كتاب نهوض لبنان (6) – الإستثمار الخارجي المباشر: إعادة تدريجية للبنان الى الخارطة الدولية للإستثمارات

في ظل الضياع الذي يسود البلاد جراء الاختلاف على خطة الانقاذ المالي، والانتقادات التي وجهت اليها من قبل الكثير من القوى السياسية والجهات الاقتصادية لتضمنها الكثير من الاجراءات والافكار التي تتعارض مع الدستور وتضرب النظام الاقتصادي الحر، فضلاً عن عدم تضمنها برنامجاً واضحاً للنهوض بالاقتصاد الوطني،
تبرز الحاجة الملحة الى الكتاب الذي عمل على وضعه واعداده رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي السابق روجيه نسناس، حين كان لا يزال يشغل هذا المنصب في العام 2016، تحت عنوان: نهوض لبنان، نحو دولة الانماء، لكونه يقدم حلولاً عملية وعلمية لمشكلات لبنان الاقتصادية ولكونه يقدم سلسلة متكاملة من الاقتراحات والسياسات والتدابير التي تسمح بإعادة وضع الاقتصاد الوطني في مسار التعافي والنهوض وحماية قوته البشرية.
إنطلاقاً من هذه الاعتبارات فإن موقع leb economy files سيقوم بنشر محاور الكتاب التي يتضمنها بشكل متلاحق،
في حلقة اليوم (6) ننشر الفصل السادس تحت عنوان “الإستثمار الخارجي المباشر: إعادة تدريجية للبنان الى الخارطة الدولية للإستثمارات”
الإستثمار الخارجي المباشر:
إعادة تدريجية للبنان الى الخارطة الدولية للإستثمارات
يعتبر الإستثمار الخارجي المباشر (FDI) من العوامل الأساسية المساعدة لتحفيز النمو في لبنان ليس فقط بسبب تأثيراته الإيجابية المباشرة على النشاطات الاقتصادية الوطنية، بل أيضا بسبب العوامل النفسية الإيجابية التي يخلّفها على الأجواء الاقتصادية العامة، على إعتبار أن هذه التحويلات تعيد لبنان الى خارطة الإستثمارات الدولية الذي يفتقدها المستثمر دورياً نتيجة عدم الاستقرار السياسي منذ العـام 1975.
وكان النظام الليبرالي الحر الذي اعتمده لبنان منذ إستقلاله والبيئة الاقتصادية الحاضنة التي انفرد بها، إلى جانب الموارد البشرية الفاعلة التي يتممتع بها، قد سمحت له باستقطاب الإستثمارات الخارجية على أنواعها وفي قطاعات مختلفـة.
I التطور التاريخي للاستثمارات الخارجية في لبنان.
في السنوات الأولى من تاريخه الحديث (1943-1975) استقطب لبنان الإستثمارات الخارجية الدولية وبخاصة من الدول الصناعية المتطورة حيث اتخذت الشركات العالمية من لبنان نقطة إنطلاق أساسية لخدمة دول المشرق العربي من منطقة البحر الأبيض المتوسط وحتى دول الخليج. لم تقتصر الإستثمارات الخارجية على عمليات الوساطة التجارية ومبادلات السلع والخدمات، بل تعدتها الى الإنتاج الحقيقي في العديد من القطاعات حيث كانت تشكل هذه الإستثمارات القسم الأهم منها، مثل الإسمنت والصناعات الغذائية وتعبئة المياه والمشروبات، والنقل والتوزيع وصناعة النفط ومشتقاته، وقطاع التأمين والمصارف والتعليم والإعلام والإعـلان.
كما استقطب لبنان عددًا كبيرًا من المستثمرين العرب غير الخليجيين والوافدين من البلدان العربية المجاورة إن بسبب التهجير القسري ( الفلسطينيون) أو نتيجة سياسات اقتصادية معتمدة في عدد من البلدان مثل سوريا والعراق والتي قلصت دور القطاع الخاص وقامت بتأميم الاستثمارات مما دفع الكثير من رجال الأعمال العرب اللجوء إلى لبنان لإنشاء وحداتهم الانتاجية والتجارية والخدماتيـة.
الأمثلة كثيرة على انخراط الإستثمار الأجنبي في القطاعات الاقتصادية اللبنانية؛ فالمصارف الخارجية مثلاً كانت تستحوذ على 75% من النشاط المصرفي حتى العام 1975، في حين أننا انتظرنا حتى أوائل السبعينات من القرن الماضي لنشاهد بروز أول مدير عام لإحدى شركات التأمين اللبنانية من أصل حوالي مئة شركة كانت عاملة في هذا القطـاع.
أما في قطاع النفط، فعمليات الإستيراد والتكرير والتوزيع كانت بأغلبيتها خاضعة لرؤوس الأموال الخارجية الدولية، هذا الى جانب الكثير من المصانع المنتشرة في العديد من المناطق اللبنانيـة.
لم تقتصر هذه الإستثمارات على الإكتتاب برؤوس الأموال والتحويلات المالية بل كان هناك العديد من المدراء والتقنيين المشرفين على الأراضي اللبنانية الى جانب اليد العاملة اللبنانية التي تدرّبت بدورها على عمليات الإنتاج والبيع والتوزيع والإدارة.
II لبننة القطاعات الإنتاجية
مع بدء الإضطرابات الأمنية والعمليات العسكرية المختلفة في العام 1975 تبدلّت صورة الإستثمارات في لبنان وشهدت تحولات عميقة أدت في مرحلة أولى الى هجرة القسم الأكبر من اليد العاملة والمهارات الأجنبية، وفي مرحلة لاحقة، ومع إطالة سنوات الحرب تم إقفال العديد من الشركات الأجنبية وانسحاب رؤوس الأموال الخارجية وتحويل الحصص الى الشركاء اللبنانيين وتعليق الخدمات الإقليمية التي كانت تؤَمْن من لبنـان.
ونقلت هذه الشركات أعمالها إلى عواصم ودول إقليمية، وفي معظم الأحيان، عمدت الشركات الأجنبية إلى نقل المدراء والموظفين اللبنانيين، الذين كانوا عاملين لديها في لبنان، إلى الدول الجديدة التي استقرت فيها مما أفقد لبنان الكثير من موارده البشرية الفاعلة. وحدثت هذه اللبننة بشكل سريع جداً الى جانب إنسحاب رؤوس الأموال الأجنبيـة.
خسر لبنان أسواقه الخارجية الإقليمية منها والدولية، وشهد الاقتصاد الوطني تراجعاً كبيرًا في العمليات الإنتاجية وانعكست تدفقات الإستثمارات، إذ إضطرت معظم المؤسسات اللبنانية الى إنشاء وحدات إنتاج وخدمات في بلدان بديلة لخدمة الزبائن الذين خرجوا من لبنان أو لإيجاد أسواق جديدة لتعويض الخسارة التي تعرّضت لها في لبنـان.
III تبدّل في هوّية المستثمرين الخارجية
بعد عودة الهدوء الأمني والعسكري في أواخر العام 1990، وإنطلاق ورشة إعادة الإعمار، عادت الإستثمارات الخارجية الى لبنان وإن بنمط أقل مما كان متوقعاً. واختلفت هوّية المستثمرين الخارجيين كما اختلفت القطاعات المستقطبة للأموال الخارجية، إذ تظهر الإحصاءات المتوفرة حول مصادر التمويل الخارجية، ان مشاركة دول إجنبية غير عربية باتت خجولة ولم تعد تمثل إلا القسم القليل من الإستثمارات واقتصرت على بعض مشاريع المشاركة في القطاع العام، مثل قطاع الاتصالات أو المشاريع السياحية والفنادق أو النقل (شركة …) إلى جانب بروز أشكال جديدة من الإستثمار الخارجي مرتبطة بأنشطة إدارة الإمتياز وتراخيص الإستثمار (Management Contract and Franchise) تقوم على تسويق علامات تجارية عالمية خاصة في قطاع الوجبات السريعة (Mac Donald’s. Burger King…) أو في قطاع الألبسة والجواهر (Louis Vuitton, Hermes, Chanel).
وفي هذا الإطار لا بدّ من الإشارة إلى أن الشركات اللبنانية استطاعت أيضًا تطوير علامتها التجارية وتصديرها الى الخارج عبر تراخيص الإستثمار وعقود الإدارة، وتمركزت هذه النشاطات خاصة في قطاع المأكولات حيث بتنا نشهد في الكثير من البلدان العربية إنشاء عدد من المطاعم والمحال التجارية ذات الهوية اللبنانية مثل (Casper& Gambini, Wooden Bakery، زعتر وزيت، كبابجي…) ينفرد لبنان بهذه الظاهرة بين الدول العربية إذ لم يستطع أي من هذه البلدان تطوير أي علامة تجارية تستقطب أو تستهوي المستهلك العربي أو المشرقـي.
IV كيف يمكن مقاربة نماذج الإستثمار الخارجي المباشر؟
هناك طبعاً تعريف دولي لمفهوم الإستثمار الخارجي المباشر وضعته المؤسسات الدولية، مثل المؤسسة الدولية للاستثمار(IFC) والبنك الدولي والقائم على تملك كامل أو جزئي من رأس مال شركة وطنية من قبل المستثمر الخارجي. والحد الأدنى الذي يحدده البنك الدولي هو 10% من رأس مال الشركة المستهدفة إذ تعتبر هذه النسبة كافية لإدخال علاقة طويلة الأمد تساهم في تغيير أنماط الإدارة وتدخل مقاربة جديدة في طرق الإنتاج والتسويق والاستثمار للشركة المستهدفة من قبل المستثمر الخارجي .
هناك عوامل وشروط متعددة لتحديد الاستثمارات الخارجية في لبنان ومنهـا:
أ – أن تكون الوحدة المنتجة خاضعة للضريبة على الأرباح في لبنان.
ب- أن يكون لديها أصول ثابتة وعدد كافٍ من الموظفين الدائمين.
ج – أن تكون قيودها الحسابية والمالية مختلفة ومنفصلة عن الشركة الأم الخارجية.
د – أن تقوم هي مباشرة بالعمليات الإنتاجية والتجارية من سلع أو خدمات .
ه – أن تنخرط مباشرة في عمليات البيع والتسويق والترويج وتصدر الفواتير.
و – أن تقوم المؤسسة المتواجدة في لبنان بتغطية المصاريف الناتجة عن عملياتها في لبنـان .
V ما هي مواصفات الاستثمارات الخارجية المباشرة في لبنان ؟
تتخذ الاستثمارات الخارجية أشكالاً متعددة ومنهجية مختلفة, لكل منها خصائصها ونتائجها على المؤسسة وعلى الاقتصاد المحلي. وزادت العولمة من أشكال الاستثمار الخارجي مع سهولة المبادلات التجارية والخدماتية والتحويلات المالية وتوسع تعريف الاستثمار المباشر الخارجي ليشمل عمليات مختلفة منهـا:
- الاستثمار الأخضر (Green Investment) الذي يرتكز على إنشاء مؤسسات كاملة جديدة غير موجودة سابقا مثل بناء فندق جديد او تأسيس وحدات صناعية أو تجارية غير قائمة وليس عن طريق استملاك موجودات وأصول قائمة. والامثلة على ذلك كثيرة في لبنان، ففي السنوات الأخيرة ساهم عدد كبير من المستثمرين الخارجيين بتوظيف أموال كثيرة في عدد من المؤسسات الجديدة وبخاصة في عمليات التطوير العقاري وبعض أنشطة التوزيع والتخزين والفنادق، وشركات، وبيع بالتجزئة ، وشركات النقل، ….
- شراء حصص أو استملاك شركات لبنانية قائمة، وتعتبر هذه الاستثمارات الخارجية ناتجة عن استراتيجيات تتبعها المؤسسات الكبيرة الخارجية في إطار خططها وليس بالضرورة بسبب إستقطابات السوق اللبنانية الداخلية، وتتمحور هذه الأسباب حـول:
- توسيع نشاطاتها خارج أسواقها التقليدية، وتعتبر أن لبنان يوفر لها فرص استثمار واعدة إن لجهة حجم السوق الداخلي أو لجهة تواجدها في السوق اللبنانية التي تعتبر سوق موجهة للاستهلاك ( Trend Setting Market) حيث يرى عدد كبير من مسؤولي التسويق والترويج الخارجيين أن التواجد في السوق اللبنانية يعطي دفعاً قوياً للعلامات التجارية ويؤدي إلى تحسين الصورة التجارية للشركات خاصة في قطاع تجارة التجزئة والتوزيـع.
