ابرز الاخبارمن العالم

رهان على مقررات COP31: موجات الحر البحرية تهدّد الاقتصاد الأزرق!

حين ترتفع حرارة البحر، التغيّرات التي تصيب الكائنات البحرية تمتد إلى دخل الصياد، وكلفة الاستزراع السمكي، وجاذبية مواقع الغوص. ومع ازدياد الاهتمام العربي بـ “الاقتصاد الأزرق”، هل تُبنى المشروعات الساحلية على افتراض أن البيئة البحرية ستبقى شبيهة بما عرفناه خلال العقود الماضية؟

أهمية القضية: موجة الحر البحرية تعني فترة تكون فيها حرارة المياه مرتفعة بصورة غير معتادة مقارنة بمناخ المنطقة والموسم. وهي تختلف عن وصف البحر بأنه دافئ بطبيعته. لذلك يمكن أن يتعرّض نظام بيئي متكيّف مع مياه حارّة لإجهاد إضافي عندما يتجاوز الاحترار حدود التفاوت الذي اعتاده.

ماذا تقول الدراسة الجديدة؟

بحث نُشر في دورية “إيرثز فيوتشر” في 28 تشرين الأول/أكتوبر المنصرم استخدم 21 نموذجاً من نماذج نظام الأرض لدراسة تغيّر موجات الحر البحرية. ووجد أن نحو 48% من المحيط العالمي أظهر اتّجاهات ذات دلالة إحصائية في عدد أيام هذه الموجات وتكرارها، قياساً إلى فترة مرجعية بين 1985 و2014.

ويتوقّع البحث أن تشهد نصف مساحة المحيطات تقريباً ظروف موجات حر بحرية خلال نصف أيام السنة على الأقل بحلول منتصف القرن. هذه نتيجة عالمية تعتمد تعريفاً وخطاً مرجعياً محدّدين؛ ولا تعني أن نصف المحيط سيغلي، أو أن كل ساحل عربي سيواجه المسار نفسه في الموعد ذاته. وتحتاج التقديرات المحلية إلى بيانات أدق.

كما أن الحديث عن تحوّل مستمر في خصائص الموجات لا يساوي انعدام التقلّبات الطبيعية أو استحالة تبريد مؤقّت. المقصود أن المناخ البحري يتغيّر مقارنة بالتاريخ الذي اعتُمد للقياس. وهذه نقطة أساسية لتجنّب عناوين توحي بحالة متجانسة ودائمة في جميع البحار، بينما تختلف سرعة التغيّر المناخي والآثار بين المواقع والأنواع.

المرجان جرس إنذار اقتصادي

أفادت بيانات الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي بأن إجهاداً حرارياً بمستويات قادرة على إحداث ابيضاض أصاب نحو 84.4% من مساحة الشعاب المرجانية العالمية بين مطلع 2023 ونهاية أيلول/سبتمبر 2025. وسُجّل ابيضاض واسع في 83 دولة وإقليماً على الأقل. هذه قياسات لفترة محدّدة، وليست نسبة الشعاب التي ماتت.

ويحدث الابيضاض عندما يفقد المرجان الطحالب التكافلية التي تمدّه بجزء مهم من غذائه ولونه. وقد يتعافى إذا تحسّنت الظروف، فيما يزيد استمرار الإجهاد احتمال النفوق. لذلك ينبغي الفصل بين التعرّض للحرارة والابيضاض والموت الفعلي، وعدم تحويل المؤشرات العالمية إلى حصيلة محلّية من دون رصد ميداني.

ومن منظور اقتصادي، يستحق هذا التمييز اهتمام المستثمرين. فتدهور موقع غوص محتمل يطرح أسئلة عن إيرادات الرحلات، وتكاليف الحفاظ على البيئة، وبدائل النشاط السياحي. لكنه لا يسمح بتقدير خسارة مالية عربية موحّدة من الرقم العالمي وحده. الحساب الجاد يحتاج إلى معرفة اعتماد كل وجهة على الشعاب، وعدد الزائرين، والإنفاق المرتبط بها.

التكيّف يبدأ بقياس المخاطر

بالنسبة إلى الصيد، ينبغي متابعة تغيّر الأنواع وتوزّعها وتوقيت وجودها إلى جانب حرارة المياه. وقد تتأثّر المصايد كذلك بالصيد الجائر والتلوّث وتغيّر الموائل، ما يستدعي الحذر قبل نسبة انخفاض محصول بعينه إلى الحرارة وحدها. أما الاستزراع السمكي فيحتاج تقييم ملاءمة الموقع والأنواع، وكلفة المراقبة والاستجابة لفترات الإجهاد.

وتستطيع الحكومات والمشغّلون إدخال السيناريوهات المناخية في دراسات الجدوى، وتطوير إنذارات بحرية، وربط الرصد العلمي بقرارات التشغيل. كما أن خفض الضغوط المحلية، مثل تصريف الملوّثات وتدمير الموائل، يستحق الأولوية لأنه يحدّ من أعباء يمكن التحكّم بها، حتى حين يتعذّر منع موجة حر عابرة.

ومن المفيد أن تنشر الجهات المشرفة مؤشرات يمكن مقارنتها عبر الزمن، مثل أيام الإجهاد الحراري وحالة الموائل والتغيّر في المصيد. وينبغي عرض هذه البيانات مع حدودها، لأن زيادة الرصد قد تكشف أضراراً لم تكن موثّقة سابقاً. أما غياب البيانات فلا يثبت سلامة الموقع، كما لا يبرّر افتراض انهياره. المطلوب تقليل هذا الغموض قبل الالتزام باستثمارات يصعب تعديلها لاحقاً أو نقلها.

النتيجة الاستثمارية واضحة: لا تكفي جودة الشاطئ اليوم لتقدير قيمة مشروع يستمر عقوداً. ينبغي أن تتضمّن الحسابات كلفة حماية المورد الطبيعي واحتمالات تغيّره، مع الإفصاح عن حدود المعرفة. فالبحر أصل اقتصادي حي، وقيمته ترتبط بسلامة أنظمته البيئية. وكلما أُدرج هذا الواقع مبكراً في التخطيط، أصبحت قرارات السياحة والصيد والبنية الساحلية أكثر قدرة على مواجهة مناخ مختلف.

المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى