الإنكماش بنسبة 6,4% ليس مجرّد رقم بل جرس إنذار (الجمهورية 12 تشرين الأول)

إنّ الحديث عن إنكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6,4% لا يُمكن إختصاره بمجرّد رقم اقتصادي أو مؤشر إحصائي عابر، بل يعكس عمق الأزمة البنيوية التي لا يزال لبنان يتخبّط فيها، في ظل غياب الإصلاحات الجوهرية، واستمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني والمالي، وتآكل الثقة بالمؤسسات والقطاع المصرفي والاقتصاد الوطني عموماً.
فالإنكماش الاقتصادي لا يعني فقط تراجع الناتج المحلي الإجمالي، بل يُترجم عملياً بانخفاض الاستهلاك والاستثمار والإنتاج، وتراجع فرص العمل، وانكماش القدرة الشرائية، وتزايد الضغوط على المؤسسات والأسر اللبنانية. والأخطر، أنّ هذا التراجع يأتي بعد سنوات طويلة من الأزمات المتراكمة، ما يجعل قدرة الاقتصاد على امتصاص صدمات إضافية محدودة للغاية.
تكمن المفارقة الأساسية في أنّ الاقتصاد اللبناني يواجه ضغوطاً إنكماشية بالتزامن مع استمرار ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة والإنتاج. وهذه المعادلة تُشكّل أحد أخطر التحدّيات الإقتصادية، إذ تجمع بين ضعف النشاط الاقتصادي والضغوط التضخُّمية، بما يزيد مخاطر الركود التضخُّمي.
فالمؤسسات اللبنانية، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة منها، تواجه ارتفاعاً مستمراً في كلفة الطاقة والنقل والتشغيل والخدمات، في مقابل تراجع الطلب الداخلي وضيق الأسواق وضعف القدرة التمويلية. أمّا المواطن اللبناني، فيجد نفسه أمام معادلة شبه مستحيلة: مداخيل محدودة، ونفقات متزايدة، وغياب شبه كامل لشبكات الأمان الاقتصادي والاجتماعي. أخبارلبنان اليوم
وهكذا ندخل في حلقة مفرغة: تراجع القدرة الشرائية يؤدّي إلى انخفاض الاستهلاك، وانخفاض الإستهلاك يضغط على مبيعات المؤسسات وإيراداتها، ما يدفعها إلى تقليص استثماراتها ونفقاتها، وأحياناً موظفيها، فتتراجع القدرة الشرائية مجدّداً.
لقد أثبت القطاع الخاص اللبناني، خلال السنوات الماضية، قدرة استثنائية على الصمود والتكيّف وإعادة تنظيم نشاطاته في أصعب الظروف. لكنّ الصمود لا يُمكن أن يتحوَّل إلى استراتيجية اقتصادية دائمة، ولا يُمكن مطالبة المؤسسات بتحمّل الأزمات إلى ما لا نهاية.
فالاقتصاد لا يستطيع أن ينمو بالاعتماد فقط على المبادرات الفردية والتحويلات الخارجية والإستهلاك النقدي. إنّ النمو المستدام يحتاج إلى استثمارات منتجة، وقطاع مصرفي فاعل، ومؤسسات عامة موثوقة، وبنية تحتية حديثة، وقضاء مستقل، وبيئة تشريعية مستقرة.
وفي غياب هذه المقوّمات، تتزايد مخاطر إقفال المؤسسات، وهجرة الكفاءات، وانتقال الرساميل والاستثمارات إلى أسواق أكثر استقراراً. ولا نخسر بذلك النشاط الإقتصادي الحالي فحسب، بل نخسر أيضاً فرص النمو المستقبلية.
من الخطأ الاعتقاد أنّ ضخّ الأموال في الاقتصاد، أو زيادة الإنفاق العام، أو فرض ضرائب ورسوم إضافية، كفيل بإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية. فجوهر الأزمة اللبنانية، أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة سيولة. والمستثمر، سواء كان لبنانياً أو أجنبياً، لا يبحث فقط عن فرص الربح، بل عن الاستقرار والشفافية والقدرة على توقّع المخاطر وحماية حقوقه.
ولا يمكن استعادة هذه الثقة من دون معالجة جدّية لأزمة القطاع المصرفي، وإعادة هيكلة المالية العامة، وتعزيز استقلالية القضاء، ومكافحة الفساد، وإرساء قواعد واضحة وعادلة للاستثمار والمنافسة. كما أنّ تحميل الاقتصاد المنتج والمواطنين أعباء ضريبية إضافية، من دون إصلاح الإنفاق العام وتحسين الخدمات، قد يؤدّي إلى تعميق الإنكماش بدلاً من معالجته.
إنّ مواجهة الانكماش الاقتصادي تتطلّب الانتقال من منطق إدارة الأزمات اليومية إلى وضع رؤية اقتصادية وطنية واضحة، ترتكز على إعادة تحريك القطاعات الانتاجية، وتحفيز الاستثمارات، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وتعزيز الصادرات، والاستفادة من طاقات اللبنانيّين المنتشرين حول العالم.
كذلك، لا بدّ من إعادة بناء الجسور بين القطاعَين العام والخاص، على قاعدة الشراكة الفعلية والمساءلة والشفافية، بعيداً من السياسات الترقيعية والحلول القصيرة الأجل.
فلبنان لا يفتقر إلى الكفاءات أو روح المبادرة أو الفرص الاقتصادية، بل يفتقر إلى الإستقرار والثقة والقرارات الإصلاحية الشجاعة، التي تسمح بتحويل هذه الإمكانات إلى نمو حقيقي ومستدام.
إنّ أخطر ما نواجهه اليوم، ليس فقط تراجع الاقتصاد بنسبة 6,4%، بل احتمال أن نعتاد على الأرقام السلبية، وأن نتعامل مع الإنكماش والفقر وهجرة الشباب وإقفال المؤسسات وكأنّها واقع طبيعي لا مفرّ منه.
فالاقتصاد الذي ينكمش سنة بعد أخرى لا يخسر فقط جزءاً من ناتجه المحلي، بل يخسر تدريجياً قدرته الإنتاجية، ورأسماله البشري، وثقة مستثمريه، وموقعه التنافسي.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى مزيد من التشخيص، بل إلى قرارات، ولا يحتاج إلى إدارة الإنهيار، بل إلى وقف أسبابه. ولا يحتاج إلى وعود بالنمو، بل إلى إعادة بناء الثقة التي تشكّل أساس أي نهوض اقتصادي. أخبارلبنان اليوم
في المحصّلة، يبقى السؤال الأساسي: هل نملك الإرادة السياسية والاقتصادية لتحويل هذا الانكماش إلى نقطة انطلاق للإصلاح، أم سنواصل الاكتفاء بإدارة التراجع إلى أن يصبح النهوض أكثر صعوبة وكلفة؟ فالانكماش بنسبة 6,4% ليس مجرّد رقم… بل جرس إنذار، يستدعي التحرّك قبل فوات الأوان.