- لا تقتصر شراء حصص في المؤسسات اللبنانية القائمة على المستثمرين العرب والخليجيين بل تتعداها الى بعض الشركات العالمية وذلك في إطار توسعها الاستراتيجي، فنلاحظ مثلاً أن شركة نستله (Nestlé) قامت بشراء الشركة اللبنانية الأولى لتعبئة المياه في اطار سعيها للحصول على الحصة الأكبر في السوق الداخليـة.
كما قامت شركة هاينكن (Heineken) العالمية لإنتاج البيرة بشراء مصانع شركة ألمازة Almaza كما اشترت العلامة التجارية لذيذة Laziza لتصبح اللاعب الأوحد في سوق البيرة اللبنانية، وذلك في اطار استراتيجية تحاول من خلالها الشركة ان تثبت مرتبتها العالمية الأولى وقد قامت هذه الشركة بخطوات مماثلة في معظم دول الشرق الأوسط وشمالي افريقيـا.
- الى جانب الاستثمارات المباشرة في الشركات اللبنانية التي تحولت إدارتها الى الشريك الخارجي، شهدت السوق اللبنانية شراء عدد من المؤسسات اللبنانية من قبل رؤوس الأموال أو صناديق الاستثمار الخليجية والعربية التي استحوذت على القسم الأكبر من رأس المال لكنها أبقت على إدارتها المحلية، كما حصل مثلا ً في عملية شراء بنك الاعتماد اللبناني من قبلEFG-Hermes او شركة توزيع مشتقات النفــط.
- عمليات مشاركة القطاع الخاص في بعض المشاريع الحكومية المرتكزة على مبدأ الـ (Build Operate & Transfer-BOT) وأبرزها شركتي الهاتف الخلوي أو على مبدأ التجارة من الباطن ((Sub-Contracting مثل ما هو حاصل حالياً في إدارة المشتركين والتحصيل في مؤسسة كهرباء لبنان. وفي هذا الإطار تمت عمليات المشاركة عبر مؤسسات مشتركة بين مستثمرين لبنانيين وشركاء أجانب. إن هذا النوع من المشاريع المشتركة، بين القطاع العام والإستثمار الخاص وفي طليعتها الإستثمارات الخارجية، كان من المتوقع أن ينمو بشكل أكبر لكن سوء الإدارة والحوكمة في القطاع العام والخلافات السياسية الداخلية لم تسمح بتنفيذ مشاريع الخصصة على الرغم من أنه اتخذ بها قرارات متكررة لكنها لم تتحقق على الأرض ولم تبصر النور.
- وتبرز صعوبة عمليات المشاركة بين القطاعين العام والخاص مثلا في الفشل الذي يواجه حالياً قطاع النفط في لبنان إذ، رغم الفرص المتوقعة لهذا القطاع ورغم إقرار قانون خاص به وإنشاء وإطلاق العمليات الأولى للمزايدات العمومية، لم تنجح الهيئة الوطنية المولجة إدارة هذا الملف في إقرار المناقصة النهائية التي على أساسها ستعلن أسماء الشركات التي ستتولى عمليات التنقيب والاستثمار في هذا القطاع الذي سيكون الوعاء الأهم للاستثمارات الخارجية في حال تمت عملية التعيين.
- العقود الإدارية وعمليات الـ Franchise
لإعادة المؤسسات اللبنانية الخاصة إلى الخارطة العالمية للجودة وتأمين أفضل الخدمات وخاصة في القطاع السياحي وفي قطاع التجارة، لجأ الكثير من الشركات اللبنانية الى إدخال عقود الإدارة والاستعانة بالمؤسسات التي تحمل العلامات التجارية العالمية لمساعدتها على تحسين صورتها وانجاح مشاريعها. وحمل العديد من الفنادق والمؤسسات اللبنانية أشهر الأسماء العالمية الناشطة في هذا الحقل مثل سلسلة فنادق “انتركونتيننتال” و “الفورسيزن” أو مطاعم الوجبات السريعة مثل (Burger King أو Mc Donalds) إلى جانب المؤسسات التجارية العالمية الفخمة Hermes, Chanel… والغير فخمة Zara, H&M….
يتعجب البعض كيف يمكن إدخال هذه المؤسسات في إطار الاستثمارات الخارجية نظرًا لعدم وجود أي استثمارات من قبل الشريك الأجنبي الذي لا يقوم بأي استثمار في لبنان، بل على العكس هو الذي يتلقى مبالغ من المال للسماح للمؤسسة اللبنانية بالحصول على ترخيص استعمال الاسم التجاري كما يحصل على نسبة معينة من البيع والأربـاح.
بالرغم من عدم وجود تدفقات مالية الى لبنان تعتبر عقود التراخيص عاملاً مهمًا في الاستثمارات الخارجية الحديثة التي ترتكز أكثر فأكثر على الملكية الفكرية خاصة وأن لبنان هو الدولة الوحيدة التي استطاعت تطوير مؤسسات، يمكنها أن تعطي بدورها عقود التراخيص لعلامات تجارية استطاع أصحابها تطويرها ونشرها في الخارج حيث تستهوي المستثمرين والزبائن، ويقدر عدد المؤسسات اللبنانية التي استطاعت تطبيق عقود التراخيص بحوالي 90 مؤسسة من مختلف القطاعات وخاصة في قطاع المطاعم وصناعة الأزياء، ويفوق عدد نقاط البيع التجارية الـ 400 نقطة في مختلف الدول العربية وحتى في الأسواق العالميـة.
- استثمارات رجال الأعمال المغتربين
لا يقوم الاستثمار الخارجي المباشر على الجنسية او المواطنة بل على مكان إقامة المستثمر، فلذلك تحتسب الاستثمارات المحققة في لبنان من قبل رجال الأعمال المغتربين من ضمن الاستثمار الخارجي المباشــر.
في الواقع يلعب اللبنانيون غير المقيمين دورًا حاسما في الاقتصاد الوطني من خلال تحويلاتهم المالية الى المصارف الوطنية ومن خلال نفقاتهم على الأراضي اللبنانية، يضاف اليها طبعاً استثماراتهم المباشرة في المؤسسات والمشاريع الاقتصادية المختلفـة.
بعض هذه الأنشطة تعتبر امتدادًا مباشرًا للأنشطة التي تقوم بها شركات المغترين في الخارج في حين أن الاستثمارات الأخرى تستند إلى الفرص المتاحة في السوق اللبنانية والتي تستقطب القدرات المالية لغير المقيمين من اللبنانيين، والتي تحاول الاستفادة من الفرص الاستثمارية الموجودة في السوق اللبنانية بدل تجميدها في حسابات مالية ضعيفة المردود وخاصة في المرحلة الحالية، إذ تراجعت الفوائد المالية الدائنة إلى أقل من نصف في المئة في الأسواق المالية الدولية وذلك منذ الأزمة المالية العالمية في منتصف العـام 2008.
لا يقتصر دور المغتربين على استثماراتهم الخاصة في الأسواق اللبنانية بل يشمل أيضا الاستثمارات الخارجية الأجنبية التي يحركها العملاء اللبنانيون العاملون في الخارج إذ من المعلوم أن الموارد البشرية اللبنانية العاملة في عدد كبير من دول الاغتراب وخاصة في دول الخليج تتبوأ مراكز مهمة في المؤسسات التي تستخدمهم، وهم قريبون من مركز القرار الرئيسي وباستطاعتهم أن يشجعوا المتمولين الخليجيين أن يحققوا استثمارات مربحة في لبنان. وفي الكثير من الأحيان يشارك المغترب اللبناني مع عملاء أجانب أو عرب في الاستثمار في لبنان وخاصة في المشاريع العقارية وقطاع البنـاء.
تعتبر الاستثمارات الخارجية المحققة من قبل المغتربين من أهم المصادر المالية الواعدة للقطاعات الاقتصادية اللبنانية نظرًا لارتباطها في الكثير من الأحيان بعوامل اجتماعية وعائلية، وليس فقط بالربحية المباشرة المتعلقة بالاستثمار، إذ يلاحظ أن عددًا كبيرًا من المستثمرين المغتربين يفضلون في بعض الأحيان توجيه استثماراتهم إلى المناطق والمدن التي يتحدرون منها وليس بالضرورة توجيهها إلى بيروت والمناطق التي تحيط بها.
VI ما هي فوائد الإستثمار الخارجي المباشر على اقتصاد الدول الحاضنة وما هو وقعها على الاقتصاد اللبناني ؟
يتشارك لبنان مع عدد كبير من الدول في الاستفادة من الاستثمارات الخارجية المباشرة وتتعدد هذه الفوائد وتختلف بحسب نوعيتها والبيئة الاقتصادية التي تحتضنهـا. فالدول التي تتمتع بانفتاح كبير في اقتصادها ومبادلاتها التجارية أو تلك التي توجد فيها يد عاملة ماهرة، هي اكثر استقطابًـا من الدول المتشددة في استقبال الاستثمارات الخارجية أو تحمي اقتصادها من دخول السلع والخدمات الأجنبية إليها أو في توظيف اليد العاملة الوافدة. تنقسم فوائد الاستثمار الخارجي حول عدة محاور أساسية منها ما هو مباشر ومنها ما هو غير مباشر.
- تحسين النمو والأداء الاقتصادي
من الصعب تحديد وتقييم الفوائد المباشرة وغير مباشرة للاستثمارات الخارجية على الاقتصاد الوطني وخاصة في لبنان حيث لا تتوافر الأرقام الاقتصادية وتفتقد المؤسسات الناشطة إلى معلومات واضحة حول القطاعات أو النشاطات العاملة فيها. لكن بعض المقاربات والتحليلات تساعد في تقييم تقريبي لوقع هذه الاستثمارات.
يعتبر الاستثمار الخارجي المباشر من المكونات الأساسية للنمو الاقتصادي في الكثير من الدول النامية وحتى الصناعية منها. ويعتبر البنك الدولي أن وقع هذه الاستثمارات لا يتوقف على نتائجها المباشرة وعلى معدل النمو، بل يشمل أيضا النتائج غير المباشرة إن عن طريق تحسين الإنتاجية في القطاعات التي توظف فيها الاستثمارات الخارجية أو لجهة التحسينات التي تفرضها على طرق الإنتاج والتسويق والترويج والتمويل إلى جانب التحسينات المفروضة على الموردين الداخليين والملزمين بتحديث أدائهم والالتزام بمعايير الجودة العالمية التي تتبعها عادة الشركات العابرة للقــارات.
تتبدل نتائج الاستثمار الخارجي المباشر بحسب مصادر المشاركات والقطاعات التي تستثمر فيها. فكلما كانت سلسلة الإنتاج طويلة ومتشعبة يكون وقع هذه التوظيفات عميقـًا، وفي هذا الإطار يتمتع لبنان بصفات مميزة تسمح له بتوسيع الاستفادة من التمويل الخارجي لمشاريعه الإنتاجية رغم التقلبات السياسية والأمنية التي تحد من قابلية المستثمرين غير المقيمين للتوظيف في لبنـان.
ليس هناك إحصاءات متوافرة في لبنان حول تأثير الإستثمارات الداخلية أو الخارجية على النمو الإقتصادي لكن بعض المقارنات القطاعية الجزئية أو مع الدول المشابهة تسمح بتقدير نسبة نمو الناتج القومي بحوالي 0,6% لكل مليار دولار من الإستثمار، أي إذا كان حجم الإستثمار يمثل 1% من قيمة الناتج المحلي فنسبة النمو الإضافية لهذا الناتج ستكون في لبنان 0,24% لكل مليار دولار استثمار، هناك طبعاً فوارق بين الإستثمارات بحسب طبيعتها (إستثمار جديد، شراء أصول موجودة، توسيع عمليات…) وبحسب القطاعات المستقطبة لها (بناء، تجارة، صناعة…)
- ازدياد التحويلات المالية الخارجية
تسمح التحويلات المالية المباشرة بتغذية الأسواق المالية المتعطشة إلى موارد مالية لا يمكن توفيرها من النشاطات الاقتصادية الوطنيـة.
