أخبار لبنانابرز الاخبار

المقايضة بعد «فيينا» : الانقاذ الاقتصادي مقابل الترسيم «والصواريخ الدقيقة»؟(الديار 25 حزيران

كتب ابراهيم ناصرالدين في “الديار”:

وسط عودة «الشارع» الى الاشتعال، كل الحلول «الاستثنائية» تمول من «جيوب» اللبنانيين، فهم يعاقبون مرتين، اولا عبر «اذلالهم» ليقبلوا الحد الادنى من العيش الكريم، وثانيا عبر حل الازمات المفتعلة من اموالهم عبر استنزاف الاحتياطي الالزامي، هذا ما حصل بالامس من خلال الحل الموقت لأزمة المحروقات اثر تدبير غير قانوني تم تمريره في بعبدا بعد اتصالات مضنية مع السراي الحكومي، وكذلك في مجلس النواب حيث تم اقرار البطاقة التمويلية «الانتخابية» التي ستمول ايضا من «الاحتياطي». انها عملية «نهب» منظمة من قبل الطبقة السياسية نفسها حيث التخبط لا يزال سيد الموقف في ظل غياب اي مؤشرات او معطيات حول حصول تقدم في الملف الحكومي الذي سيكون «الطبق» الرئيسي في كلمة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله اليوم، وفيما تستمر الاتصالات على «خط» واحد بين «البياضة» «وحارة حريك»، وآخرها لقاء ليلي عقد مساء امس بين رئيس تكتل «لبنان القوي» جبران باسيل والحاج وفيق صفا، يعيش رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في»غربته» مراهنا على مرور الوقت بانتظار نهاية عهد الرئيس ميشال عون، ويبدو مرتاحا جداً لكل التدابير العملية المرتبطة برفع الدعم الجاري على «قدم وساق» ما يزيل عن كاهله «كرة النار» التي يواصل «الهروب» منها. وامام الرهان المتبادل بين «شريكي» الامس على الوقت للحصول على بطاقة «تأمين» لمستقبلهما السياسي، فوق «جثة» البلد المتهالكة، ثمة رهان خارجي تتكشف فصوله تباعا، يزيد من عمق الازمة ويفاقمها بهدف تحقيق مكاسب استراتيجية لم تتحقق في كل الحروب السابقة التي شنتها اسرائيل لاضعاف حزب الله.
وفي هذا السياق، كان لافتا غياب الملف اللبناني عن القمة الاوربية في بروكسيل على الرغم من زيارة الممثل الاعلى للسياسة الخارجية والامن في الاتحاد الاوروبي جوزيب بوريل عشية القمة، وقد تحدث سفير دولة اوروبية بارزة في بيروت عن عدة اسباب لعل اهمها وجود استغلال اسرائيلي جدي للازمة في لبنان ضمن استراتيجية «الردع» ضد حزب لله، وعدم قدرة الاوروبيين على احداث اي اختراق في ظل الخلاف مع الولايات المتحدة واسرائيل حول كيفية التعامل مع الازمة، ومن ضمنها كيفية مقاربة ملف حزب الله وهذا ما ساهم في فشل تعامل المجتمع الدولي مع الازمة اللبنانية التي تمضي نحو المجهول، بسبب الفساد الداخلي والانقسام الخارجي حيال هذا الملف.

«انقلاب» اميركي- اسرائيلي
ووفقا لمصادر ديبلوماسية غربية، فقد حصل انقلاب في التقييم الاميركي- الاسرائيلي حيال الفوضى المرتقبة على الساحة اللبنانية. ففي الوقت الذي كانت التقديرات تفيد بان الانهيار سيؤدي الى سيطرة حزب الله على البلاد، انقلبت الصورة قبل اشهر من اليوم وبالتحديد بعد الدخول الفرنسي على خط الازمة، وباتت القناعة لدى الاميركيين والاسرائيليين راسخة بأن انهاك حزب الله في دوامة الازمات الاقتصادية الداخلية وانفجار الاضطرابات على انواعها «ستنهكه» وتجعله يبدل اولوياته ويصبح اكثر ضعفا وتحديا على الحدود، ومن هنا يمكن فهم الاخفاق الاوروبي وخصوصا الفرنسي في ايجاد المخارج المناسبة للازمة، وقد ساهمت واشنطن على نحو مباشر في عرقلة «خارطة الطريق» الفرنسية ولم تبذل اي جهد مع حليفتها السعودية لتخفيف موقفها السلبي ازاء الساحة اللبنانية.

