أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

هل المطلوب أن يبقى لبنان فقيراً ومشلولاً؟ (الجمهورية 16 تشرين الأول)

في السابع عشر من تشرين الأول 2019، استفاق لبنان على الانهيار المالي والمصرفي، وظهرت أكبر عملية نهب لمدخرات الناس في تاريخ البلاد، «سرقة القرن». 7 سنوات مرّت، ولا يزال أصحاب الأموال المحتجزة يدفعون ثمن جريمة هم ضحاياها، فيما تستمر حياة المسؤولين وأصحاب المصارف، أي السارقين، في مشهد يختصر الفجوة الهائلة بين مَن خسروا أعمارهم ومدخراتهم، ومَن تزايدت رفاهيّتهم.

شراء عقارات واستثمارات في لبنان والخارج

أعراس الأبناء في الخارج، والاحتفالات في أفخم الأماكن، ومظاهر البذخ التي يتباهى بها بعض السارقين، ويواصل أصحاب المصارف حياتهم المترفة، فيما تتردّد أخبار عن شراء عقارات واستثمارات في لبنان والخارج. وفي المقابل، لا يستطيع أصحاب الودائع الوصول إلى مدخراتهم التي جمعوها على مدى عقود من العمل، والعائلات عاجزة عن دفع أقساط المدارس والجامعات، ممّا تسبَّب بمشاكل اجتماعية وتعتير لا يوصفان.

هكذا تبدو المعادلة بعد 7 سنوات: مَن امتلك القرار والسلطة والنفوذ ارتفع مستوى قدرته على البذخ. أمّا المواطن الذي عمل طوال عمره ووضع ثقته في الدولة والمصارف، فوجد نفسه وحيداً أمام سرقة أفقدته أمانه ومستقبله وكرامته.

امرأة سُرِقت شيخوختها

من بين آلاف الحكايات التي تختصر المأساة، حكاية امرأة تجاوزت الـ70 من عمرها، أمضت وزوجها سنوات طويلة في العمل داخل مستشفى، وجمعا تعويض نهاية الخدمة أملاً في تأمين شيخوختَيهما. أودعت التعويض بالليرة اللبنانية، بعدما أقنعوها بأنّ الفائدة عليها أعلى، وأنّ مدخراتهما ستوفِّر لهما دخلاً شهرياً يكفيهما في سنوات العمر الأخيرة. استكشفالتاريخ

اليوم، تتقاضى هذه المرأة نحو 5 ملايين ليرة شهرياً من وديعتها، وهو مبلغ تافه، ولا تملك ضماناً صحياً للشيخوخة، وتضطر إلى مَد اليد واللجوء إلى الجمعيات الخيرية لتأمين الدواء. ولا تستطيع حتى أن تدخل إلى المستشفى التي خدمت فيه كل عمرها. يقول البعض، إنّها خاطرت حين وضعت أموالها بالليرة اللبنانية، لكنهم يتجاهلون أنّ الدولة نفسها كانت تطمئن الناس إلى أنّ الليرة بألف خير، وتقنعهم بأنّه لا داعي للخوف. لذلك، تتحمّل الدولة مسؤولية أساسية عن هذه المأساة، ومَن ينكر ذلك يتجاهل الحقيقة.

هذه ليست مجرّد حكاية خسارة مالية؛ إنما حكاية إنسان سُلِب حقه في العيش بكرامة. وهي صورة عن مصير متقاعدين وموظفين ومغتربين وغيرهم.

7 سنوات من الخطوات المهزلة

وماذا فعلت السلطات خلال هذه السنوات الـ7؟ اجتماعات متكرّرة، خطط تتبدَّل، مشاريع قوانين تُطرح وتُناقش، ووعود باستعادة الحقوق وإصلاح القطاع المصرفي. لكنّ النتيجة بقيت فارغة: الودائع لم تُسترد، المحاسبة لم تتحقق، الثقة لم تعُد، والاقتصاد لا يزال عاجزاً عن استعادة عافيته.

تمخّض الجبل فوُلِد فأراً. فبدلاً من معالجة جذور الانهيار، توالت المقترحات التي تحاول تحميل مسؤولية السرقة لأصحاب الودائع، وكأنّ المواطن الذي إئتمن المصارف على أمواله، هو المسؤول عن السرقات، سوء الإدارة، والقرارات التي أوصلت البلاد إلى هذا المصير. وبين مشروع وآخر، يضيع الوقت، وتتآكل قيمة الأموال، ويزداد تعتير الناس.

