فضيحة تخلي السلطة عن الجامعة اللبنانية…(النهار 10 أيار)

كتب إبراهيم حيدر في” النهار”:
حتى الآن لا مؤشرات تدل على أن مجلس الوزراء سيناقش في جلسته ما قبل الأخيرة هذا الأسبوع، ملفات الجامعة اللبنانية، وذلك على الرغم من تفاؤل وزير التربية والتعليم العالي عباس الحلبي بعد لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون أمس، وهو وزير الوصاية الذي يسعى من خلال مشاوراته مع كل الاطراف لتذليل العقبات وصوغ تسويات حول النقاط الخلافية بتدوير الزوايا لتمرير هذه المرحلة الصعبة والمفصلية في تاريخ التعليم العالي.
وبينما تمر الجامعة اليوم بأسوأ مراحلها، لم تظهر إشارات جدية من القوى السياسية والطائفية حول تسوية أوضاعها، وهي اليوم تغالب بموازنة سنوية لا تكفي لشهرين وكأنها لمدرسة، فترتفع الشروط حول المحاصصة من أطراف السلطة وكأن لا وظيفة أكاديمية لهذه المؤسسة. ولا تزال الحكومة تمتنع عن مناقشة الملفات ولا تتخذ قرارات بشأنها بعيداً من الاعتبارات السياسية والطائفية وهي التي تمسك بملف تفريغ المتعاقدين وتصدر المراسيم بتعيين عمداء الكليات، فلا تترك لأهلها ولرئيسها أي خيارات، لمتابعة تعليم 86 الف طالب وطالبة.
لا يعني تفاؤل وزير التربية أن ملفات الجامعة سلكت نحو الإقرار، فهو يوضح أن لـ”النهار” أن الاجواء إيجابية وسيسعى لتمرير عدد من الملفات في مجلس الوزراء، من دون أن يحسم في ما اذا كانت مشكلة تعيين العمداء قد تم حلها. لكن الخلافات السياسية والطائفية لا تزال تعصف بالجامعة، ولا يظهر في شكل نهائي أن الحكومة قبل أسبوع على تحولها الى تصريف الاعمال ستقر ملفاتها. وإذا نجح وزير التربية بتذليل الخلافات وخفض شروط المحاصصة يمكن أن يمر ملف التفرغ فيما تعيين العمداء سيبقى مؤجلاً بسبب الخلاف الطائفي حول موازين القوى في مجلس الجامعة. والمفارقة أن القوى السياسية تنظر الى مجلس الجامعة وفق الحصص ولا تتعامل معه كمرجعية للجامعة مع رئيسها من الزاوية الاكاديمية.
تعطلت أعمال الجامعة الاكاديمية في شكل كامل منذ أكثر من شهر بعد اعلان رابطة المتفرغين وقف الأعمال الاكاديمية، فيما يواصل المتعاقدون الإضراب منذ نحو 5 اشهر طلباً للتفرغ. ورغم ذلك لم تغيّر الحكومة نظرتها إلى الجامعة واحتضانها على الأقل في هذه الفترة الصعبة، وهي ليست قادرة على مواصلة مهمتها بما بقي لها من رصيد بعد الخسائر المتتالية التي تعرضت لها، وإن كان عدد من الاساتذة قرروا العودة الى التعليم للتعويض على الطلاب وانقاذ العام الجامعي.
ويراهن أهل الجامعة على الجلستين الأخيرتين لمجلس الوزراء لإقرار بعض الملفات خصوصاً ملف التفرغ الاكثر خطورة حيث تفقد المزيد من اساتذتها، علماً أن الحكومة تمسك بكل شؤون الجامعة وهو أمر لا مثيل له في دول العالم، فتعيين العمداء كما التفرغ من مسؤوليتها، وهذا الأمر يعني أن المحاصصة السياسية تفعل فعلها في هذه العملية وهي قاعدة تكرست منذ العام 1997 حين صدر القرار 42 عن مجلس الوزراء أنذاك وقضى بوقف التفرغ للتدريس في الجامعة إلا بموافقة المجلس. وها هي السلّة السياسية في التعيينات تتوزع اليوم حزبياً وطائفياً بحجم الحصص، فيما إضراب الأساتذة فقد بوصلته وصار بمثابة التعطيل، وبدلاً من أن يعيد الأساتذة النظر في طريقة تحركهم ها هم يفتحون المعركة على الجميع بمن فيهم الطلاب.
