معركة السيطرة على فيضانات الشتاء: وزارة الأشغال تُحاصر «النقاط السوداء» وتصطدم بتقادم الشبكات وتشابك الصلاحيات( اللواء 7 تشرين الثاني)

مع حلول فصل الشتاء من كل عام وتدفق الأمطار، تتكرر في لبنان المشاهد ذاتها على معظم الطرقات الرئيسية والدولية، حيث تفيض الشبكات وتتحوّل المسارب الحيوية إلى مستنقعات تعرقل حركة السير، وتكشف بوضوح عن هشاشة البنية التحتية وعجزها الهيكلي المتراكم. ولم تعد هذه الأزمة مجرد تفصيل موسمي عابر، بل باتت واقعا ميدانيا يعكس الصدام المباشر بين تقادم الشبكات والمجاري القديمة من جهة، والتوسع العمراني العشوائي والتغيّرات المناخية المتسارعة من جهة أخرى، ولا سيما مع تسجيل هطولات مطرية غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة.
وأمام هذه التحدّيات المتجددة وتكرار ظهور «النقاط السوداء» مع كل عاصفة، تتدخّل عامل التشابك في الصلاحيات وتوزع المسؤوليات بين وزارة الأشغال العامة والنقل، ووزارة الطاقة والمياه، والبلديات والاتحادات المحلية، وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى حول حدود الإمكانات المتاحة، وجدوى الاعتماد على أعمال التعزيل والتنظيف الموسمية في مقابل الحاجة إلى مخططات توجيهية شاملة وإعادة تصميم هندسي جذري للشبكات.
في هذا السياق، يوضح رئيس مصلحة الصيانة المركزية في وزارة الأشغال العامة والنقل المهندس محمد الحاج شحادة، واقع الشبكات ومسؤوليات الإدارات المختصة، مفصّلا حدود تدخّل الوزارة، وآلية التعاطي مع النقاط الحرجة، والتحديات التي تقف أمام تحديث البنية التحتية في ظل الظروف المالية والإدارية الراهنة.
الشبكات بين حدّ الترقيع وأفق التحديث
في ظل تقادم البنية التحتية وعجز الشبكات القديمة عن استيعاب التوسّع العمراني الهائل، وعن الخطط الاستراتيجية وليست الترقيعية التي تعدّها وزارة الأشغال لتحديث هذه الشبكات هندسيا بدلا من الاكتفاء بأعمال التعزيل الموسمية، يقول رئيس مصلحة الصيانة المركزية في وزارة الأشغال العامة والنقل المهندس محمد الحاج شحادة إن «مسؤولية وزارة الأشغال العامة تقتصر على تنظيف وتعزيل الشبكات على الطرق الدولية، وعددها حسب ملفات التلزيم 7 ملفات، وهي الطرق المصنفة دولية، أما الطرقات الأخرى فتقع مسؤولية تنظيمها الدوري على عاتق البلديات والاتحادات».
ويتابع: «لاتقتصر المشاكل المتكررة على تقادم البنية التحتية والعجز في الشبكات القديمة على استيعاب كميات المتساقطات إنما يمكن التوسيع لتشمل على سبيل المثال، تقادم الشبكة وعدم قدرتها على الاستيعاب، التعدّيات على الشبكة، عشوائية التوسّع السكاني وغياب المخططات التوجيهية أو عدم تنفيذها، قلّة الموارد والموازنة العامة، عشوائية تنفيذ البنى التحتية، النظافة العامة على الطرق، التبدل المناخي، الصعوبات المالية التي تواجه البلديات، الطوبوغرافية العامة للبنان، عدم فصل مياه الشتاء عن المجاري في عدة أماكن».
ويضيف شحادة: «أما فيما يخص الحلول فان الوزارة في الوقت الحالي تقوم بتحضير ملفات لتلزيم أشغال بنى تحتية لتطوير الشبكة، إنما في أماكن محددة أثبتت الشبكة فيها عدم قدرتها على تحمّل واستيعاب كميات المتساقطات أو أماكن أخرى بحاجة إلى استحداث شبكة غير موجودة أساسا. وأصبحت هذه النقاط بحاجة لهذا الاستحداث. وهذه الأشغال تتم عبر مراقبة دورية للنقاط وتحليل المعلومات».
