الوجه الآخر للبنان : الفساد يُحوّل لؤلؤة الشرق الى دولة فاشلة(الديار 14 حزيران)

كتب جاسم عجاقة في “الديار”:
شقَّ الوضع الكارثي والمأسوي الذي وصل إليه لبنان، طريقه إلى المراجع الدولية بقيادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أعلن العمل مع شركاء دوليين بهدف «إنشاء آلية تضمن استمرار الخدمات العامّة اللبنانية الرئيسية»، بعد فشل السلطة في تأمين العيش الكريم بحدّه الأدنى لمواطنيها.
هذا الإعلان يُعد تصريحا تمهيديا للمجتمع الدولي بتحول لبنان إلى دولة فاشلة و»هيئة سياسية تفككت إلى درجة لم تعد فيها الشروط والمسؤوليات الأساسية لحكومة ذات سيادة تعمل بشكل صحيح» إذ عجز نظام الحكم القائم عن تأمين أبسط الحاجات الأساسية لمواطنيه.
يُحدّد صندوق الـ « Fund for Peace» الدولة الفاشلة بالخصائص الآتية:
أولا – فقدان السيطرة على أراضيها، أو فقدان احتكار الاستخدام المشروع للقوة– أي عدم قدرة الحكم على بسط سلطته على أراضي الدولة وتطبيق القوانين المرعية الإجراء؛
ثانيًا – تآكل السلطة الشرعية في اتخاذ القرارات الجماعية؛
ثالثًا – عدم القدرة على تقديم الخدمات العامة؛
رابعًا – عدم القدرة على التفاعل مع الدول الأخرى كعضو كامل العضوية في المجتمع الدولي.
ويُضيف صندوق الـ Fund for Peace أن الخصائص المشتركة للدولة الفاشلة تشمل أيضًا «حكومة مركزية ضعيفة أو غير فعالة لدرجة أنها لا تستطيع جبي الضرائب أو تقديم أي دعم آخر، وليس لديها سيطرة عملية تذكر على الكثير من أراضيها، وبالتالي هناك عدم توفير للخدمات العامة». من هنا يؤسّس فشل الدولة لوجود أرضية خصبة «للفساد والإجرام على نطاق واسع، وتدخل الجهات الحكومية وغير الحكومية، وظهور اللاجئين والحركة غير الطوعية للسكان، والتدهور الاقتصادي الحاد، والتدخل العسكري من داخل وخارج الدولة المعنية».
ومع مرور الوقت وتطوّر الأبحاث الأكاديمية، ظهر إلى العلن مقاييس كمّية تسمح بوصف أكثر دقة للدول الفاشلة نتج منها مؤشر للدول الفاشلة (Failed States Index) المكون من المؤشرات الآتية:
إجتماعية: تصاعد الضغوط الديموغرافية والصراعات القبلية والعرقية و/أو الدينية؛ نزوح جماعي داخلي وخارجي للاجئين، وخلق حالات طوارئ إنسانية شديدة؛ انتشار المظالم الجماعية الساعية للانتقام؛ وهجرة بشرية مزمنة ومستمرة.
إقتصادية: تفشي الفساد؛ تفاوت إقتصادي مرتفع؛ التنمية الاقتصادية غير المتكافئة على طول خطوط المجموعة؛ وتدهور إقتصادي حاد.
سياسية: نزع الشرعية عن الدولة؛ تدهور الخدمات العامة، تعليق القانون أو التطبيق التعسفي؛ إنتشار إنتهاكات حقوق الإنسان، عمل قوات الأمن «كدولة داخل دولة» في كثير من الأحيان مع الإفلات من العقاب؛ صعود النخب المنقسمة؛ وتدخل الوكلاء السياسيين الخارجيين والدول الأجنبية.
ولعل المتأمل لهذه التوصيفات يرى أنها تكاد تطابق الواقع اللبناني إلى حد كبير ولكن تحت مسميات أخرى في بعض منها لا سيما في الشق الاجتماعي.
مؤشر هشاشة الدولة اللبنانية بحسب تصنيف الـ Failed State Index يُشير إلى أن لبنان مرّ بمرحلة خطرة في العام 2008 – خلال أحداث 7 أيار 2008 – حيث احتل المرتبة 18 على 179 دولة (المرتبة الأولى أي 1 تكون للدولة الأكثر فشلا)، ليُعاود المؤشر تراجعه ويحتل لبنان المرتبة 40-46 حتى العام 2020. وفي العام 2021، إحتل لبنان المرتبة 34 بناء على التقرير الصادر في أيار 2021، والجدير ذكره أنه يتوقع لمؤشر العام الحالي أن ينخفض بشدة عن العام الماضي والتقرير يتم نشره في أيار من كل عام.
هذا المؤشر يُعطي لمحة عن واقع الدولة ويتمّ وضعه في سلسلة زمنية تسمح بملاحقة تطوّر الأمور كما يظهر على الرسم.
من هنا يأتي إعلان الرئيس الفرنسي ماكرون كإستباق لتردّي الوضع خلال هذا العام وبحسب توقّعاتنا، فإن لبنان سيكون في المراتب العشر الأولى في العام المُقبل من ناحية الفشل حيث سيكون هناك عجز شبه كامل للدولة على كل الأصعدة وعلى رأسها الشؤون المالية والضريبية والخدمات العامة. والأصعب في الأمر أن عجز الحكومة سيشمل الأجهزة العسكرية والأمنية التي تسعى بعض الدول مثل فرنسا وإيطاليا وغيرهما من الدولة إلى دعمها بمساعدات من خلال مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني (بالدرجة الأولى).
على كل الأحوال، فشل الدولة سيُترجّم بانخفاض كبير في مستوى المعيشة (Social Dumping) وحتى الوصول إلى العجز عن تأمين المواد الغذائية والأدوية والخدمات الطبية والكهرباء والمحروقات وهنا لُبّ المبادرة الفرنسية.
بالطبع كل هذا يعود إلى الفساد الذي ومنذ اتفاقية الطائف عام 1989 والتي وضعت حدّا للحرب الأهلية، سُمح لأمراء الحرب بوضع «بيضهم» في القطاع العام وأصبحت الدّولة العميقة بين أيديهم تعمل بحسب أجنداتهم، وتُسيّر الدولة كما يشاؤون ولعل أقوى مثال على ذلك، الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية مدّة 12 عامًا مع اعتمادات من خارج الموازنة أو إقرار الموازنات من دون قطوعات حساب!
ولقد انطبق هذا الأمر على جميع المؤسسات العامة بلا استثناء، وما نشهده اليوم حصادا لزرع الأمس، ولعل أبرز ثمارها بروز دولة التجار الفاسدين في حصونهم ودولتهم المالية الاحتكارية التي حرّمتها الأخلاق والأديان! أولم يرد في الحديث الشريف، «الجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ»؟