يعتبر الكثيرون أن هذه الإيجابية هي هامشية ولا تشكل مصدرًا أساسيًا للسوق اللبنانية نظراً لتوافر التمويل الداخلي لدى القطاع المصرفي اللبناني الذي يتمتع بسيولة مالية مرتفعة، إذ تشكل الودائع المصرفية أكثر من ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد الحقيقي. فبالتالي إذا كان هناك فرص إستثمار فعلية، فيمكن تأمينها من قبل القطاع المصرفي الداخلي وليس من الضروري إنتظار التحويلات الخارجية.
لا يشارك عدد كبير من الاقتصاديين هذا التحليل إذ يعتبرون أن الودائع المصرفية لا تغني عن التحويلات الإستثمارية الداخلية أو الخارجية التي تستثمر عادة لآجال طويلة لا تتوفر إلا نادراً في الودائع المصرفية المتوفرة لآجال قصيرة ولا تصلح بالضرورة للإستثمارات والحاملة عادة صفة طويلة الأمـد. كما أن قروض المصارف لا تعطى عادة للإستثمار بل تهدف في معظمها الى تغطية مصاريف التشغيل.
أما الاستثمارات فيتم تمويلها من مشاركات المستثمرين ومن قروض طويلة الأجل توفرها صناديق الاستثمار أو المصارف الاستثمارية. وبحسب محللي البنك الدولي فإن أهم نقاط الضعف لدى الشركات اللبنانية هي ارتفاع نسبة مديونيتها المصرفية إلى رؤوس أموالها المستثمرة، فلذلك لا تعتبر رؤوس الأموال الوافدة ترفــاَ أو فائضاَ هامشياً بل هي مكوّن أساسي للإستثمـار.
- المساهمة في تحسين البيئة الاقتصادية :
تعتبر الاستثمارات الخارجية، ومهما كان شكلها، من العوامل المشجعة لخلق أجواء اقتصادية مستقطبة للتوظيفات، وتشكل عاملاً أساسياً لتحسين صورة لبنان الاقتصادية وإعادته على خارطة الاستثمارات الدولية. وكما تم تأكيده سابقـــاَ فإن الإستثمارات الخارجية تختلف اليوم عمّا كانت عليه في السبعينات من القرن الماضي بعد أن انسحبت رؤوس الأموال الأجنبية الخارجية بسبب الحرب اللبنانية وإستبدلت تدريجياً باستثمارات المغتربين اللبنانيين العاملين في الخارج وبرؤوس أموال خليجيـة. وباتت هذه الاستثمارات تتوجه بشكل أساسي إلى قطاعات البناء وتجارة التجزئة والأعمال السياحيـة.
كما أن المؤسسات التي تنشأ لا تستثمر في تصدير السلع أو تأمين خدمات للأسواق الإقليمية، بل تهدف بشكل أساسي إلى خدمة السوق الداخلي للاستفادة من الفرص الاقتصادية المتوافرة في لبنان. ومع هذه التحولات خسر لبنان دوره الإقليمي كوسيط بين الأسواق العالمية وأسواق الشرق الأوسط.
- ينتج عن الاستثمار الخارجي تقليص في حجم فرص العمل إذ يقوم المستثمر الجديد بتخفيف حجم كتلة الأجور أو يستبدل بعض المراكز القائمة بيد عاملة غير لبنانية يعتبرها أقل كلفة من اليد اللبنانية الداخلية أو تماثله بشكل أفضل.
بحسب المعطيات الرقمية المتوافرة تقدر فرص العمل الناتجة عن استثمار داخلي أو خارجي جديد في لبنان بنسبة فرصة عمل مباشرة واحدة لكل استثمار ما بين الـ 150000 إلى 300000 دولار أميركي يضاف إليها من 0.7 إلى 0.8 فرصة عمل غير مباشرة تخلق في القطاعات الموردة لهذا الاستثمار (Back flow) أو في القطاعات المرتبطة بهذا القطاع (Forward flow).
- تحسين وتدريب الموارد البشرية
يعتبر دخول الشريك الخارجي وخاصة الأجنبي غير العربي مصدر تحسين لأداء اليد العاملة الداخلية إن عن طريق التعليم والتدريب أو عبر الأساليب الإدارية والإنتاجية الحديثة المتبعة في الشركات العالمية. ولا يقتصر هذا التحسين على المدراء أو الأجراء العاملين في المنشأة المستثمر فيها بل تطال أيضا الشركات الموردة لها، إذ تفرض الإدارة الجديدة على الشركات المتعاملة معها طرقاً حديثة وشروط انتاج ذات جودة عالية إلى جانب مواصفات صارمة في أعمال التوضيب والتخزين والنقـل، لا يمكن الالتزام بها إلا عن طريق تدريب الموارد البشرية العاملة في المؤسسات المــوردة.
يمكن النظر إلى مثل الاستثمارات الخارجية في تجارة التجزئة التي فرضت على المؤسسات الزراعية وصناعات المنتجات الغذائية شروطاً تجارية وصناعية لم تكن متوافرة سابقاَ. ولتلبية الشروط والمواصفات الموضوعة إضطر الموردون المحليون إلى الاستثمار في تجهيزات وآلات انتاج حديثة وتدريب القوى العاملة لديها.
- تحويلات تقنية وإدارية خارجية :
إن دخول الشركاء الخارجيين على المؤسسات اللبنانية لم يكن محدودًا على التحويلات المالية بل كانت هناك تحويلات مصرفية وتقنيات إنتاج جديدة استفاد منها الشركاء المحليون من كافة مراحل سلسلة الانتاج الداخلي. وتوسعت هذه التقنيات لتشمل كافة اللاعبين في السوق الداخلية خاصة وأن لبنان كان قد تراجع في تطبيق الطرق الحديثة في الانتاج بسبب الأوضاع السياسية والأمنية السائدة إِبّـان الحرب الللبنانية بين عامي 1975 و 1990، وتراجع الاستثمارات الجديدة والمخاطر المفروضة عليها في تلك الحقبــة.
