“موتو تاكسي” في لبنان: أسرع وأقل كلفة… وغير قانوني!

“أسرع وأوفر”. هكذا علّق أحد المواطنين عندما سُئل عن سبب استخدامه الدراجات النارية التي توفر خدمة نقل الركاب.
في لبنان، تخطّى عدد الدراجات النارية نحو 800 ألف، لا يتجاوز عدد المسجّل منها 370 ألفاً، ما يعكس انتشاراً واسعاً لهذه الوسيلة على الطرق. إلا أن استخدام الدراجة النارية لم يعد يقتصر على التنقّل الشخصي، بل تحوّلت إلى وسيلة نقل يعتمد عليها عدد كبير من اللبنانيين، وأصبحت خدمات الـ”موتو تاكسي” متاحة عبر تطبيقات ومنصات مختلفة، كما ظهرت مجموعات صغيرة تؤمّن للزبائن التواصل مباشرة مع سائقي الدراجات.
لكن خدمة “موتو تاكسي” ليست جديدة في لبنان. ففي عام 2023، أوقفتها وزارة الداخلية بعد اعتراض نقابات سائقي سيارات الأجرة والنقل العام على تأثيرها في عملهم، وطرح تساؤلات عن استيفاء بعض السائقين الشروط القانونية المطلوبة.
إلا أن المسألة لم تتوقف عند تطبيق واحد. فاليوم، عادت خدمة الدراجات النارية عبر تطبيقات مثل “إن درايف” و”تاكسي إف”، وأصبح اللبنانيون يستخدمونها للوصول إلى وجهاتهم بأسعار أقل ووقت أقصر.
وإذا كانت هذه الخدمة قد أوقفت سابقاً بسبب عدم استيفاء بعض السائقين الشروط القانونية، فما الذي تغيّر اليوم؟ وهل أصبحت خدمة الـ”موتو تاكسي” قانونية؟ ومن يراقب التزام سائقيها الشروط المطلوبة؟
من المسؤول عن سائقي “موتو تاكسي”؟
عندما سألنا أحد سائقي السيارات العمومية عن خدمة “موتو تاكسي”، قال إن سائقي الدراجات النارية يضايقونهم، إذ يستقطبون الزبائن الذين يعتمدون عليهم كمصدر رزق. وعن مدى ضمان الشركة لسائقيها، أجاب بأن سائقي السيارات العمومية يستفيدون من غطاء قانوني مرتبط بلوحة السيارة العمومية، فيما لا يتمتع سائقو “موتو تاكسي”، إلى جانب الإشكاليات القانونية المرتبطة بعملهم، بضمانات واضحة من أي جهة. وبسؤاله عن وجود مسؤول داخل الشركة يتابع أوضاع السائقين، قال إنه لا يعلم، مشيراً إلى أنه سجّل عبر التطبيق الإلكتروني، شأنه شأن سائر السائقين.
وفي محاولة للتواصل مع الشركة عبر نظام “سبورت سيستم”، لم نحصل على إجابات واضحة عن آلية التحقق من المستندات التي يقدّمها السائقون، ومدى دقّة الإجراءات المعتمدة للتأكد من استيفائهم الشروط المطلوبة.
وفي محاولة للحصول على توضيحات، تواصلت “النهار” مع الشركة عبر نظام الدعم الإلكتروني، للاستفسار عن آلية التحقق من المستندات التي يقدمها السائقون والشروط المعتمدة لقبولهم، لكنها لم تحصل على إجابات واضحة تحسم التساؤلات.
النقل العمومي بشروط قانونية
يفرض قانون السير اللبناني شروطاً محددة لممارسة النقل العمومي. فبحسب المادة 203 من قانون السير رقم 243/2012، تخوّل رخصة السوق العمومية حاملها قيادة السيارة السياحية الخصوصية أو العمومية لقاء أجر، ولا تُعطى هذه الرخصة إلا لمن يحمل أولاً رخصة سوق خصوصية. كذلك يميّز القانون المركبات العمومية بلوحات تسجيل حمراء، فيما يخصص لها الحرف اللاتيني “P”.
ولا تقف الشروط عند رخصة السائق ولوحة المركبة. ففي كتاب حديث موجّه من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إلى القطعات المعنية بضبط المخالفات في قطاع النقل العام، أشارت المديرية إلى مخالفات تتعلق بمزاولة نقل الركاب من بعض سائقي سيارات الأجرة والباصات من دون حيازة رخصة سوق عمومية أو الحصول على ترخيص مسبق من وزارة الأشغال العامة والنقل. ونصّ الكتاب صراحةً على “استخدام الدراجات الآلية والدراجات النارية ذات الثلاث عجلات (توك توك) في نقل الركاب خلافاً للقوانين وبما يشكل خطراً على حياة المواطنين والسلامة العامة”، داعياً إلى اتخاذ الإجراءات القانونية في حق المخالفين.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تشديد وزارة الداخلية وقوى الأمن الداخلي على ضبط المركبات التي تعمل في النقل العام خلافاً للقوانين.