أما فيما يخص إعادة تصميم وإنشاء الشبكة لتطويرها لتصبح قادرة على استيعاب الكميات المتزايدة للمتساقطات، وفي ظل التوسّع السكاني الحاصل يحتاج إلى إصدار مراسيم تخطيط جديدة ممكن ان تلحظ استملاكات جديدة بعد إجراء عمليات مسح موسعة وضرورة إجراء دراسات لتحليل الأحواض، وهو جهد موزع على عدة جهات رسمية ولا يقتصر على وزارة الأشغال العامة والنقل وهو جهد مرتبط أساسا بالمخططات التوجيهية وضرورة تحديثها وأساسا بالقدرة المالية لإنجازها. معتبرا أنه مع كل ما سبق، لا يمكن التقليل من أهمية أعمال التعزيل والتنظيف الدورية التي تفي بالحاجة على أكثر من 90% من حجم الطريق.
بين التعزيل والتخطيط: أزمة البنية التحتية
وفي سياق متصل، يرى شحادة أن «ملفات التنظيف والتعزيل في وزارة الأشغال العامة كما ذكر سابقا تقتصر على الطرقات المصنفة دولية وبالتالي فإن أي طريقا لا يقع تحت هذا التصنيف أو غير مذكور ضمن ملف التلزيم لا يكون ضمن صلاحيات ومسؤوليات الوزارة وتعود مسؤولية تنظيفه وتعزيل الشبكة فيه إلى البلديات والاتحادات، ومع هذا، تقوم الوزارة وفي عدد من المناسبات بتوجيه فرق المتعهدين الملتزمين ملفاتها، إلى عدة أماكن كهذه للمساعدة ميدانياً في التعزيل ورفع الضرر ويتم ذلك بعد التواصل من قبل المعنيين في البلديات والطلب إلى الوزارة المؤازرة في تنفيذ الأشغال. أما فيما يخص وزارة الطاقة والمياه فإنها مسؤولة عن تنظيف وتعزيل مجاري الأنهار والمجاري الطبيعية بالإضافة إلى شبكات الصرف الصحي خارج نطاق وملكية البلديات والسلطات المحلية».
إدارة «النقاط السوداء» وتحدّيات الطوارئ
وعن «النقاط السوداء» المتكررة والمواقع الجديدة التي تظهر مع كل عاصفة، يشرح شحادة أن «الوزارة تقوم عبر ملتزمي ملفات التنظيف بتحديد النقاط السوداء المتكررة بناء على الملاحظة الحسّية والمراقبة المستمرة، وتقوم بتثبيت نقاط طوارئ ثابتة في هذه النقاط، علما أنه وفي السنوات الثلاثة السابقة بدأت تظهر نقاط جديدة على طول الطرقات ناتجة عن نوعية هطول الأمطار (كميات كبيرة خلال وقت قصير نسبيا)، تقوم الوزارة بمعالجتها عبر عدة أمور: استحداث الشبكات، تطوير الشبكات الموجودة وتثبيت نقاط طوارئ جديدة، هذا وبالإضافة إلى تسيير دوريات طوارئ سيارة على طول الطريق لمعالجة أي خلل ممكن أن يظهر».
المجاري والتعدّيات: أزمة نهر الغدير نموذجاً
وأمام كل تلك المعطيات، يشدد شحادة على أن «التعدّيات على مجاري المياه الطبيعية والأنهار تقع مسؤوليتها على عاتق وزارة الطاقة والمياه. أما فيما يخص نهر الغدير، فتقوم الوزارة بأعمال تنظيف دورية للمجرى الموجود، مع الإشارة إلى أن المجرى الموجود حاليا لا يفي بالغرض نظرا لضيق عرضه. كما وحدث أن قامت الوزارة في السنوات السابقة بأعمال من شأنها زيادة العمق فيه على نقطة خانقة ما ساعد حاليا بتصريف المياه، إنما هو حل موقعي جراحي لا يحل المشكلة نهائيا. لذا لا بد من حل لمشكلة التعديات عبر وزارة الطاقة».
الإشراف الاستشاري ومعضلة الكادر البشري
وفي ضوء النقص الحادّ في الكادر الفني الهندسي والإداري في الوزارة وفي ضوء تعدد المهام التي يكلف بها كل موظف في الإدارة لتغطية هذا النقص، يوضح شحادة أن «الوزارة قامت بتكليف مكاتب استشارية للاشراف على تنفيذ جميع المشاريع التي تقوم بتلزيمها، وهي مكاتب استشارية مرموقة ولها سمعتها وخبرتها في إدارة ومراقبة وتصميم المشاريع ومن ضمنها مشاريع التنظيف حيث يقوم المكتب الاستشاري بجولات تفقدية دائما ودوريا على تنفيذ البنود المطلوبة ويقوم برفع التقارير الدورية وتقارير الحوادث التي تصف المشكلة عند وقوعها وطريقة معالجتها واقتراح الحلول المناسبة لها. يضاف الى ذلك مراقبة مندوبي الادارة من المهندسين والموظفين المكلفين بهذا العمل والمتابعة الدائمة».



