صفير: لا مشاكل مع المودعين ولا إفلاسات في المصارف

صحيح أن قرار مجلس الوزراء في 16 تشرين الاول 2019 فرض ضرائب جديدة وخصوصاً على استخدام تطبيق “الواتساب”، كان الفتيل الذي فجَّر الشارع بوجه السلطة السياسية، إلا أن جمر الازمة كان أصلا تحت الرماد وبدأ لهيبه مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب ودخول لبنان مرحلة تضخم غير مسبوقة، وظهور بوادر عجز في قدرة الدولة على تأمين التمويل لحاجاتها، وبداية انخفاض في احتياط العملات الصعبة في مصرف لبنان، مع ظهور اهتزاز في سعر صرف الدولار ونقص سيولته في المصارف.
هذه البوادر مجتمعة، يضاف اليها التوتر السياسي والحراك الشعبي، كانت مقدمة لدخول لبنان في نفق الانهيار الجدي مع بروز سوق سوداء للدولار الاميركي يتخطى السعر الرسمي المتداول في مصرف لبنان، وزاد الطين بلة تداخل فقدان السيولة لدى المصارف والنقمة الشعبية عليها والتي تُرجمت باعتداءات شبه يومية ومتكررة على فروعها في مختلف المناطق، ما حدا بها الى الاقفال 17 يوما، للمرة الأولى في تاريخها، حرصاً على سلامة العاملين فيها وانتظار تشكيل حكومة جديدة بعد استقالة حكومة الحريري تعيد الاستقرار الامني والنقدي الى البلاد. مذذاك والمصارف عالقة بين سندانين: سندان مطالبة العملاء بحقوقهم وودائعهم وفقدان السيولة من جهة، وسندان تمنّع الدولة عن تسديد ديونها وخصوصا بالعملات الاجنبية لمصرف لبنان أو للمصارف من جهة اخرى، ما ادى الى جمود حركة الايداع والتسليف فيها. لذا سارعت اداراتها الى محاولة انقاذ ما تبقّى لديها من قدرات وسمعة من خلال شد احزمة التقشف بشكل كبير واقفال الكثير من الفروع واخلاء الابنية المستأجرة وصرف عدد لا يستهان به من الموظفين بالتوافق، في عملية قيصرية للمحافظة على الحد الادنى من الاستمرارية في الاسواق.
يضع رئيس جمعية المصارف الدكتور سليم صفير اللوم على الاوضاع السياسية القائمة وما آلت اليه أحوال البلاد، وتحديداً القطاع المصرفي. وهو إذ يرى أن ثمة ضرورة للضغط على المعنيين لتأليف حكومة جديدة لأن “الامور لا تتحمل مزيداً من التأجيل”، إلا انه يعود ويستدرك أن بتّ هذه الامور “ليس في متناول السياسيين الذين نلتقيهم يوميا. فسياسة لبنان مختلفة عن سياسات العالم، وبرأيي أن تأليف الحكومة يخضع لضغوط اجنبية”.
فقدان الثقة بالمصارف دفع المودعين الى المسارعة لسحب أموالهم، ومن لم يستطع الى ذلك سبيلا، لا يزال يعاني نتيجة القيود التي فرضتها المصارف، حتى ان البعض اتهم المصارف بأنها تتعامل مع الزبائن على أساس أنها ستخرج من السوق نهائيا. إلا أن صفير أزاح التهمة عن المصارف التي “لا تفكر في الخروج من السوق اللبنانية، فمصارفنا في الخارج تقوم على نجاح المصارف الأم في لبنان… يتهمون المصارف بأنها تحجز أموال اللبنانيين، ولكن الحقيقة أن عدم دفع الدولة أموال المصارف التي هي في النهاية اموال المودعين هو السبب”. ويعوّل صفير على تسوية خارجية لمعالجة الأزمات اللبنانية، فيقول: “صحيح أن الوضع عموما صعب، ولكن في الوقت عينه سهل جدا، إذ في حال حصول اي تسوية أو اتفاق سياسي دولي للمنطقة، فإن الوضع اللبناني سيعالَج في اللحظة عينها. مشكلة لبنان ليست داخلية، ونحن ندفع ثمن الفاتورة الدولية والاقليمية”. وأكثر، يعتبر صفير أن “ليس ثمة مشاكل مع الزبائن، في ما عدا بعض التفاصيل”، وأن شيئا لم يتغير بالنسبة الى المصارف، “إلا في ما يتعلق بالتسليف والوضع الاقتصادي وتراجع الإيرادات في مقابل زيادة المصاريف. ولكن على رغم هذا الوضع لا يزال الافلاس بعيد جدا، ويمكن ان نبقى على هذه الحال سنوات”.
