ارتدادات واقعة عكّار كحادثة متعدّدة الإنذارات (النهار 17 آب)

تُعمِّق فاجعة التليل في عكار الجراح غير المندملة في نفوس اللبنانيين مع استفحال مظاهر الانهيار التي تُصعّد من حجم نيرانها لتتحول إلى “تنّين” يقضي على ما تبقى من آمال ضئيلة في انطباعات المواطنين وتوقّعاتهم حول الغد اللبنانيّ.
وتأتي مأساة الضحايا والجرحى إثر انفجار خزان الوقود على رأس الصورة الشاحبة التي اختلطت مع دماء ضحايا انفجار الرابع من آب، على بعد أيام من الذكرى السنوية الأولى للكارثة التي حوّلت بيروت عاصمة ثكلى.
وتحمل واقعة عكار معها ارتدادات ومخلّفات تثير هواجس أكثر ثقلاً حول الواقع اللبناني عموماً، في القراءة العامة لمراقبين متضلّعين من الشؤون الأمنية توقفوا في مقاربتهم عند أكثر من معطى خلّفه انفجار عكار على الصّعد المجتمعية والسياسية.
وتكاد تتمثل أسوأ الخلاصات في مستوى الحاجة الملحّة التي باتت تربط اللبنانيين بالمواد الحياتية الأساسية، بما يتيح المقارنة بين واقعة التليل والحوادث المتنقّلة في المناطق اللبنانية نتيجة الخلافات بين المواطنين في طوابير انتظار تعبئة البنزين التي أوقعت ضحايا وجرحى محتّمةً انتشار القوى الأمنية على محطّات الوقود. وتعكس هذه الصورة تصاعد ملامح الفوضى المجتمعية التي تتضاعف مع كلّ حلقة جديدة من تردي الأوضاع الاقتصادية التي تبلغها البلاد.
ويرى خبير شمالي مخضرم في الشؤون الأمنية عبر “النهار” بأنّ الأزمات المتراكمة وصولاً إلى حادثة عكار، من شأنها أن ترسم مشاهد بداية فلتان أمني وبدء تفكّك الدولة في وقت بات لبنان يحتاج إلى معجزة للخروج من النفق المظلم. ويتخوّف من تحوّل فتيل المشاكل المعيشية والاجتماعية إلى اشتعال على مقلب طائفي أو مذهبي، خصوصاً أن ثمة من رسم ملامح قلق إزاء ما سُمع من تعابير انفعالية متقابلة على صعيد عدد من المواطنين. وقد فسّرت هذه التعابير في خانة فرز طائفيّ. وتُضاعف هذه الصورة علامات الاستفهام والمحاذير من أن تؤجّج أفكاراً تعيد البلاد إلى زمن فوضى انقسام مذهبي.
وتؤدي هذه المسائل إلى مضاعفة حجم قلق السكان المسالمين من مختلف الطوائف، فيما تعتبر منطقة التليل نموذجاً للعيش الواحد المسيحي – الإسلامي. ويضاف إلى ذلك الدور السلبي للسجالات السياسية المستجدة. وتختلط الظروف المعيشية والاجتماعية بالاقتصادية والطائفية، لترسم هواجس على الصعيد اللبناني عموماً من الوصول إلى مرحلة الأمن الذاتي. وثمة من يحذّر من زوال لبنان بمعنى التحول أكثر إلى واقع التفتّت في غياب القدرة على الانقاذ، والانتقال إلى واقع أكثر سوداوية يؤدي الى الخروج عن صلاحية الدولة، على طريقة أن تعمل كل منطقة على الانفصال حياتياً واجتماعياً وأمنياً عن غيرها نتيجة انقطاع الوقود والتحلّل المعيشي.
وهناك من يردّد أن كلّ الحلول في لبنان تأخرت، ولم تعد البلاد تحتمل ترف الوقت أو التأخير في حال لم تسلك الحكومة العتيدة طريق الولادة السريعة في غضون أسابيع قليلة، سوى الانتقال إلى الوصاية الدولية تحت الفصل السابع في غياب أي طريقة أخرى لإنتاج حلول باعتبار أن لبنان لم يعد يحتمل الإجراءات الترقيعية أو الاحتكام إلى المسكّنات. ولا يمكن إغفال أن عملية رفع الدعم عن المحروقات، رغم ضرورتها، إلا أنها ستؤدي إلى تداعيات غير محمودة في حال لم تترافق مع خطوات إصلاحية جذرية والمباشرة في الجراحة الانقاذية، إضافة إلى وضع مقاربة جديدة للأجور تفادياً لأي تفلّت معيشي يدقّ الأبواب. ويبقى سؤال الساعات الراهنة في ما إذا كان المسار السريع لولادة الحكومة سالكاً للوصول إلى خواتيم في الأيام المقبلة؟
تشير المعلومات التي تؤكّدها لـ”النهار” مصادر مواكبة عن كثب لمشاورات تأليف الحكومة إلى أن التفاهم شبه النهائي على كيفية توزيع الحقائب الوزارية على الطوائف والمذاهب، فيما بدأت الجهات المعنية بالتأليف مهمة التشاور في عملية إسقاط الاسماء على المسوّدة الحكوميّة. وترتبط التفاصيل التي تم التوافق حولها حكومياً حتى الآن بين الرئاستين الأولى والثالثة، بالاتفاق على توزيع الحقائب السيادية على المذاهب انطلاقاً من إسناد حقيبة الداخلية إلى شخصية سنية، وحقيبة المال إلى شخص من الطائفة الشيعية، فيما تذهب وزارتا الخارجية والدفاع إلى وجوه مسيحية. ووزّعت الوزارات الخدماتية والعادية على المذاهب انطلاقاً من فكرة قائمة على ضرورة عدم شعور أي مكوّن بأنّه مغبون أو حصل على ما يفوق الممكن. ويبقى الدخول في مرحلة تنقيح الأسماء على طريقة اختيار من هو ملائم، فيما يمكن أن تنتج التعديلات في عملية التسمية تغييرات في كيفية توزيع بعض الحقائب على المذاهب. ويبقى من المبكر الجزم بما يمكن أن تصل إليه الأوضاع حكومياً باعتبار أن عملية إسقاط الأسماء على الحقائب ليست بالمسألة السهلة. وتقوم المعايير التي ستتّبع في التسمية على اختيار أسماء محل توافق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، وفق الارضية التي توصّلت إليها الجهتان خلال اللقاءات بينهما، خصوصاً في ما يتعلّق بالوزارات الأساسية.
ويرتقب أن اختيار وزارة الداخلية سيحصل عبر توافق رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف على اسم شخصية سنية لتوليها، فيما سيترجم اختيار شخصية مسيحية لتولي حقيبة العدل بالتوافق بين الرئيسين. في غضون ذلك، لا تزال أسئلة تطرح حول مسار عدد من العقد المستجدّة وإذا كانت ستصل إلى سبل الحلّ، رغم ارتباط مسار التشكيل بايجابيات على مقلبي الجهتين المعنيّتين بالتأليف.


