خاص – منع المواطنين من مخالفة القوانين يتطلب وعي مجتمعي أم سلطة قوية؟!

بقلم المحامي اسامة هنري ديب
يسأل المرء نفسه باستمرار عن سبب توجّه الانسان الى التفلّت من القيود التي تفرضها القوانين والأنظمة كما والقرارات الصادرة عن المراجع الحكومية والادارية،
من المهم أن يدرك العامة أن جنوح الانسان نحو هذا التفلّت هو عام وشامل ولا يقتصر على مجتمع معيّن وهذا الأمر يتعلّق بالطبيعة البشرية المنحازة دوماً للحرية المطلقة ، لذلك كانت التشريعات السماوية التي نظّمت ووضعت ضوابط وحدود للتصرفات البشرية ولذلك أيضاً تمّ صياغة القوانين والأنظمة الوضعية .
مع ذلك تجد دوماً فريقاً من الناس إماّ غير قادرعلى ضبط تصرفاته بشكل كامل وإماّ يتلذّذ بالتفلّت والالتفاف على المنظومات القانونية وعلى الأنظمة والقرارات ، فكان التوجه العام نحو تشديد العقوبات في الجرائم بشكل عام .
واليوم تعود المخالفات والخروقات الى حيّز الظهور بقوة مع انتشار وباء كورونا بحيث أن الكثير من الناس تفلّتت من الضوابط الطبية المقررة مما جعل السلطات تتشدد في تطبيق القرارات حتى وصل الأمر في بعض الدول الى وضع سوار الكتروني في يد الاشخاص المحجورين لمنعهم من ترك أمكنة اقامتهم وهكذا نجحت هذه السلطات عبر فرض هيبتها وحسن تنفيذ قراراتها في تطبيق القوانين والأنظمة والقرارات المرعية الإجراء .
ولا شك أنه يقتضي التنويه بكثير من المجتمعات التي جعلت من التزامها بالقوانين والأنظمة مسيرة حياة طبيعية وطوعية لا بل نابعة عن قناعة ووعي راسخ في نفوسها .
أما في لبنان فان ضبط سلوك المواطنين لمنعهم من ارتكاب المخالفات التي تلحق أشد الاضرار بهم وبالمجتمع لا تقتضي فقط وجود قوانين وأنظمة وقرارات مرعية الاجراء بل الأهم وجود سلطة قوية قادرة مع ذراع تنفيذية يتمتع أفرادها بدرجات عالية من الكفاءة والمناقبية التي تؤدي بالنتيجة الى فرض هيبة المؤسسات قبل أي شيئ آخر، أماّ وأننا نفتقد لتلك المقومات ، فلا بد للانسان اللبناني من التمحيص بعمق في ماضيه وحاضره وما تركته عوامل تذاكيه وتفلته والتفافه على كل القوانين والانظمة والمقررات وادراك أن النتائج ثابتة واضحة لا لبس فيها وعلى المستويات كافة، وعليه تغيير سلوكه والايمان بأن هذه القواعد والقوانين والانظمة وضعت بالمحصّلة لخيره وخير مجتمعه ولمصلحتهما المشتركة وللسلامة العامة مما يؤدي حكماً للقول بأن التزامه الطوعي والنابع من قناعة ذاتية هو المفتاح الأكيد للخروج من دولة التفلّت الى دولة القانون والمؤسسات وهو حالياً المفتاح الأكيد لمحاصرة انتشار وباء كورونا وضبطه ومن ثم القضاء عليه .
وللتأكيد على كل ما تقّدم نرى بأن كل القوانين ومنها القانون اللبناني تحدّث في مواقع متعدّدة عن ” الإهمال وقلة الاحتراز ” ومنها على سبيل المثال لا الحصر المادة 564 عقوبات المتعلقة بالقتل والايذاء عن غير قصد كحوادث السير والمادة 604 عقوبات المتعلقة بالاهمال وقلة الاحتراز المساهم بانتشار المرض الوبائي، فالسؤال الكبير المطروح : أليس الاحتراز وعدم الإهمال والتصرف بوعي وحكمة والتحوّط والانتباه يجب أن تكون مسيرة حياة طبيعية نابعة عن قناعة ووعي راسخ ؟



