أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

22% من اليد العاملة نساء و65% لسنَ نظاميات: اقتراح قانون يُخفِّف عبء الرعاية وينتصر للأم العاملة (الأخبار 14 تشرين الأول)

في مداخلة تلفزيونية، قال أحد «الخبراء» الاقتصاديين إن الحدَّ الأدنى الذي تحتاج إليه عائلة مؤلفة من أربعة أفراد هو 1,200 دولار. وبما أن متوسط الأجور يبلغ نحو 600 دولار، لم يجد «الخبير» لحلّ هذه المعضلة سوى اقتراح أن «يعمل الرجل والمرأة، ويتقاسما المصاريف».

ثقافياً، قد يرى البعض في المقاربة هذه ترسيخاً لحق المرأة في العمل. غير أنها لا تضمن في المقابل أن يشاركها الرجل الأعباء المنزلية والرعائية. هكذا، تجد المرأة نفسها تُزجُّ في سوق العمل لاعتبارات اقتصادية فقط، من دون الأخذ في الاعتبار أعباءها المنزلية والرعائية، لتتحول إلى عاملة بداومين، صباحي في العمل ومسائي في المنزل، بما يستنزفها ويدفعها ثمن أمومتها من صحتها الجسدية والنفسية.

تحصل المرأة في لبنان على عشرة أسابيع إجازة بعد الولادة. وهي فترة تتفق الأمهات والجمعيات الحقوقية والمنظمات الدولية المعنية على أنها غير كافية للأم والطفل معاً. فإلى جراح الولادة التي لا تكون قد التأمت بعد، وحاجة النساء إلى فهم التغيير الذي طرأ على حياتهن بعد الولادة، «من الصعب جداً ترك طفل صغير لا يزال يحتاج إلى أمه ويرتكز غذاؤه على الرضاعة، والعودة إلى العمل»، بحسب آية، التي عادت للتوّ إلى عملها بعدما انقضت إجازة الأمومة، مع شعورها بالذنب بسبب «الانسلاخ عن طفلي، وكأنني تركت روحي ومشيت إلى عملي». ويُخيِّم على الأمهات العاملات هاجسان اثنان: كيفية الاستمرار في الرضاعة الطبيعية والمكان الذي ستتركن فيه أطفالهن، ولا سيما إذا كانت الجدة مُتوفاة أو ليست قريبة أو غير قادرة على الاهتمام بالطفل. فالحضانات الجيدة التي تتوفر فيها معايير سلامة مقبولة لا تقل عن 500 دولار شهرياً. هكذا، «لن يبقى من راتبي غير أجرة الطريق لأصل إلى العمل»، تقول ريم. ولذا، قررت أن تترك العمل ريثما يكبر ابنها.

النساء في سوق العمل
هذا الواقع «يُدفِّعُ المرأة ثمن الرعاية من خياراتها وفرصها وحقوقها الاقتصادية، وليس فقط رعاية الأطفال، أي أولادها، بل أيضاً كبار السن، وهم الأهل»، وفقاً لرئيسة الرابطة اللبنانية لسيدات العمل، عبير شبارو، التي تشير إلى ما تظهره دراسات من «انحدارين اثنين في المنحنى البياني لعمل المرأة: الأول في سن 27 – 28، وهو متوسط عمر الإنجاب، والثاني في سن 45، عندما يصبح الأهل بحاجة إلى رعاية دائمة». ويعود ذلك إلى «غياب مشاركة الأدوار الرعائية مع الرجل، وغياب منظومة تؤمّن الرعاية للأطفال وكبار السن، ولا سيما دور رعاية مسنّين تحترم كراماتهم، وتؤمّن لهم سنوات أخيرة لائقة بهم، لا تكون سجناً، بل أشبه بأندية، يمارسون فيها هواياتهم، ومساحة للالتقاء بآخرين من سنّهم، فلا يبقى ترك الأهل فيها ذنباً على الزوجين». وتزداد أهمية هذا الطرح مع «تحولنا إلى مجتمع شيخوخة، نظراً إلى تراجع الإنجاب، وطول أمد الحياة، والهجرة».

هذه الحال «تدفع أيضاً أصحاب العمل إلى استبعاد النساء، حتى قبل الارتباط، لقطع الطريق أمام التقصير في العمل وطلب إجازات أثناء الحمل وبعد الولادة، وكُلّما مرض أحد أفراد الأسرة». وهذا يفسّر «أحد أسباب تخرّج النساء بأعداد كبيرة سنوياً، تفوق أعداد الرجال، مقابل عدم تجاوز مساهمتهن في سوق العمل نسبة 22% من مجموع اليد العاملة. كذلك، ارتفاع معدل البطالة لدى النساء إلى ضعف ما هو عليه لدى الرجال»، فضلاً عن اندفاع النساء نحو تخصصات معينة، ليس رغبة فيها، بل لأنها تتناسب مع الأدوار الرعائية المتوقعة منهن، ولا سيما قطاع التعليم، الذي تحوّل إلى قطاع «نسوي».

