تثبيت سعر الصرف مستحيل … وماذا عن مصير الودائع والقروض ؟

كتبت بولا عطية في “الديار “:
أحدث تصريح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لـ «فرانس 24» ضجة كبيرة، بعد ان نقلت بعض وسائل الاعلام أنّ «عصر تثبيت سعر الصرف انتهى ونتجه نحو سعر صرف معوم يحدده السوق». ليعود ويوضح الحاكم من خلال وكالة «رويترز» ان كلامه «فهم أو ترجم خطأ وان ما قصده كان ان أي تعويم للعملة سيعتمد على مفاوضات مع صندوق النقد الدولي».
في هذا الإطار ذكّر الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان في حديث لصحيفة «الديار» انّ «مصرف لبنان تخلى عن سياسة التدخل في سوق القطع (أي سوق الصرف وتثبيت سعر الصرف) منذ شهر أيلول 2019 بعد ان بنى سياساته منذ العام 1997 وحتى الـ 2019 على تثبيت سعر الصرف على 1500، ليتعهد فيما بعد بدعم السلع الأساسية وهي الطحين والأدوية والمحروقات، اما باقي السلع من خضار وأدوات كهربائية الخ… فأصبح سعرها محرراً وفق سعر صرف السوق السوداء»، ويوضّح ان «حديث الحاكم عن تحرير سعر الصرف يعني انه لن يعود بإمكانه دعم السلع الأساسية كالقمح والطحين والأدوية». وهو ما حذّر منه سلامة منذ أكثر من 4 أشهر، وبالتالي سعر هذه الأخيرة سيرتفع وفق سعر الصرف في السوق السوداء.
يشرح الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان أنّه «يتم تثبيت سعر الصرف من خلال تكديس العملات الأجنبية عبر الاستثمارات الخارجية المباشرة والتي أصبحت معدومة في ظل الوضع الاقتصادي والأمني للبلاد، او عبر السياحة والتي تضررت بسبب جائحة كورونا، او عبر تحويلات أموال المغتربين من الخارج الى لبنان والتي انخفضت في الفترة الأخيرة بسبب خوف هؤلاء من تحويل الأموال من خلال المصارف، وأخيرا عبر التصدير الى الخارج، الا أن المصدرين يضعون أموالهم في مصارف في الخارج لعدم ثقتهم بالمصارف اللبنانية، وبالتالي مصادر العملات الأجنبية أصبحت شبه معدومة ما سيصعب عملية تأمين عملات صعبة لتثبيت السعر. وبحديثه أمس، مهّد سلامة الطريق لتأكيد انّ الليرة لم تعد بخير ولن تعود الى سعر الصرف القديم 1500 ليرة للدولار الواحد».
ما مصير القروض والودائع؟
«تطرح مسألة تحرير سعر الصرف أسئلة واشكاليات عديدة»، يقول أبو سليمان. «أولها مصير القروض بالدولار حيث كانت تدفع بالليرة اللبنانية على سعر صرف الـ 1500 ليرة بالتجزئة فوفق أي سعر صرف سيتم تسديدها الآن؟
من جهة ثانية، يسال أبو سليمان، ما مصير الودائع في المصارف؟ فهذه الأخيرة تصرّف وفق سعر صرف المنصة أي على الـ 3990 ليرة للدولار الواحد فكيف سيتم تصريفها بعد تحرير سعر الصرف؟
اما الإشكالية الثالثة بحسب أبو سليمان فهي في ميزانية الدولة اللبنانية، حيث انه يتوجب على الدولة دفع سندات الدين «اليوروبوند» لدائنيها وهذا السندات بالدولار فوفق أي سعر صرف سيتم احتسابها وما مصير العجز في ميزانية الدولة الذي من الطبيعي ان يرتفع بنسب جنونية 3 و4 اضعاف حجمه الحالي!
إعادة تثبيت سعر الصرف مستحيلة… فما مصير الدولار؟
يرى الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان أنّه «يستحيل اليوم تثبيت سعر الصرف على الـ 1500 كما كان او على أي رقم آخر دون تأمين احتياط بالعملات الأجنبية والقيام بالإصلاحات المطلوبة وإعادة تفعيل المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد الدولي. إذا دون هذه الشروط يستحيل ان يصحح الدولار مساره وهو بالتالي ذاهب الى المزيد من الارتفاع».
ويفسّر أبو سليمان انه «بعلم الاقتصاد والمال هناك الأسس والتقنيات، وبحسب الأولى كل المؤشرات الاقتصادية سلبية وبالتالي ما من محفز للثقة بالعملة الوطنية، اما بحسب الثانية هناك طلب اكثر من العرض لوجود مشكلة بنيوية وهي أننا نستورد أكثر مما نصدّر، فاقتصادنا «مدولر» وميزاننا التجاري يعاني من عجز كبير، ما اوصلنا الى بيع الليرة لشراء الدولار»، مضيفا انّ «كل الإجراءات والسياسات التقنية لم تحقق الهدف المنشود، فطبع المزيد من العملة الوطنية أدى إلى تضخم مفرط، أما تحديد سعر المنصة فلم يؤدي غرضه المطلوب فيما الحل البديل كان بمحاولة منع خروج الدولارات من البلد بالدرجة الاولى ووضع كابيتول كونترول مع التدقيق بدفاتر الفواتير».
مع تفاقم الازمة في لبنان، تضح حقيقة الواقع المالي والنقدي أكثر فأكثر، ومع كل تأخير في تشكيل الحكومة وتطبيق الإصلاحات تمهيدا للتفاوض مع صندوق النقد، يغرق البلد كسفينة تايتانيك على أنغام وعود السياسيين الفارغة.