لم يقتصر تحديث الانتاج وطرق البيع والتوزيع على المشاركات الخارجية بل أدخل قسم كبير منها أيضـًا عن طريق عودة اللبنانيين الذين اضطروا إلى النزوح إلى الخارج خلال سنوات الحرب وامتلكوا بدورهم طرق الانتاج والمبادلات الحديثة وتم تطبيقها في السوق المحليـة.
- الانخراط في الأسواق العالمية :
إن التحسينات التي أدخلت عن طريق المشاركات الخارجية أو عن طرق عودة اللبنانيين من الخارج سمحت للمؤسسات اللبنانية تلبية الشروط الداخلية الجديدة كما مكّنتها من تحسين التصدير بالشروط العالمية المفروضة على السلع والخدمات المطلوبة خارجيًا. وقد ساعدت بعض برامج التأهيل الدولية والإقليمية في تحسين أداء المؤسسات والأجراء للاستجابة إلى متطلبات وشروط الأسواق الدولية، واستطاع بذلك لبنان العودة إلى الأسواق الخارجية الشرق أوسطية والعالميـة.
- تحسين القدرات التنافسية :
استطاع لبنان بفضل استثماراته الجديدة الخارجية والداخلية تحسين انتاجه وتقوية قدراته التنافسية ومواجهة المضاربات الخارجية مما سمح له بالوصول إلى الكثير من أسواق البلدان الخارجية عبر اتفاقيات تحرير التجارة والتحضير لاتفاق المبادرات الحرّة مع الكثير من الدول وخاصة العربية والأوروبية منها. لعبت برامج التحديث الممولة من المؤسسات الدولية والإقليمية دورًا هاماَ في تحسين القدرات التنافسية إلى جانب توفير الدعم المالي من قبل وزارة المال والقروض الميسّرة المدعومة من قبل مصرف لبنان. وتتركز هذه القروض على المصارف الاستثمارية فقط ولا تطال مصاريف التشغيل ،وتشمل كافة القطاعات وخاصة استثمارات المعرفة والتكنولوجيا الجديدة، وستفيد طبعـًا الاستثمارات الخارجية من هذا الدعم كما تستفيد أيضـًا من الحوافز التي تعطيها مؤسســة ” إيدال ” وهي الوكالة المسؤولة عن تشجيع الاستثمار في لبنان وخاصة من الإعفاءات الضريبية التي تطال الاستثمارات في المناطق الأقل تطورًا في لبنان والبعيدة عن بيروت وعن مدن التمركز االساحلي.
- استثمار الموارد الطبيعية :
تلجأ الدول في الكثير من الأحيان إلى القطاع الخاص الداخلي والخارجي لتطوير مواردها الطبيعية وخاصة المواد الاستخراجية مثل المناجم والنفط والغاز، حيث يتمتع الشريك الأجنبي عادة بخبرات وطاقات مالية وتسويقية كبيرة غير متوفرة في الاقتصادات الوطنية الصغيرة. لم يختبر لبنان مثل هذه التوظيفات الخارجية بانتظار عقود التنقيب واستثمار النفط والغاز الواعدة، وقد تأخر إطلاق هذه العقود بسبب التعقيدات الإدارية الرسمية القائمة منذ سنوات طويلة. بانتظار هذه العقود من الصعب مقاربة مثل هذه الاستثمارات وتحديد مدى نجاحها في لبنـان.
- استثمار مشاريع البنى التحتية :
إلى جانب تطوير الموارد الطبيعية، تشترك الاستثمارات الخارجية بتطوير عدد من مشاريع البنى التحتية في عدد كبير من القطاعات ومنها الكهرباء والنقل والاتصالاات أو إدارة النفايات، وتأخذ هذه الاستثمارات الخارجية أشكالا مختلفة مثل الـ “ BOT “ أو التشركة أو المساهمة التقليدية وعقود الإدارة. أما المثال الأهم لذلك فهي عقود وتطوير الهاتف الجوّال إذ شهد لبنان تطورات ومشاكل متعددة بسبب التدخلات السياسية المتفرقة، وقد تـمّ فسخ هذه العقود قبل نهايتها مما رتــّب على الخزينة اللبنانية أعباء إضافية وأفقدها الكثير من المصداقية. أما بالنسبة لعقود إدارة النفايات أو البنى التحتية في مرفأ بيروت فينتج عنها دوريا إشكالات يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي إلى جانب الصفقات المشبوهة عن حق أو عن باطل، وآخرها تطورات ردم الحوض الرابع في مرفأ بيروت.
رغم إقرار قوانين الخصخصة منذ سنوات عدة وخلق مجلس أعلى للخصخصة وتعيين أعضاء إدارته، بقي هذا المجلس مشلولاً بسبب الخلافات السياسية والإدارية التي يشهدها لبنان وخاصة مع رفض الوزراء التخلي عن قسم من صلاحياتهم كما يفرضها القانون. وفي محاولة لتعويض هذا الفشل لجأ بعض السياسيين إلى اقتراحات لاستبدال الخصخصة الكلية بمشاريع المشاركة بين القطاعين العام والخاص (P.P.P.) باعتبار أن تلك الحلول تبقي للدولة دورًا هامًا في إدارة المشاريع المفترض تسليمها للقطاع الخاص. لم تتمكن تلك الحلول من اختراق جدار الرفض السياسي لتخلي الدولة عن كامل حقوقها في إدارة القطاعات الاقتصادية الرسمية، مما زاد الأعباء المالية لسوء الإدارة والتراجع بجودة المشاريع المسؤولة عنها الدولـة.
- إعادة هيكلة وتحسين أداء المؤسسات العامة
يعتبر العدد الأكبر من الخبراء أن التردد في تشركة أو خصخصة المؤسسات الاقتصادية العامة وسوء الحوكمة نتجت عنه خسائر مباشرة كبيرة للخزينة العامة، إلى جانب خسائر غير مباشرة للمستثمرين وللخزينة ترافقت مع إهدار فرص اقتصادية متعــددة.