اقتراح القانون ينص على تمديد إجازة الأمومة إلى
14 أسبوعاً ومنح
الأب إجازة 10 أيام

وتوصّلت النائبة عناية عز الدين، من خلال لقاءاتها مع نساء عاملات ومراجعة الدراسات المنشورة حول أثر الأزمات التي مرّ بها لبنان، من الانهيار الاقتصادي إلى انتشار جائحة «كورونا»، إلى أن 65% من النساء العاملات يعملن خارج العمل المُنظّم، ولا يحصلن على حقوق أو ضمانات. ويعود ذلك، في أحد أبرز أسبابه، إلى اضطرار النساء إلى مُلاءمة أعمالهن لأدوارهن الرعائية، وغالباً ما يكون ذلك على حسابهن. ويزيد من غياب العدالة بحقهن ارتفاع بدلات الحضانات التي تستوفي شروط السلامة والمعايير الصحية والنمائية.

اقتراح قانون الرعاية
انطلاقاً من هذا الواقع، تقدّمت عز الدين في عام 2023، باقتراح القانون الرامي إلى تعزيز سياسات الرعاية المتعلقة باستحقاقات الأمومة والأبوة والرضاعة الطبيعية، وخدمات رعاية الأطفال والضمان الاجتماعي، وأقرّته اللجان المشتركة في 30 أيلول الماضي. تقول عز الدين لـ«الأخبار» إن الاقتراح «يأتي في إطار تمكين المرأة وضمان حقها في ممارسة أمومتها والعمل معاً، فلا ينبغي التعاطي مع الرعاية ككلفة اقتصادية، بل كاستثمار اجتماعي وصحي وفي رأس المال البشري، يحمي صحة الطفل ونموه واستقرار الأسرة».

وينصُّ اقتراح القانون على تمديد إجازة الأمومة من 10 أسابيع إلى 14 أسبوعاً «وفقاً لتوصيات منظمة العمل الدولية»، تقول عز الدين، مع توضيحها أن الطموح يتجاوز هذه المدة. فـ«في دول الخارج تُمنح المرأة سنة إجازة بعد الولادة، لكننا ما زلنا بعيدين كثيراً في العقلية عن ذلك. وعندما يُقرّ القانون المُقترح، سنطرح تمديدها تدريجياً».

كذلك، يمنح القانون المُقترح الأب عشرة أيام إجازة أبوة خلال شهر من ولادة الزوجة. غير أن شبارو تسأل: «بماذا تفيد الأيام العشرة؟ هل يلحق الأب أن يحتك بطفله؟»، معتبرةً أنها «استمرار لنهج الأيام الثلاثة من حيث المبدأ، بدلاً من أن تُعطى إجازة متساوية للأم والأب، تكرّس توزيع الأدوار الرعائية بينهما، وتحمي المرأة من استبعادها من فرصة عمل لمجرد أنها ستحصل على إجازة أمومة».

وتتّفق عز الدين مع شبارو على أن الأيام العشرة تبقى رمزية، بهدف «إنشاء الحق في إجازة الأبوة، التي لا تزال غير مُعتمدة قانوناً بصيغتها الجديدة. فقد سبق أن أقرّ مجلس الوزراء في عام 2017 مشروعاً لمنح الأب ثلاثة أيام إجازة مدفوعة الأجر، لكنه لم يستكمل مساره التشريعي». وأظهرت النقاشات حول إجازة الأبوة في عام 2017 كيف كان بعض النواب يتعاطون بسخرية مع منح الأب إجازة عند ولادة زوجته، فضلاً عن عدم تفهّم الهيئات الاقتصادية وغرفة التجارة والصناعة الجدوى منها. «طلعوا روحي حتى أقنعناهم أن الرجل يحتاج إلى إجازة ليخرج زوجته من المستشفى وينجز المعاملات والأوراق»، تقول شبارو. وبعد الأيام الثلاثة، ترى عز الدين أنه إذا مرّت الأيام العشرة «نكون قد تقدّمنا خطوة في اتجاه تهيئة المجتمع تدريجياً وثقافياً لتقبّل إجازة الأبوة».

في السياق نفسه، يمنح اقتراح القانون الأم، بعد عودتها من إجازة الأمومة، ساعة يومياً مدفوعة الأجر للرضاعة الطبيعية وضخِّ الحليب، أو تخفيض دوامها ساعة يومياً مدفوعة الأجر لمدة عام. وينص اقتراح القانون أيضاً على إنشاء حضانات داخل المؤسسات، في حال توافر عدد معين من النساء والأطفال. إلّا أن هذا البند قابل للتعديل، إذا ما حصلت خلافات بشأنه. لذا، تُحضّر عز الدين «حلولاً أخرى لعرضها على الهيئة العامة لمجلس النواب، مثل منح بدلات مساهمة في رسوم الحضانة خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر المولود، تُعطى مناصفة بين الرجل والمرأة إذا كانا مستفيديْن من الضمان».

إذاً، قطع اقتراح قانون اللجان المشتركة من دون مُعارضة، وحتى من دون التصويت على بنوده بنداً بنداً، إلى درجة قول أحدهم لعز الدين، وهي تُفصِّل بنوده عند طرحه: «ما بدو كل هالشرح». وتتوقع عز الدين أن يُعرض الاقتراح على الهيئة العامة في أول جلسة تشريعية. وهي تعمل جاهدة على عدم إعادته إلى اللجان النيابية، متأملةً ألّا يقف أحد في وجه قانون «صديق للأسرة» وداعم للمرأة. وتختم: «سنذلّل العقبات المحتملة. وسنجتمع مع صندوق الضمان الاجتماعي لنقدّم الصيغة الفُضلى، وسنوزّع الأعباء بين أصحاب العمل والدولة والمستفيدين أنفسهم، من خلال مساهماتهم في الصندوق».

 

بواسطة
زينب حمود
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى