البطاقة التمويلية رهن بتأمين التمويل بعيداً من الاحتياط الإلزامي…

كتب موريس متى في “النهار “:
مشروع القانون المعجل الذي وقعه وزير المال في حكومة تصريف الاعمال غازي وزني والهادف الى إقرار البطاقة التمويلية، سلك مسار الحصول على تواقيع رئيسي الجمهورية والحكومة ووزيري الاقتصاد والتجارة والشؤون الاجتماعية ليحطّ في نهاية المطاف في المجلس النيابي.
كرة النار هذه أصرت الحكومة على نقلها من ملعبها الى المجلس النيابي، الذي ستكون له الكلمة الفصل لتحديد آلية تمويل هذه البطاقة. ومع انحسار مصادر التمويل، تتجه الانظار الى الاحتياط الالزامي العائد للمصارف والمودع أمانة لدى مصرف لبنان، ما دفع البعض الى مطالبة كل المودعين في المصارف بالتقدم بطلبات حجز احتياطي على الاحتياط الإلزامي أمام دوائر التنفيذ المختصة؛ وذلك استباقاً لما يمكن أن تقوم به السلطة من سطو على أموال الناس.
وتؤكد مصادر متابعة لمشروع قانون إقرار البطاقة التمويلية وطلب فتح اعتماد استثنائي لتغطية تمويلها، ان الخيارات المتاحة محدودة جدا لا بل معدومة، باستثناء اللجوء الى مصرف لبنان، بمعنى آخر إيجاد الآلية القانونية اللازمة للسماح للبنك المركزي بأن يستخدم جزءا من الاحتياط الالزامي لتمويل البطاقة، على ان يتم إدراج هذه الاموال ضمن موازنة العام 2021 على شكل اعتماد إستثنائي إنطلاقا من المادة 12 من قانون المحاسبة العمومية. وتعتبر مصادر متابعة لمسار البطاقة التمويلية، ان الاستمرار بالآلية الحالية للدعم يكلف سنويا نحو 5.2 مليارات دولار، أما في حال ترشيد الدعم وإقرار البطاقة، فالكلفة الاجمالية السنوية للدعم تصل الى 3.5 مليارات دولار.
هذه البطاقة التي سيستفيد منها ما يقارب 750 الف أسرة لبنانية بقيمة 137 دولارا شهريا، لمدة سنة واحدة، تُدفع بالدولار الاميركي، يشوبها العديد من المشاكل والمعوقات التي ستؤخر إقرارها. فمن أبرز المعوقات، اضافة الى مصادر التمويل، تعود الى الواجهة معضلة الآليات التي جرى اعتمادها لتحديد العائلات التي ستستفيد منها، حيث اوكلت هذه المهمة الى وزارة الشؤون الاجتماعية، مع العلم أن نسبة الفقر في لبنان قد تتخطى 60%، ما يعني ضرورة إعادة النظر بعدد العائلات التي ستستفيد من البطاقات التمويلية. وتُطرح أيضا تساؤلات حول الآليات والمعايير التي اعتُمدت لتحديد هذه الاسر، وكيفية اختيارها. أما النقطة الاهم فهي توقيت إقرار البطاقة والانتهاء منها توازيا مع رفع الدعم. فرئاسة الحكومة ترفض رفضا قاطعا رفع الدعم قبل إقرار البطاقة، فيما أموال الدعم جفت ومصادر تمويل البطاقة لم تؤمَّن بعد، فكيف ستكون عواقب رفع الدعم غير المنظم في غياب بطاقة تمويلية تحد بعض الشيء من التبعات الكارثية؟
في اجتماع عقد منتصف الاسبوع في السرايا الحكومية بحضور حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وخصص للبحث في البطاقة، علمت “النهار” ان سلامة نقل الى الحاضرين رفض المجلس المركزي لمصرف لبنان المسّ بالاحتياط الالزامي لتمويل اي خطة للدعم او البطاقة التمويلية، فهذه الاموال تعود للمودعين وقد وضعتها المصارف أمانة لدى البنك المركزي. والبنك المركزي في حال قرر استعمالها، فستكون في اتجاه وحيد هو ردها الى المصارف على ان تقوم بتسديدها للمودعين. وتلفت مصادر مصرف لبنان الى انه يبحث في خفض نسبة الاحتياط الالزامي من 15% الى 12% او حتى 10% ما يسمح له بتحرير ما بين 3 مليارات الى 5 مليارات دولار، يعول عليها للإلتزام بتطبيق قانون “الكابيتال كونترول” في حال إقراره، تحديدا لناحية تحرير جزء من ودائع المودعين بالدولار الاميركي النقدي، والالتزام بما سيرد في اي قانون ينظم التحاويل والسحوبات. وتتساءل المصادر: كيف يعقل البحث في تمويل بطاقة من أموال المودعين؟ وكيف يمكن استعمال الاحتياط الالزامي العائد للمودعين لتمويل بطاقة تستفيد منها عائلات، عدد كبير منها ليس لديه حسابات في المصارف؟ فالسلطة التنفيذية مسؤولة عن تأمين الاموال من مؤسسات دولية ودول مانحة لتمويل البطاقة. كما علمت “النهار” ان البنك الدولي مستعد ل#تأمين التمويل لخطة مدروسة تعود الى البطاقة التمويلية، شرط التعاطي مع حكومة غير مستقيلة، وعليها اتخاذ تعهدات والتزامات، وهنا يعود المثال المصري الى الواجهة. فمصر وخلال اشهر قليلة، إستطاعت رفع الدعم عن قطاعات حيوية بالتوازي مع إقرار بطاقات تمويلية وتموينية، ممولة من مؤسسات دولية على رأسها البنك الدولي، ضمن برنامج شفاف وصريح، والاهم تحت رقابة البنك الدولي، ما ساهم بنجاحه وخفف التبعات الاجتماعية لرفع الدعم.
بالعودة الى ملف الدعم، بين الرفع والترشيد، فمسار الامور ان اموال الدعم نفدت كما كان متوقعا مع حلول شهر حزيران، خصوصا بعد الآلية الجديدة التي يفرضها مصرف لبنان على المستوردين لناحية الحصول على الموافقة المسبقة غير الملزمة التي يجب ان يعطيها “المركزي”، فيما علمت “النهار” ان حاكم مصرف لبنان طلب من المديريات المعنية في “المركزي” إجراء نوع من الجردة على كل الطلبات المقدمة حاليا، والتي تمت الموافقة عليها، لمقاربة قيمتها الاجمالية بما تبقّى من احتياط بالعملات الاجنبية بعد حسم الاحتياط الالزامي، لمعرفة الرقم الفعلي للإحتياط المتبقي بالعملات الاجنبية التي يمكن ان يستفيد منها “المركزي” لتغطية الدعم، فيما المعلومات تؤكد ان ما تبقى لا يتخطى 300 مليون دولار.
وكما بات معروفا، فدعم السلة الغذائية أصبح محصورا بسلع لا يتخطى عددها العشر، اضافة الى استمرار دعم القمح ومكونات الخبز، ما يكلف سنويا حوالى 186 مليون دولار. أما بالنسبة الى المحروقات، فالمعلومات تؤكد استمرار التقنين في فتح الاعتمادات في المرحلة المقبلة، ما يعني حصر الاعتمادات بباخرة او باخرتين بالحد الاقصى اسبوعيا، اي استمرار تقنين مبيع المحطات للمواطنين، وصولا الى التوقف عن الدعم خلال اسابيع. ورغم التأكيد على استمرار دعم الفيول لمؤسسة كهرباء لبنان، الا ان المعلومات تفيد بان فتح الاعتمادات سيكون بـ”التقنين” ايضا، ما يدفع مؤسسة كهرباء لبنان الى خفضٍ اكثر لساعات التغذية لتوفير استهلاك الفيول والغاز اويل.
وأمس وقع وزير المال غازي وزني 4 اعتمادات بقيمة 62 مليون دولار لشراء الفيول و”الغاز أويل” لمؤسسة كهرباء لبنان، وهذه الاعتمادات سترسل تباعا إلى مصرف لبنان للبت النهائي بدفعها.
قضية دعم الدواء والسجال الدائر بين مصرف لبنان ووزارة الصحة التي تعمل على تنظيم اللوائح وفق أولويات الأدوية والحليب المقطوعة والمخزنة عند المستوردين، من أهم الملفات التي لم تسلك طريق الحل بعد. فوزير الصحة الذي كان أكد ان مصرف لبنان سيبت الملفات العالقة لديه ما يدفع المستوردين الى توزيع ما لديهم من مخزون، تعود المصادر لتؤكد ان وزير الصحة تحدث عن ملفات سيتم بتها بقيمة 180 مليون دولار، فيما “المركزي” سيوافق على طلبات بقيمة لا تتخطى 130 مليون دولار، وقد تكون الموافقات الاخيرة مع نفاد اموال الدعم. والاهم المعلومات التي تشير الى ان هذه الملفات تعود فقط لأدوية الامراض المستعصية وبعض ادوية الامراض المزمنة المفقودة من الاسواق، اضافة الى حليب الاطفال، ما يعني استمرار ازمة الدواء وتقنين المبيع في حال وُجد.
الفارق في سعر الصرف غير المستقر
تشير مصادر مصرفيّة رفيعة مواكبة لـ”النهار” إلى أنّ المعضلة الأساسيّة التي تغيب عن بال كثر في موضوع البطاقة التمويليّة، تكمن في الجهة التي ستتحمّل الفارق في سعر الصرف، باعتبار أنّ كلفة مشروع البطاقة تقدّر بنحو مليار ومئتي مليون دولار. وإذا حصل فتح الاعتماد على أساس سعر صرف 1500 ليرة، في وقت تشكّل البطاقة التمويلية عبارة عن عملية دعم للمواطن اللبناني، فإنّ مصرف لبنان عندئذٍ سيتحمّل الخسائر المكبّدة.