الثغرة الرئيسية في تحرك الأساتذة أن كل مطالبهم مالية وهي محقة بالنظر الى الأوضاع الراهنة، لكنهم مسؤولون أيضاً عن حماية الجامعة وتحصينها، فالاضراب كشف تخلي السلطة عن جامعة اللبنانيين، واصطدم بحائط مسدود، وعلى الأساتذة أن يفكروا بخيارات أخرى قبل أن تأخذهم السلطة إلى ميدان التلاعب بمستقبل الجامعة وتكريس التبعية السياسية والطائفية للكادر التعليمي. فمقاطعة التدريس والاعمال الاكاديمية باتت اليوم وكأنها في خدمة السلطة غير المكترثة للجامعة، والاهم التفكير بخطوات أكثر فعالية لإعادة صلاحيات الجامعة كي تستقيم امورها الأكاديمية والادراية.
يسأل أساتذة عن الجدوى من استمرار الإضراب تحت راية القوى الممثلة في السلطة. فرابطة المتفرغين تعرف أن الخلافات الطائفية والسياسية عطلت ملفات الجامعة في مجلس الوزراء، وقد ساهم بعض أهلها في الاصطفاف الطائفي حول حصص العمداء والتفرغ، وحتى على موازنة الجامعة. قرار التوقف مثلاً عن القيام بالأعمال الأكاديمية قبل شهر، لا يرتبط بطلب تحسين أوضاع الأساتذة وتمكينهم، بعدما حصلوا على مساعدات قررتها رئاسة الجامعة من مداخيل الـ PCR ، بل بملفات أخرى، إذ إن الجامعة تمر بظروف صعبة، ولم تعد تستطيع الاستمرار مع موازنة من العام 2019، وهذا يعني إعلاناً صريحاً من السلطة بالتخلي عن الجامعة الوطنية، ودفعها نحو الانهيار، بعدما أصبحت مجمعاتها وأبنيتها مهملة مهجورة، وقد تصبح غير قابلة للحياة.
علقت ملفات الجامعة عند رئيسي الجمهورية والحكومة ولم توضع على جدول الاعمال. فيما يركز الحلبي على حل العقدة المتمثلة بالتوزيع الطائفي للعمداء الـ19 وهو (10 مسيحيين، و9 مسلمين، “4 سنّة، 4 شيعة ودرزي واحد”). العقدة الرئيسية هي العمداء، لكن إذا حُلت لا يعني أن ملف التفرغ مسهل. المشكلة هي نفسها ولم تنجح الاتصالات في معالجتها… رئيس الحكومة يطالب بـ5 عمداء للطائفة السنّية، ورئيس الجمهورية يريد حسم الأسماء العشرة للعمداء المسيحيين ويعتبر هذا الملف أولوية ويربط كل الملفات الاخرى به، فيما تظهر العقد لدى الاطراف الأخرى وتؤثر في إقرار الملفات الأربعة ومن بينها التفرغ والمدربين، علماً أن إعادة الترشيحات لملف العمداء مجدداً يبقى مسالة خلافية، على الرغم من ان بعض المنتخبين في 2018 أحيلوا الى التقاعد… والطائفة الشيعية عادت للمطالبة بالطب. وحتى إذا تم التوصل الى حلول، فالمشكلة مستمرة، وخطرها إبقاء الجامعة في بازار الصراع الطائفي والسياسي.
حجز ملفات الجامعة مستمر. السلطة لا تريد لهذه المؤسسة أن تتنفس، فتربط كل محاصصاتها في سلّة واحدة. وليس على المتفرغين والمتعاقدين إلا العمل على حماية الجامعة بالعودة الى احتضان الطلاب ومتابعة التدريس، وهذه مرحلة انتقالية لتحديد طبيعة التحرك المقبل ودرس جدواه كي لا يُتهم أهل الجامعة باغراقها ومنعها ايضاً من التنفس وخنقها كما تريد السلطة وقواها.