تقـدّر الخسائر المتراكمة لكهرباء لبنان بأكثر من 16 مليار دولار للسنوات العشرين الأخيرة وهو ضعف ما صرف على البنى التحتية وإعادة البناء بعد الحرب في الفترة نفسها. وتواجه الدولة اللبنانية مأزقاَ عصيباَ في هذا القطاع بعد أن تخطى العجز السنوي لكهرباء لبنان الملياري دولار ولتأمين حوالي 60% فقط من حاجات الاستهلاك المحلي. وإلى جانب هذه الخسائر تفتقد مؤسسة كهرباء لبنان إدارة فاعلة الإدارة الحالية اذ تتخبط بمشاكل وصعوبات كبيرة معقدة تزيد من سوء إنتاجيتها. ومن غير المتوقع أن تتحسن إدارة هذا المرفق العام إلا بإعادة النظر بالاستثمارات الأساسية ومشاركة القطاع الخاص الفعلية مهما كانت الطريقة المتبعة، خصخصة، مشاركة مباشرة، تجزئة عمليات الإنتاج والتوزيع،… وجميع هذه الحلول من المتوقع أن تتضمن مشاركات خارجية أساسية تساعد على ضمان نجاح إعادة هيكلـة المؤسسـة.
VII ما هي عوامل الاستقطاب للاستثمارات الخارجية في لبنـان ؟
تتأثر تدفقات الاستثمارات الخارجية المباشرة بعوامل داخلية متعددة تساعد على استقطابها أو على العكس تساهم في نفورها من السوق الوطنية. وتقسّم هذه العوامل إلى أربعة محاور أساسية يمكن تلخيصها على الشكل التالـي:
- حجم السوق وفرص الاستثمار المتاحة وتشمــل :
- حجم الاقتصاد والدخل القومي للفرد
- نسبة النمو الحقيقي
- الانفتاح الخارجي للاقتصاد الوطني
- ثبات المؤشرات الاقتصادية والسيطرة على عجز الموازنات العامة
- الحوكمة الفاعلة في القطاع العام
- الإطار السياسي والقانونــي :
- جودة القوانين والتشريعات وتحديثها
- تطبيق القانون وسهولة الاستحصال على الأحكام
- تنفيذ العقود والأحكام الصادرة
- إيجابية البيئة المنظمة للأعمال
- التشريعات السياسية والحوكمة الرشيدة
- الثبات السياسي والحالة الأمنية وانتفاء العنف والإرهـاب
- البيئة الاستثمارية :
- كلفة الموارد البشرية وانتاجيتها
- النظام الضريبي على الأرباح ورؤوس الأموال
- المتطلبات البيروقراطية وتعقيداتها
- الفساد وجدية مكافحتـه
- البنى التحتيــة
- النقل وتسهيلاته
- جودة الرقابة وإدارة السير
- جودة المرافق البحرية والجوية
- توفير الاتصالات وجودتها
- توفير الطاقة والكهرباء وجودتهـا
VIII أين يقع لبنان من هذه العوامل المشجّعة للاستثمارات الخارجية المباشرة ؟
يبقى الانفتاح التقليدي للاقتصاد اللبناني والتحرير الكلي للتحويلات المالية ولأسواق النقد من أهم العوامل المستقطبة للاستثمارات الخارجية. يضاف إلى هذا الانفتاح وجود السرية المصرفية وقانوني إنشاء شركات الـ Off Shore والشركات القابضة Holding إلى جانب قانون عام للتجارة لا يفرِّق بين المستثمر اللبناني والمستثمر غير اللبنانــي.
ويساعد الانتشار اللبناني في الخارج على توسيع حجم الاستثمارات إن عبر الاستثمار المباشر للبنانيين العاملين في الخارج أو عبر دفع أصحاب رؤوس الأموال المحليين إلى مشاركتهم في استثماراتهم في لبنان. ولا بـدّ هنا من الإشارة مجددًا إلى أن استثمارات اللبنانيين المقيمين في الخارج تحتسب من ضمن الاستثمارات الخارجية، إذ أن التدفقات المالية الخارجية لا تحتسب بالنسبة لجنسسية المستثمر بل لجهة مكان إقامته وإقامة شركاتـه.
هناك طبعـًا بعض الحوافز الضريبية والتسهيلات المالية المساعدة لاستقطاب رؤوس الأموال إن عن طريق القروض الميسّرة المدعومة من قبل وزارة المال والتي يشرف عليها مصرف لبنان الذي يعطي بدوره تسهيلات استقراض إضافية لاستكمال التسهيلات المعطاة من قبل وزارة المال والتي تغطي كافة القطاعات. هناك أيضا الإعفاءات الضريبية المعطاة للمستثمرين خاصة في المناطق البعيدة عن العاصمة اللبنانية وضواحيها والتي تساعد على تطويرها مؤسسة ” إيدال ” المسؤولة عن تشجيع الاستثمارات في لبنـان.
إلى جانب هذه التسهيلات يستفيد المستثمر الخارجي من روح المبادرة العالية التي يتمتع بها رجال الأعمال اللبنانيون في الداخل والخـارج. كما يفترض أيضـًا أن تكون برامج المشاركة والخصخصة المطروحة منذ سنوات عدة من قبل الدولة اللبنانية حافزا كبيرًا لاستقطاب الاستثمارات الخارجية خاصة في حال تمكنت الحكومة المركزية من إطلاق مناقصات التنقيب واستخراج الغاز والنفط من المياه الإقليمية اللبنانيــة.
هناك أيضـًا عوامل اجتماعية متعددة تساعد على استقطاب المستثمرين ومنها البيئة الثقافية والترفيهية التي يتمتع بها لبنان مقارنة بالدول المجاورة، إلى جانب وجود عدد من المدارس والجامعات ذو جودة عالية، تـؤمن للبنان منذ عشرات السنين الموارد البشرية الكفوءة والمنتجـة.
IX ما هي العوامل المعيقة للاستثمار الخارجي في لبنـان ؟
إن العوامل المعيقة للاستثمار الخارجي في لبنان لا تختلف عن تلك التي يواجهها المستثمر اللبناني المقيم وهي تدور حول محاور متعددة أهمهــا:
- عدم الاستقرار السياسي والأمني على مختلف الأصعدة، تبدأ بالتشنجات والاختلافات السياسية الداخلية لتصل إلى الصراعات الإقليمية المدمِّرة مرورًا بالتشنجات الطائفية والمذهبية وانتشار السلاح والتدخلات الخارجية وعدم القدرة على تجديد المؤسسات واحترام المواعيد الدستورية ومخاطر توسيع البؤر الأمنيـة.
