمين الحدّ الأدنى من السلامة العامّة من خلال إغاثة المواطنين، حتى قبل وقوع الكارثة.
من هنا، فإنّ موضوع “إدارة مخاطر الكوارث” يجب أن يُدرج على جدول أعمال الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، للعمل عليها سريعاً من جوانبها كافة، إذ لا يكفي إنشاء وحدة أو لجنة لإدارة الكوارث وتأمين التمويل المناسب لها. فالهيئة العليا للإغاثة يدخل من ضمن صلاحياتها إنقاذ وإغاثة الناس في حال الكوارث والطوارىء، غير أنّه يُناط بها غالباً مهام لا علاقة لها بها، تبعد عن مهامها الأساسية، وقد رُصد لها مبالغ طائلة في الميزانية العامّة، غير أنّها أنفقتها على مشاريع لا علاقة لها بالتدخّل في حالات الكوارث، مثل تقديم مساعدات نقدية للمتضرّرين من قانون الإيجارات، أو من أعمال الشغب، كما دفعت التعويضات لأصحاب الآليات العاملة على المازوت، وما الى ذلك، لهذا قد تفتقر اليوم الى التمويل اللازم للإغاثة.
واعتبرت المصادر عينها، أنّه يُفترض على الهيئة العليا للإغاثة أن تُزوّد المواطنين فوراً برقم خاص لحالات الطوارىء والكوارث لتلقّي اتصالات المواطنين الذين يحتاجون الى الإغاثة العاجلة، أو لا يعرفون كيف يتصرّفون في مثل هذه الحالات، الأمر الذي يُساعدها في تسريع عملها ومعرفة أمكنة المباني المتصدّعة. على أن يبقى هذا الرقم على مدار السنة، ولدى حدوث أي أمر طارىء أو أي كارثة طبيعية وغير طبيعية. فعند وقوع الزلزال يوم الاثنين الفائت، تلقّى الدفاع المدني والصليب الأحمر اتصالات من المواطنين، لا سيما من أولئك الذين خشيوا من وقوع أبنيتهم، فيما يُفترض أن تكون التوعية والتوجيه والإغاثة من مهام هيئة الإغاثة، على غرار ما يحصل في سائر الدول.
وبين عمل وحدة إدارة الكوارث، وما بدأه بعض نوّاب “التغيير” على الأرض من جولة في شوارع بيروت، مع بعض المهندسين المتطوّعين للكشف الفوري على مباني بيروت المتصدّعة، والتي قد تؤول الى السقوط، على ما شدّدت المصادر، لا بدّ من توحيد الجهود لخلق “خلية أزمة” تعمل سريعاً على الأرض لإحصاء المباني التي يجب أن يتمّ مسحها بشكل مباشر. ولفتت المصادر الى أنّ هذا الموضوع مزمن، ولم تتمّ معالجته على مرّ السنوات الماضية، والمشكلة أنّ المسؤولين لا يستفيقون ولا يقومون بخطوات استباقية، إنّما يتحرّكون بعد وقوع الكارثة، ما يجعل الأمور تتراكم إن في طرابلس أو في بيروت وسائر المناطق اللبنانية.
وذكرت المصادر بأنّ لكلّ من الدوائر والأجهزة مهاماً مناطة بها، فمهام الدفاع المدني هي المساعدة وقت وقوع الكوارث، فيما ثمّة أمور أخرى تدخل ضمن صلاحيات البلديات والدفاع المدني، مثل إخلاء المناطق أو الأماكن المعرّضة للخطر أو للإنهيار. أمّا الهيئة العليا للإغاثة فمهمتها الأساسية هي إدارة شؤون الكوارث على مختلف أنواعها، والعمل على مدار السنة لتجنيب المواطنين من تداعيات الكوارث عليهم، من خلال القيام بما يضمن سلامتهم، أو يُشكّل خطراً على السلامة العامّة.
من هنا، لفتت المصادر الى أنّ عدد الأبنية الأيلة للسقوط كان يجب تحديده ومعرفته منذ زمن لمواجهة المخاطر التي قد تنجم عن أي كارثة، غير أنّ هذا لم يحصل. ولهذا فليس المطلوب اليوم إنشاء جهاز جديد لأنّ مثل هذا الأمر يُفقد الهيئة العليا للإغاثة دورها، ويحصر مهامها في أمور لا تدخل ضمن صلاحياتها، إنّما اجتماع مجلس الوزراء سريعاً، إذ لا يكفي تكليف الهيئة من دون وضع خطّة شاملة، وأتخاذ القرار المناسب الذي لا يحتاج الى أي تشريعات جديدة. ما يعني تفعيل عمل سائر المؤسسات لكي تقوم بعملها على أكمل وجه، وتأمين الإمكانات والأموال اللازمة لكي تتمكّن من إتمام مهامها في أسرع وقت ممكن قبل وقوع أي كارثة.