باريس ضد الفوضى
وفي هذا السياق، رفض الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مجاراة الرؤية الاميركية – الاسرائيلية الراغبة في تعميق الازمة. ولهذا «هادن» حزب الله وجعله جزءا من الحل وطلب مساعدته في التسوية رافضا عزله، كما لا يزال مترددا في فرض عقوبات «موجعة» على مروحة واسعة من الطبقة السياسية التي يعرف جيدا انها مسؤولة عن «الخراب» في البلاد، وذلك لوجود قناعة فرنسية بأن دخول لبنان في الفوضى لن يؤدي الى اضعاف حزب الله بل على العكس سيجعل منه «المنقذ» للكثيرين باعتبار انه الاقدر على الصمود، وهو عكس التقديرات في واشنطن وتل ابيب.

احتمالات «سيئة»
وامام هذه المعادلة تبدو الامور مفتوحة على اسوأ الاحتمالات في ظل هذا الانقسام الاقليمي والدولي حول الملف اللبناني. وفيما تبدو باريس عاجزة مع الاتحاد الاوروبي عن فرض اجندتها بفعل ارتباط غالبية وازنة من السياسيين اللبنانيين بواشنطن، تضغط اسرائيل في اتجاه اغراق لبنان اكثر بأزماته كتعويض تعتبره عادلا لخسارتها الاستراتيجية في ظل التوقعات بعودة الادارة الاميركية الى الاتفاق النووي مع ايران. ووفقا لتلك الاوساط، يعتقد الاسرائيليون ان «كسر» حزب الله في لبنان سيكون «نكسة» كبيرة لطهران تضاهي اي ارباح ممكنة في فيينا. ومن هنا سادت اجواء سلبية في الاجتماعات الاوروبية في بروكسل، بعدما تبلغ الاتحاد الاوروبي عدم وجود اي نية اميركية في الوقت الراهن لتقديم مساعدات لاي حكومة لبنانية، واستثناء الجيش اللبناني، وذلك كوسيلة ضغط على طهران من «البوابة» اللبنانية، فيما ابلغت اسرائيل عدة دول اوروبية بضرورة عدم الاندفاع نحو تقديم العون لبيروت اقله قبل تبلور صيغة التفاهمات الجديدة التي تنسجها واشنطن في المنطقة، في ظل رهانات اسرائيلية واضحة على استغلال الوضع الداخلي اللبناني لاغراق حزب الله في مستنقع من الازمات التي ستجعله مشلولا ومكبلا على الحدود الجنوبية.

ولان التوقعات في هذا السياق، ليست كبيرة بالنسبة للاسرائيليين في الحصول على مقابل بشان الصواريخ البالستية الايرانية، ترغب تل ابيب في ابقاء الضغوط القصوى على حزب الله في لبنان، لان الاعتقاد السائد والمتفق عليه مع الاميركيين هو محاولة الحصول على تنازلات في ملفات اقل اهمية بالنسبة للايرانيين، وهي مفاوضات قد تنطلق على حدة بعد حصول العودة الى الاتفاق النووي الايراني، وهنا يرغب الطرفان في الحصول على تنازلات في ملف حزب الله والاولوية تبقى التخلص من «الصواريخ الدقيقة»، وترسيم الحدود البحرية. ووفقا لمعلومات تلك المصادر، بات انقاذ لبنان اقتصاديا، المقايضة الرابحة التي ينتظرها الاسرائيليون، وينسقون بشأنها مع الاميركيين، مقابل «تقليم اظافر» حزب الله، خصوصا ان واشنطن تضع «خطوطا حمراء» امام اي عمل عسكري اسرائيلي يمكن ان يؤدي الى التدهور في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى