دولار السوق السوداء وصل الى 20 ألف ليرة… والسلطة في “اللاسلطة المريبة”(الديار 12 تموز)

كتب جاسم عجاقة في “الديار”:
الدولار الأميركي في السوق السوداء لامس الـ 20 ألف ليرة، ارتفاع وانهيار إضافي بات اللبناني معتاداً سماعه مع طلوع كل شمس… هذا هو النتاج الطبيعي لإدارة سياسية ومالية إقطاعية للدولة اللبنانية على مدى عقود إضافة الى الارتهان السياسي للخارج في ظل إعادة رسم جيوسياسية وجيو- اقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط.
لماذا ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية في السوق السوداء الآن؟ وما الحدث الاقتصادي أو المالي الذي يُبرّر ارتفاع سعر الصرف ألفي ليرة لبنانية في ظل أقلّ من يومين؟ لماذا لا يتمّ لجم السوق السوداء والمتاجرين فيها؟ لماذا لا تتمّ ملاحقة التجّار الذين اشتروا الدولار على سعر منصة صيرفة وباعوه على سعر صرف السوق السوداء؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تسلّط الضوء على الفوضى المخطط لها من قبل متنفذين والتي يعيشها لبنان بدءًا بغياب (أو التعطيل المتعمد) تطبيق القوانين وصولا إلى فتح باب الاحتكار والتهريب والتلاعب بالأسعار، وكل ذلك بمباركة وتواطؤ أصحاب النفوذ.
الأزمة التي تعصف بلبنان أدّت الى ضرب مقومات الكيان اللبناني الاقتصادية، والمالية والنقدية والاجتماعية. هذه المقومات كانت في الأساس ضعيفة مع تفاقم أزمة الدين العام ومالية الدولة والفساد المستشري. وكان من واجب الحكومات المتعاقبة القيام بعدد من الخطوات بهدف تخفيف الأزمة، إلا أن التركيبة السياسية اللبنانية برزت كعقبة رئيسية أمام هذه الخطوات، إذ نجد أن المسؤولين السياسيين في لبنان يصرفون أوقاتهم بالجدالات السياسية العقيمة (أو ما يسمى بحوار الطرشان) التي تؤدي دوراً أساسياً في تردّي الأوضاع المعيشية والفلتان الأمني الذي أصبح شبه يومي مع حوادث فردية غالبًا ما يكون السلاح مستخدمًا فيها.
ولا يُخفى على أحد أن الوقود الطائفي أجج الحرب الأهلية لتأخذ بعدها الخلافات طابعا حزبيا داخل الطوائف نفسها. واستغلت القوى السياسية المصالحة التي وضعت نهاية لهذه الحرب لتُرسّخ وجودها داخل الدولة ومؤسساتها حيث أصبحت هذه الدولة على صورة الأحزاب السياسية التي أصبحت هي الدولة العميقة.
لا منطق اقتصادي وراء ارتفاع الدولار في السوق السوداء! الأسباب النظرية وراء هذا الارتفاع هي أن المصارف تقوم بجمع الدولارات في السوق السوداء لغرض تطبيق التعميم 158؛ والتجار الذين يقومون بشراء الدولارات بهدف التهريب والاحتكار؛ والأجندات السياسية التي تدفع بالدولار إلى الارتفاع من خلال التلاعب بالتطبيقات؛ وتهريب الدولارات إلى الخارج.
في كل الأحوال لماذا لا تتمّ ملاحقة المخالفين نظرًا إلى أن الأسباب الآنفة الذكر وراء ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء كلها مُخالفة للقانون؟ لماذا تغيب الأجهزة الرقابية والأمنية عن ملاحقتهم؟ هل من تشابكٍ وتلاقٍ في المصالح بين أصحاب النفوذ والتجار؟!
في الواقع لا يوجد أي تبرير خلف ارتفاع سعر الدولار بهذه الوتيرة، إلا أن هناك تلاعبًا بالسعر. وبالنظر إلى الرسم البياني الموجود والذي يشرح علاقة سعر الصرف في السوق السوداء بكل من طبع العملة، والاحتياطي الإلزامي ومؤشر الأسعار، نجد أن طبع العملة يؤثر بشكل متواصل (Continuous) وليس بشكل مُتقطّع (Discrete)، كذلك الحال بالنسبة إلى احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية. إلا أن التضخّم الذي يمارسه التجار من خلال رفع الأسعار بشكل كلما ارتفع الدولار في السوق السوداء يرفعون الأسعار ولا يخفضونها مع انخفاض سعر صرف الدولار، هو ذو تأثير كبير في عملية ارتفاع سعر الدولار! وهذا يستلزم وجود علاقة ثنائية بالاتجاهين (تضخم الأسعار وسعر صرف الدولار في السوق السوداء). وهكذا فإن هذه العلاقة من الناحية الاقتصادية، تمنع الدولار من الانخفاض إلا في حال الفصل بينهما.
على كل الأحوال، لا يُمكن للوضع المعيشي الاستمرار على هذا النمط حتى الانتخابات النيابية المقبلة من الناحية المنطقية والاقتصادية العلمية. إلا أن المتوقع هو خلاف ذلك، إذ سيبقى أصحاب النفوذ يخلقون “ميني” أزمات (Mini Crises) ثم يحلونها لتنفيس غضب الشارع وترسيخ فكرة أنهم ما زالوا قادرين على القيام بدورٍ مهمٍ في تخفيف الأزمات. ومن المتوقّع أيضاً من الناحية الاقتصادية والمنطقية أن يكون الانفجار المعيشي قريبًا عندما تصبح ربطة الخبز والدولار الأميركي في السوق السوداء بمستويات عالية كما يحصل في فنزويلا الدولة النفطية الغارقة في الفوضى السياسية والاقتصادية، وهنا السباق بين الانفجار وقدرة السلطة مجتمعة على دوام إلهاء الناس بقصة المجاعة الحتمية مقابل قبول الارتفاع الجنوني للأسعار. فعلى المواطن أن يختار بين بقاء السلطة الحاكمة والارتفاع المطرد للأسعار، مقابل فقدان السلع كليًا والمجاعة.
القصة برأينا الاقتصادي قد شارفت على خواتيمها، والخيار بيد الشعب. فماذا في جعبة الشعب اللبناني؟



