الليبيرالية الإقتصادية الأصيلة هي النظام المثالي للبنان(الديار 26 تموز)

كتب جاسم عجاقة في “الديار”:
في أواخر ثمانينات القرن الماضي، كان العديد من المفكّرين الإقتصاديين في فرنســـا ينعون الليبيرالية مُبشرين بمستقبل الإشتراكية والشيوعية والراديكالية في العالم. ثلاثة عقود بعدها، أثبت التاريخ أن الإقتصادات الليبيرالية هي الأنجح في العالم وأن سرّ نجاحها يكمن في وضع وتطبيق قوانين تضمن الكرامة الإنسانية والتعاضد بين أفراد المجتمع على الرغم من وجود العديد من الشذوذ في توزيع الثروات.
النظام الاقتصادي، أينما وُجد، هو صنع الإنسان. وبالتالي فإن الآليات التي تضعها السلطات المركزية لا تختلف عن آليات السوق، لا بل على العكس هي إجتزاء وتشويه لهذه الآليات التي تُعتبر نتاجاً لما يسمى بالقوانين الطبيعية. هذه الآليات تشكلت ببطء على مرّ الزمن بضغط من التجرّد الإنساني وعدم شخصنة التبادل التجاري وإدراك من هم في السلطة فائدتها من أجل الصالح العام، وبالتالي لا يُمكن لأحد إدعاء ملكيتها أو تشويهها تحت أية عنوانين.
التعليب الأيديولوجي والميتافيزيائي للمحتوى الاقتصادي العلمي الدقيق هو الإطار الذي يتبعه المناهضون للّيبيرالية، حيث يتمّ إستخدام حجج إنسانية وإيديولوجية وقيمية لمناهضة الليبيرالية الاقتصادية وحتى السياسية.
حرية الإختيار مضمونة في ظل إقتصاد السوق، ويعتمدها المنتجون لتحديد منتجاتهم من خلال السعر والجودة. وهنا يظهر جانب من الغموض يتمّ فيه أخذ المخاطر من قبل الطرفين (مُستهلك ومُنتج) على أساس وجود معلومة غير مُكتملة. وبالتالي وبغض النظر عن نهج التنظيم المعتمد من قبل المعنيين، يُحدّد الإقتصاد الحديث بالتغيير والتقدم التقني من خلال إعتماد أساليب مُختلفة لإنتاج نفس السلع والخدمات أو من خلال إنتاج سلع وخدمات جديدة (غير معروفة المصير مُسبقًا).
معظم اللاعبين الإقتصاديين يتمتعون بوعي عن قساوة العالم الإقتصادي الذي يعيشون فيه، نتيجة الغموض ونتيجة القيود التي يجب عليهم الخضوع لها لمواجهة تحديات العلم، والتنافسية. ويُذكرنا التاريخ أنه لا يوجد إقتصاد في العالم بمعزل عن «الندرة» (scarcity)، وما يسمى بالوفرة التي تشهدها المجتمعات الغنية لا تزيل هذا القيود. كذلك لا يوجد إقتصاد حــديث بدون قيود على الإنتاجية وعلى الربحية (حماية البيئة، حماية المستهلك…). وبالتالي أي إقتصاد يتم تنظيمه من قبل سلطة مركزية (إقتصاد موجّه أو غير موجّه)، لا يُمكن أن يكون بمأمن من هذه القيود.
تعظيم الكفاءة الاقتصادية تتمّ من خلال التنافسية التي هي أساس في الاقتصاد الليبيرالي، ولا يُمكن إستخدام هذه الحجّة في الأنظمة الأخرى (مثل الشيوعية) نظرًا إلى غياب الخيارات سواء في الإنتاج أو الإستهلاك. من هذا المنطلق، نرى أن الحد الأدنى من الحرّية الإقتصادية ضروري للحفاظ على الحريات الأخرى. لكن هذه الحرّية، كما قال مونتسكيو، لا يُمكن أن تزدهر إلا في إطار ملائم يحوي على أشخاص جيدين ونظام قيم، وسلوك مقبول. وبالتالي فإن إختزال الليبيرالية بالدفاع عن آليات السوق والمشاريع الحرة هي إنتقاص لهذه الليبيرالية.
كل ما تقدّم هو للقول إن ضرب النظام الليبيرالي في لبنان لصالح أنظمة أخرى (إشتراكية، شيوعية، موجّهة…) لن يؤدّي بأي شكل من الأشكال إلى بلوغ الهدف المنشود أي النهوض بالمجتمع اللبناني وبإقتصاده. إلا أن هذا القول لا يعني أن نظام الليبيرالية كما هو معمول به في لبنان كان فعّالا، وإلا لما كنا أوصلنا إلى ما وصلنا إليه. المطلوب اليوم تأمين المناخ الملائم لهذا النظام من خلال تعميم مبدأ التنافسية وضرب الإحتكارات وترك الحريّة والمبادرة الفــردية تأخذ مداها من دون تدخل من قبل أصحاب النفوذ.