يقول صفير أنه يعمل في القطاع منذ 50 عاما وعايش كل الازمات والحروب: “مررنا بفترات أصعب من تلك التي نمر بها راهنا امنيا واقتصاديا، ولكن لم يحصل أن استهدفوا المصارف كما يحصل حاليا، إذ رموا كرة المسؤولية كلها على القطاع. المصارف ليس لها اي دور في الشأن السياسي، فهي مؤتمنة على ودائع الناس وتساهم في تحريك النمو بالبلد عبر القروض التي توفرها لرجال الاعمال لتنفيذ مشاريعهم. فمهمة المصارف تنشيط اقتصاد البلد الذي تعمل فيه، بدليل أنه عندما نقرر الحصول على رخصة لفتح فروع لمصارفنا في الخارج يشترط علينا المصرف المركزي فيها العمل على مشاريع تفيد اقتصاداتهم، ويحرصون على ألّا تكون بلادهم أرضية للحصول على اموالها واستخدامها في دول أخرى”.
هل من امل باستعادة المصارف ثقة المودعين بها؟ يقول صفير إن “الثقة عموما متعلقة بالجو العام في البلاد وتستعاد تدريجا. كل دول العالم مرت بظروف مالية مشابهة، أما في لبنان فتم تسييس الـ”كابيتال كونترول”، وبدل ان يعالجوا الجرح تركوه ينزف. فقرار عدم سداد اليوروبوندز هو الذي أوصلنا الى هذه الازمة، إذ كيف يمكن ان يتوقفوا عن الدفع ولديهم في مصرف لبنان 50 مليار دولار؟”.
تسعى المصارف الى تأمين الاموال المطلوبة بغية الالتزام بزيادة رأس مالها بنسبة 20 في المئة بحلول شباط 2022، فعمد بعضها الى بيع وحدات لها في الخارج وخروجها من اسواق عدة، بدليل قرار 8 مصارف لبنانية عاملة في العراق إغلاق عملياتها هناك، فيما تعتزم مصارف أخرى بيع أنشطتها في مصر. ويؤكد صفير ان كل المصارف تعمل جاهدة لزيادة رأس مالها. اما بالنسبة الى التعميم 154 الذي فرض على المصارف تكوين احتياطات حرة خارجية بنسبة 3% من مجموع ودائعها بالدولار، فيرى أن “الامور تسوَّى خطوة خطوة، وذلك بعد تحضير الاجواء داخليا في البنك وخارجيا مع الزبائن”.
في الفترة الماضية اشيع عن تهريب الكثير من الودائع لسياسيين ولأشخاص “محميين” الى الخارج، وطاولت الاتهامات أصحاب المصارف، لكن صفير يؤكد أنه “لا يمكن الجزم بهذا الموضوع، عدا عن انه لا يمكن وضع جميع اصحاب المصارف في الخانة نفسها، فمنهم من هو جديد على الساحة المصرفية وبعضهم لهم باع طويل في السوق المصرفية، وهكذا… بعضهم لديه أموال خارج لبنان، وبعضهم الآخر أموالهم داخل لبنان فقط”. وفي السياق يعتبر صفير ان التخلي عن “السرية المصرفية” سيشكل ضررا على لبنان، خصوصا أنه يمكن إزالة السرية عن أي شخص يشتبه في تعاطيه تبييض الاموال، وتاليا لا حاجة للتخلي عن هذه الميزة.
سياسة خفض النفقات ترجمت بخطة لخفض عدد العاملين في القطاع، حيث تمّ التوافق مع عدد من الموظفين من الفئات العمرية الاكبر، على تقديم استقالات طوعية، مقابل الحصول على تعويضات مالية، في موازاة تسريح عدد من العاملين. ووفق صفير فإنه “قبل وقوع الازمة في لبنان كانت غالبية المصارف تعتمد سياسة التوسع في لبنان والخارج. وعلى غرار لبنان، فقد تراجعت الاوضاع الاقتصادية في الكثير من دول العالم، ما حدا بالمصارف اللبنانية الى استدعاء عدد من موظفيها من الخارج، ثم كانت مجبرة على التخلي عن عدد منهم عبر تقديم عروض عادلة لهم”.
لطالما كانت سياسة مصرف لبنان مشجعة لعمليات الدمج بهدف خنق اي أزمة يعاني منها أي مصرف في مهدها، بحيث يتم الاستحواذ عن طريق شراء المصرف الدامج موجودات المصرف المدموج ومطلوباته، أو أن يشتري المصرف الأقوى المصرف المتعثّر بكلّ عناصره. ولكن أمام الواقع الحالي، يستبعد صفير القيام بعمليات دمج في القطاع المصرفي لعدم وجود الارضية المناسبة لذلك، خصوصا أن المصارف ليست في وارد أن تتحمل تبعات مشكلات مصارف متعثرة.
ماذا عن الدولار الطالبي، خصوصا ان مصرف لبنان أكد أخيرا أن على المصارف أن تلتزم تطبيق القرار الاساسي رقم 13257 تاريخ 19/8/2020 (التحاويل للطلاب اللبنانيين في الخارج)، مشددا على جميع المصارف بوجوب التقيد الفوري بأحكامه، لكن صفير اكتفى بالقول: “المشكلة انهم استعجلوا وضع القانون من دون آلية للتنفيذ”.