وكان مصدر أمني قد أفاد “النهار” بأن القوى الأمنية ستواصل متابعة المخالفات المتعلقة باللوحات العمومية والسيارات والدراجات الآلية التي تعمل خلافاً للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، ولا سيما الدراجات الخاصة التي تستخدم للنقل العمومي.
أما بالنسبة إلى تطبيقي “إن درايف” و”تاكسي إف”، فأكد المصدر أن القوى الأمنية تتحرك بناءً على شكوى من أحد المتضررين أو إشارة من النيابة العامة لضبط التطبيقين أو وقفهِما في حال ثبوت مخالفتهما للقوانين، ولا سيما في ما يتعلق بالنقل العام عبر الدراجات النارية.
خوذة غائبة وقيادة متهوّرة
لا تقتصر المخالفات القانونية على عدم التسجيل أو عدم الحصول على الرخصة العمومية، إذ إن معظم السائقين لا يعتمرون الخوذة ولا يعطونها للراكب، وأحيانًا لا تتوافر المرايا على آلياتهم، فضلًا عن قيادتهم بطريقة متهوّرة على الطرق. والمشكلة لم تعد تقتصر على تطبيقات الهاتف، إذ أصبحت بعض هذه التطبيقات تتيح للسائقين وسيلة للحصول على أرقام الزبائن والتعريف بـ”شركتهم الصغيرة” التي توفر خدمة التوصيل على الدراجة.
وبحسب رئيس “اليازا إنترناشيونال” زياد عقل، فإن “الدراجات النارية وسيلة نقل، من دون شك، مفيدة وتؤمّن السرعة، لكن السائقين في لبنان يخالفون القانون بأشكال عديدة، منها عدم وضع الخوذة، والقيادة عكس السير، وتجاوز الإشارة الحمراء. وهكذا تحوّلت من وسيلة مفيدة إلى وسيلة خطيرة”.
خيار اقتصادي أو مخاطرة بالسلامة؟
عندما سألنا عدداً من اللبنانيين عن مدى إقبالهم على استخدام “موتو تاكسي”، تفاوتت الإجابات بين من يراه وسيلة عملية لتوفير الوقت والمال، ومن يرفضه خشية المخاطر التي قد تهدّد سلامته.
وقالت جويل غندور إنها تستعين بخدمة “موتو تاكسي” للتنقّل إلى عملها، موضحةً أنها تطلب دراجة نارية من شركة “بيتكت” التي يعمل لديها سائقون من النساء.
أما كريم الحاج، فيطلب سائقاً يومياً، معتبراً أن هذه الوسيلة توفّر عليه أكثر من 70% من كلفة التنقّل، ويقول: “بقبض 700 دولار، التاكسي بدّو أقل شي 500 ألف ليرة، والموتو بياخدك وين ما بدك بـ200 ألف”.
في المقابل، يرفض هادي مبارك هذه الخدمة، معتبراً أن انخفاض كلفتها وسرعتها لا يبرّران المخاطرة بالسلامة: “مهما كنت مستعجل ومهما كانت الخدمة رخيصة، مستحيل عرّض حياتي للخطر”.
في بلد أصبح فيه توفير العمل صعبا، باتت هذه الخدمات بالنسبة إلى كثيرين فرصة لدخل إضافي ولو في ظروف محفوفة بالمخاطر. لكن الحاجة إلى العمل لا تلغي مسؤولية حماية السائق والراكب، ولا تجعل مخالفة القانون أقل خطورة.
تزداد خطورة الظاهرة مع ارتفاع نسبة ضحايا حوادث السير من مستخدمي الدراجات النارية، التي وصلت إلى نحو 30% بعدما كانت 22%، فيما ارتفعت نسبة الجرحى منهم من 27% إلى 37%، وكان ثلثهم من غير اللبنانيين.
ومع توسّع خدمات “موتو تاكسي” وغياب إطار واضح ينظّمها، لا تبدو المشكلة مرتبطة فقط بوجود تطبيق أو غيابه، بل بمدى قدرة الجهات المعنية على ضبط الخدمة والتأكد من استيفاء السائقين والمركبات شروط السلامة والقانون. فبين حاجة المواطن إلى وسيلة نقل أسرع وأقل كلفة، وحاجة آخرين إلى مصدر دخل، يبقى تنظيم هذه الخدمة ومراقبتها ضروريين حتى لا تتحوّل وسيلة النقل السريعة إلى خطر إضافي على الطرق.