- المخاطر الاجتماعية المتفاقمة والناتجة عن النزوح السوري الكثيف وتواجد أكثر من مليون مواطن سوري إضافي في كافة المناطق اللبنانية وما يرتبه ذلك من سلبيات على الاقتصاد اللبناني وعلى الخزينة العامة وعلى البنى التحتيــة .
- ضعف الحوكمة في كافة القطاعات العامة وصعوبة اتخاذ القرارات وتطبيق القوانين وتراجع كبير في الإنتاجية في المؤسسات والإدارات العامة وخاصة المتعلقة بإدارة بعض النشاطات الاقتصادية، مثل الكهرباء والمياه والهاتف والنقل والصحة والتعليم وذلك رغم الأعباء المالية الهائلة التي تتحملها المالية العامـة.
- العجز السنوي للموازنات العامة وتراكم الدين العام الذي تخطى عتبة الـ 66 مليار دولار أي ما يقارب حوالي 25% من الناتج المحلي القائم وقد تفاقم عجز الموازنات في السنوات الثلاث الماضية نتيجة تباطؤ المداخيل وازدياد حجم الإنفاق بسبب عجز الكهرباء وزيادات الأجور والتوظيف في القطاع العـام.
- تباطؤ اتخاذ القرارات الإدارية وضعف الحوكمة أدّيـا إلى ازدياد الرشوات والمخالفات القانونية في ظل انعدام الرقابة الفاعلة وازدياد صعوبات وتعقيدات المعاملات الإدارية المتعلقة بالرخص والأذونات المطلوبة من القطاع الخـاص.
- مع ازدياد العجز المالي وتراكم الديون انخفضت قدرة الخزينة على تمويل الاستثمارات في البنى التحتية والتي يتولاها القطاع العام وباتت نسبة الاعتمادات المخصصة للبنى التحتية لا تتعدى الـ 5% من مجموع مصاريف الموازنة مما أدى إلى تردّي هذه البنى وخدماتها، وقد تفاقمت الأوضاع مع توافد النازحين السوريين الذين سرّعوا في استهلاك هذه البنى، وقدّر البنك الدولي بحوالي 300 مليون دولار سنوياَ هذا التسريع في استهلاك البنى التحتيـة.
وفي مواجهة ضعف البنى التحتية يضطر اللبنانيون الى تأمين هذه الخدمات من استثماراتهم الخاصة مما يزيد الأعباء على الشركات والمؤسسات ويزيد من أكلافها وتراجع قدرتها على المنافسة في الأسواق الداخلية والخارجيـة .
- تراجع النمو في لبنان بشكل مقلق في السنوات الأربع الأخيرة وباتت اليوم نسبته تتراوح بين 1% و 2% بعد أن وصلت الى حوالي 10% في السنوات السابقة، وتعتبر النسب الحالية غير كافية لاستقطاب الاستثمارات الداخلية والخارجية وخاصة مع تراجع كبير في فرص الاستثمار في القطاعات التقليدية مثل البناء والسياحة والتجارة. وتبقى توقعات المؤسسات الدولية متشائمة بالنسبة لمستقبل النشاط الاقتصادي في لبنان. ومما يزيد من هذا التشاؤم طول الأزمة ومخاطرها المستقبلية وخاصة في ظل تراجع اسعار النفط وانعكاساته على الدول الخليجية المستقطبة لعدد كبير من العملاء الاقتصاديين اللبنانييــن.
- تشكل هشاشة السوق المالية في لبنان عامـلاً سلبيـًا لاستقبال رؤوس الأموال الخارجية إذ من الصعب على المستثمرين الأجانب الخروج من استثماراتهم عن طريق الأسواق المالية خاصة وأن صناديق الاستثمار الإقليمية ليست مهتمة بالسوق اللبنانية مما يفقد الشركات اللبنانية الحصول على أموال الاستثمارات الطويلة الأمـد.
إن المصارف اللبنانية تؤمن القروض للمشاريع والمؤسسات اللبنانية لكن هذه الأخيرة ينقصها المشاركات في رأس المال والتمويل الطويل الأمــد.
- تعتبر البيئة القانونية والتنظيمية في لبنان من أكثر العوامل سلبية للاستثمارات الأجنبية بسبب تباطؤ إقرار القوانين وتحديثها والتأخير في إصدار الأحكام وخاصة التجارية منها وضعف القضاء في مواكبة العمليات المالية الحديثة وضعف تنفيذ القرارات القضائية الصادرة وخاصة تلك المتعلقة بالعقود الموقعة مع الدولة اللبنانيـة.
لا بـدّ من الإشارة إلى أن عدم الاستقرار القانوني يشكل بدوره عائقـًا في وجه الاستثمارات الخارجية إذ تثار دورياَ اقتراحات لإلغاء تحفيزات ضريبية أعطيت سابقـًا وبدون أية مهل أو يجري الحديث عن إدخال ضرائب جديدة أو رفع نسب بعضها في غياب أي تنسيق مع قطاع الأعمال أو حتى خبراء الاقتصاد. صحيح أن كل هذه الاقتراحات لم تـقـر لكن الحديث المتكرّر عنها وحتى إدراجها في بنود مشاريع الموازنات التي لم تـقـرّ منذ عشر سنوات تخلق عند المستثمرين بعض القلق وخاصة لدى المستثمرين الخارجييـن.
- هناك أيضـًا تقصير من قبل الدولة ومن التجمعات المهنية والتجارية اللبنانية لاعتماد سياسات وخطط ترويجية للاستثمار في لبنان مع التشديد على العوامل الإيجابية المتواجدة في الاقتصاد الوطني والفرص المتاحة للاستثمار، إلى جانب تأمين المعلومات والإحصاءات المساعدة للمستثمرين في توجيه استثماراتهم. صحيح أن لبنان خلق بعض المؤسسات للترويج للاستثمار فيه لكن عمل المؤسسات المختصة يبقى خجولا ً وغير كــاف.



