حسابات العملات الأجنبية عرضة لـ Haircut بنسبة 60% … ما مصير الودائع في المصارف؟

كتبت سلوى بعلبكي في “النهار “:
مع تخطي سعر صرف الدولار عتبة الـ 11 ألف ليرة، وما رافقه من احتجاجات شعبية في المناطق اللبنانية، ومع تدهور عامل الثقة لا سيما في أعقاب تعثر الدولة في سداد التزاماتها بالعملات الأجنبية في شهر آذار من العام 2020، وفي خضم التحديات الجمة التي نواجهها اليوم والتي قد تكون الأشد وطأة منذ تاريخ تأسيس لبنان، بات الشأن الاقتصادي، بكل محاوره، حديث الساعة ومحور اهتمام كافة أطياف المجتمع اللبناني، خصوصا مع غياب أي خطط اقتصادية قد تضع الحلول على السكة.
من هنا، وفي ظل هذه الأوضاع المعاكسة، شهد القطاع المصرفي ظروفا تشغيلية صعبة منذ الفصل الأخير من العام 2019، تكبد فيها القطاع خسائر بقيمة 2.9 ملياري دولار في العام 2020، بعدما انكمشت الودائع المصرفية بمقدار 35 مليار دولار خلال العامين 2019 و2020 (بتراجع قيمته 15 مليار دولار في العام 2019 و20 ملياراً في العام 2020)، ليبلغ إجمالي الودائع المصرفية في لبنان 139 مليار دولار في نهاية 2020، تستحوذ فيها الودائع بالعملات الأجنبية على ما نسبته 80% (أو 112 مليار دولار).
في هذا السياق، وفي ظل الإجراءات الصارمة التي انتهجتها المصارف تدريجا منذ تشرين الأول من العام 2019 لناحية تطبيق القيود على المودعين وتنظيم عملية السحوبات وخروج الرساميل على نحو لا يستنفد ما تبقّى من سيولة في القطاع، كثرت تساؤلات اللبنانيين حول مصير ودائعهم في المصارف، خصوصا في ظل الغياب الفاضح لأي خطط اقتصادية واضحة المعالم حتى الساعة، علما بأن الودائع المصرفية بالعملات الأجنبية هي اليوم عرضة لعملية Haircut غير مباشرة بنسبة 60% من جراء عملية سحبها بالليرة اللبنانية على سعر صرف المنصة الالكترونية، أي 3,900 ليرة للدولار، في حين أن سعر صرف الدولار في السوق السوداء قد تجاوز عتبة الـ 11 ألف ليرة، وفق ما يقول رئيس قسم الأبحاث لدى اتحاد البورصات العربية الدكتور فادي قانصو لـ “النهار”. ولكن هل ستكون الودائع المصرفية عرضة لعملية اقتطاع مباشرة في المديين المتوسط والطويل؟
في الواقع، “لا إجابة بيضاء أو سوداء حتى الساعة، فالوضع “التشاؤلي” الرمادي القائم حاليا يضعنا في خانة الترقب لما ستؤول إليه الأوضاع المحلية في الأشهر القليلة المقبلة، حيال معالجة بعض المسائل الجوهرية، قبل أي شيء، لتحديد مسار البوصلة المالية والمصرفية وتحديداً مصير الودائع، خصوصا في ظل الترابط الوثيق بين الاقتصاد الكلي والدولة والمصرف المركزي والمصارف”، وفق قانصو الذي يشير إلى أن ما يوازي 75% من ودائع القطاع المصرفي بالعملات الأجنبية موظفة لدى القطاع العام، وهي موزعة بين سندات يوروبوندز بقيمة 9 مليارات دولار وودائع لدى مصرف لبنان (بمثابة شخص معنوي معني بالقطاع العام) بقيمة 75 مليار دولار، وتاليا تقع على عاتق الدولة اللبنانية المسؤولية الأبرز لناحية ضرورة الإيفاء بالتزاماتها وتعهداتها تجاه الدائنين، بما من شأنه أن يعزز وضعية السيولة لدى المصارف مع قيام الدولة بسداد جزء من السيولة المستحقة للمصارف، وتاليا تعزيز قدرة الأخيرة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المودعين. من هنا، يرى قانصو انه “ينبغي على الدولة الشروع في إرساء استراتيجية إصلاحية منشودة تتمحور حول استعادة عامل الثقة من خلال برنامج مع صندوق النقد الدولي يشمل الإصلاحات الهيكلية والمالية المطلوبة لاستقطاب الدعم الخارجي وتحرير مساعدات مؤتمر “سيدر”، ومن ثم البدء بمفاوضات جدية مع حاملي سندات اليوروبوندز السيادية وبرمجة السداد على المدى الطويل، بعد تقييم جدي لحجم الخسائر أو الفجوة المالية من خلال رؤية مشتركة للخسائر المالية والمرتقبة، والتركيز في ما بعد على توزيع هذه الخسائر بين مختلف العملاء الاقتصاديين من دولة ومصرف مركزي ومصارف بعدالة وإنصاف لتحرير جزء من أموال المودعين من دون التطرّق إلى إجراء Haircut. إذ من المعلوم أنه في حال تعثر المدين (أي القطاع العام)، لا يجوز التوجه نحو الدائن (أي المودع) والقيام بعملية اقتطاع على موجوداته، إنما يجب تقييم ما يملك هذا المدين من موجودات قادر على تسييلها للإيفاء بتعهداته وسداد ديونه”.
هذا على صعيد الدولة، اما على صعيد القطاع المصرفي فيقول قانصو “ان عليه تكثيف جهوده لناحية إعادة الهيكلة لتعزيز مكانته المالية وقدرته على جبه الضغوط. ففي ظل وجود قطاع مصرفي يتجاوز بموجوداته ثلاث إلى أربع مرات حجم الناتج المحلي الإجمالي، من الطبيعي القول بأن بُعد القطاع المصرفي اللبناني ضخم مقارنة ببُعد الاقتصاد الوطني. من هنا، فإن إجمالي موجودات القطاع المصرفي في لبنان يجب أن يتقلص إلى نحو النصف، بُعيد إعادة الهيكلة، وذلك تماشيا مع الحاجات التمويلية للاقتصاد الوطني. كما على القطاع المصرفي تعزيز رساميله وسيولته تحديدا. من هنا تبرز أهمية التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان والتي تتطلب تعزيز الرساميل بنسبة 20% وتكوين سيولة في حسابات خارجية لدى المصارف المراسلة بنسبة 3% من الودائع بالعملات الأجنبية”.
الى ذلك، يشدد قانصو على “أهمية توحيد إجراءات ضبط حركة الأموال بموجب مشروع قانون Capital Control، من أجل ضمان معاملة عادلة ومنصفة لجميع الزبائن وخفض الاستنسابية بين المصارف، مع وضع ضوابط موقتة تشكل في الوقت نفسه حماية لحقوق المودعين وتعزيزا لقدرات المصارف على القيام بواجباتها، ومع حرية التصرف بالتحويلات الجديدة الواردة من الخارج من دون أي قيود لإعادة الثقة تدريجا في القطاع المالي”. ويؤكد ان “مصير الودائع المصرفية مرتبط بشكل أساسي بصحة القطاع المالي ومتانته، وصحة القطاع المصرفي مرتبطة بضرورة البدء الفوري ببروتوكول علاجي شامل ومتكامل يبدأ باستعادة تدريجية لموجوداته التي هي بمعظمها مطلوبات من القطاع العام، بالتزامن مع إعادة رسملته وتعزيز السيولة الطازجة، حينها فقط يمكن القول بأنه لا يزال هناك إمكانية للحفاظ على أموال المودعين في المصارف وحتى بالعملات الأجنبية، إلا أن المدة الزمنية اللازمة لحصول المودعين على أموالهم ستكون تدريجية على المدى المتوسط والطويل، وهي مرتبطة بشكل رئيسي بحجم الوديعة، فالودائع الصغيرة قد تتطلب فترة زمنية قصيرة نسبياً لاستعادتها بالكامل، إنما الودائع الكبيرة قد لا يتمكن المودع من استعادتها خصوصا بالعملات الصعبة خلال فترة قصيرة”.
يشار الى أن ما يملكه لبنان من مخزون استراتيجي بالعملات الأجنبية يقدر بنحو 35 مليار دولار (من احتياطات أجنبية لدى مصرف لبنان بحدود 17 مليار دولار واحتياط ذهب بحدود 18 مليار دولار)، أي ما يغطي حوالى ثلث الودائع المصرفية بالعملات الأجنبية، أو نسبة 97% من حسابات المودعين في لبنان، ما يعني أن نحو 5% من المودعين (وهي الحسابات التي تفوق قيمتها 200 ألف دولار) يستحوذون على أكثر من 75% من الودائع بالعملات الأجنبية في القطاع المصرفي، في حين أن أقل من 2% فقط من المودعين (وهي الحسابات التي تفوق قيمتها 500 ألف دولار) يستحوذون على ما نسبته 57% من كتلة الودائع بالعملات الأجنبية.
لا يفصل قانصو بين مستقبل القطاع المصرفي في لبنان ومستقبل الاقتصاد الوطني عموما. وبما أننا لم نعد نملك ترف الوقت في ظل الاستنزاف المستمر في احتياطات مصرف لبنان وتداعياته الخطيرة على دعم السلع الأساسية وسعر الصرف ونسب تضخم الأسعار والقدرة الشرائية للأسر، فإن رحلة السقوط الحر للاقتصاد اللبناني الباحث عن مظلة دعم خارجي، قد تنتهي بارتطام عنيف في قعر الأزمات المتراكمة منذ عقود، حينئذ فإن الخسائر المالية المرتقبة قد تتفاقم بشكل سريع، وتاليا قد لا يكون هناك مفر من الاقتطاع المباشر على الودائع المصرفية، والتجارب لدول متعثرة كانت قد سبقتنا إلى هذا النفق المظلم، وتحديدا قبرص، ما زالت ماثلة أمامنا، فهل تكون عبرة لمن لم يعتبر بعد؟