أمّا حسابات المصارف، فتبقى في صلب المحرَّمات، وكأنّ فتحها وكشف ما تخفيه خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه، ويتهرَّب المسؤولون من الإجابة عنه، هو: لماذا يُرفَض فتح حسابات المصارف؟ وما الذي يمنع من كشف الحقيقة أمام العالم؟

إذا كانوا مقتنعين بسلامة قراراتهم، وبأنّهم لم يفرّطوا بأموال الناس ولم يحموا مصالح أحد، فلماذا كل هذا الإصرار على إبقاء الحسابات مغلقة؟ ولماذا لا يخرج مسؤول واحد ليشرح للعالم، بوضوح ومن دون مراوغة، ما الذي يجعل كشف هذه الحسابات أمراً مرفوضاً؟

لا نريد شعارات جديدة عن الإصلاح، ولا وعوداً أخرى بالإنقاذ، بل نريد جواباً صريحاً عن سؤال بسيط: لماذا لا تريدون كشف الحسابات؟ ماذا تخشون أن يعرف العالم؟ إنّ رفض كشف الحسابات، من دون تقديم تفسير مقنع، لا يفعل سوى تعميق الشكوك وتكريس انعدام الثقة. فإذا كانت الحقيقة لا تُخيفكم، فلماذا لا تفتحون الحسابات وتضعون الحقائق أمام الناس؟

إلى سفراء الدول الكبرى

نريد أن نفهم: هل المطلوب أن يبقى لبنان فقيراً ومشلولاً؟ هل المطلوب أن يُحرَم من قطاع مصرفي قادر على استعادة دوره، وأن يستمر نزف شبابه وناسه إلى الخارج، فيما يُترك اقتصاده عاجزاً عن النهوض؟ نتوجّه إلى سفراء الدول الكبرى في لبنان، لأنّ من حق اللبنانيّين أن يعرفوا ما إذا كانت هناك إرادة دولية فعلية لمساعدتهم على استعادة عافية بلدهم، أم أنّ بقاء لبنان ضعيفاً وعاجزاً عن النهوض هو المطلوب.

لبنان قادر على معالجة أزمته من دون أن يرهن مستقبله بمزيد من الاستدانة. وحتى لو لم تكفِ الأموال التي يمكن استردادها من السارقين لتغطية كامل الالتزامات، فهناك أصول وأملاك عامة تشكّل الجزء المطلوب من الحل، شرط إدارتها بشفافية. ويمكن البحث في استثمار أراضي الدولة وأملاكها، ولا سيما الأراضي البحرية وأراضي سكك الحديد، بما يتيح تحقيق إيرادات للدولة وتوظيفها في مشاريع تعيد تحريك الاقتصاد، بدلاً من الاستمرار في تحميل الناس أعباء السرقات. استكشفالتاريخ

وفي هذا السياق، نتوجّه إلى شركة CMA CGM ورئيسها رودولف سعادة، وندعوهما إلى دراسة خيار نقل مرفأ بيروت إلى موقع أكثر ملاءمة، قبل المضي في خطط تحسين المرفأ الحالي أو توسيعه. فالمشكلة لا تقتصر على تحديث المنشآت وزيادة القدرة الاستيعابية، بل تتعلّق بموقع المرفأ نفسه، الواقع في قلب العاصمة، حيث لا تتوافر شبكة طرقات وأوتوسترادات واسعة ومهيّأة تتيح للشاحنات الكبيرة التنقّل بسهولة، وتضمن نقل البضائع بكفاءة من المرفأ وإليه. فكيف يمكن بناء مرفأ حديث وفعّال، فيما يظلّ محاصراً بقيود عمرانية ومرورية يصعب تجاوزها في وسط بيروت؟

أليس الأجدى، إذا أثبتت الدراسات الجدوى الاقتصادية والفنية، نقل المرفأ إلى موقع استراتيجي تتوافر فيه المساحات اللازمة، ويمكن ربطه بشبكة مواصلات وطرقات سريعة مخصّصة للنقل التجاري؟ أمّا الأرض التي يشغلها المرفأ الحالي، وهي من بين أغلى الأراضي في لبنان، فيمكن إعادة توظيفها ضمن خطة متكاملة وشفافة، من خلال الاستثمار أو بيع أجزاء منها وفق الأطر القانونية، بما يدرّ إيرادات للدولة ويتيح تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية. هكذا يمكن تحويل موقع يفرض اليوم قيوداً على حركة العاصمة إلى فرصة اقتصادية وعمرانية، بدلاً من إنفاق الأموال على توسعة منشأة قد تبقى محدودة الإمكانات بسبب موقعها.

لبنان لا يحتاج إلى الشفقة، ولا إلى مزيد من الاستدانة التي ترهن مستقبله، بل إلى خطة اقتصادية شاملة تستعيد الأموال الممكن استردادها، وتحسن إدارة الأصول العامة، وتطوّر البنية التحتية، وتعيد الثقة بالاقتصاد وتخلق فرصاً لشبابه.

ملاحظة أخيرة، ما نكرِّره دائماً، يبدأ كل شيء بإقرار قانون للشفافية المطلقة، وهو المدخل الرئيسي لأي إصلاح.

بواسطة
فادي عبود
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى