أخبار لبنانابرز الاخبار

خاص – بعد إنشاء مصرف لبنان حساباً لاسترداد الودائع… هل يلمس المودعون أي تغيير؟

 

في خطوة جديدة ضمن مسار معالجة الأزمة المصرفية، اتجه مصرف لبنان إلى فتح حساب لاسترداد الودائع، بالتوازي مع العمل على إنشاء مركزية للمودعين، في إجراء يطرح تساؤلات حول أبعاده الفعلية، والأموال التي يمكن أن يشملها، ومدى ارتباطه باستعادة التحويلات المالية إلى الخارج، والأهم، الموعد الذي يمكن أن يلمس فيه المودعون نتائج ملموسة.

فهل يمهّد هذا الإجراء لبدء إعادة الودائع، أم أنه يبقى خطوة تنظيمية بانتظار استكمال الإطار التشريعي لمعالجة الأزمة؟

في هذا السياق، يعتبر الخبير في المخاطر المصرفية محمد فحيلي، في حديث خاص لموقع Leb Economy، أن الخطوات التي يتخذها مصرف لبنان إيجابية من حيث المبدأ، لكنها لا تغيّر حتى الآن واقع المودعين، ولا تتيح تحديد موعد لاستعادة أموالهم.

الباحث في الشؤون الإقتصادية والمصرفية محمد فحيلي

اعتراف بمسؤولية مصرف لبنان؟

يوضح فحيلي أن إنشاء مركزية للمودعين يشير إلى أن قانون الفجوة المالية، في حال إقراره، سيتجه نحو اعتماد مبدأ تسديد الودائع للمودع الواحد، بصرف النظر عن عدد الحسابات التي يمتلكها أو المصارف التي يتعامل معها.

أما إنشاء حساب لاسترداد الودائع، فيرى أنه يوحي باعتراف مصرف لبنان بمسؤوليته تجاه المودعين، أكثر مما يعكس اعترافاً بمسؤولية الدولة عن ديونها للمصارف التجارية ولمصرف لبنان، أو بمسؤولية المصارف التجارية تجاه أصحاب الودائع.

غير أن فحيلي يشدد على ضرورة اعتماد الشفافية في هذه الإجراءات، معتبراً أنه كان من المفترض أن يوضح مصرف لبنان الأسباب الموجبة لإنشاء مركزية للمودعين وفتح الحساب الجديد، ولا سيما في ظل التعقيدات القانونية التي تحيط بملف إعادة هيكلة المصارف، بعد الطعن الذي قدّمه رئيس الجمهورية بالمادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة هيكلتها.

ويؤكد أن هذه الخطوات، رغم إيجابيتها، لا تحدد موعداً يمكن للمودع أن يستعيد فيه أمواله، مشيراً إلى أن حاكم مصرف لبنان سبق أن تحدث عن احتمال استغراق إقرار قانون الفجوة المالية ستة أو سبعة أشهر.

ماذا عن الأموال المحوّلة إلى الخارج؟

وفي ما يتعلق بإمكان شمول الحساب الجديد الأموال التي حوّلها كبار المودعين وأصحاب المصارف إلى الخارج، يذكّر فحيلي بالتعميم الأساسي رقم 154، الصادر في 26 آب 2020، والذي طلب بموجبه مصرف لبنان من المصارف التواصل مع عملائها وحثّ فئات محددة منهم على إعادة الأموال التي حوّلوها إلى الخارج اعتباراً من تموز 2017.

ويوضح أن التعميم تناول، من بين الفئات المعنية، كبار المساهمين ورؤساء مجالس الإدارة والمديرين التنفيذيين وبعض العملاء الذين أجروا تحويلات مالية كبيرة، مشيراً إلى أن الأموال المعادة بموجب هذه الآلية توضع في حسابات خاصة وتُدفع عنها فوائد.

لكن فحيلي يميّز بين مسارين مختلفين: الأول يتعلق باسترداد أموال مرتبطة بجرائم مالية مثبتة، والثاني باستعادة تحويلات مالية إلى الخارج بهدف استخدامها في معالجة أزمة الودائع.

ففي الحالة الأولى، يوضح أنه إذا ثبت وجود جرائم، كالفساد أو الاختلاس أو السرقة أو تبييض الأموال أو التهرب الضريبي، ووُثّقت هذه المخالفات وسلكت المسار القضائي الطبيعي، يصبح بالإمكان اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق الأموال المرتبطة بها.

أما في الحالة الثانية، فيلفت إلى أن التعميم 154 يحثّ العملاء على إعادة الأموال، لكنه لا يفرض عليهم ذلك، معتبراً أن غياب قانون لضبط التحويلات إلى الخارج، أو ما يُعرف بالكابيتال كونترول، لا يسمح باعتبار التحويلات بحد ذاتها جرائم مالية.

كم تبلغ الأموال القابلة للاسترداد؟

وعن حجم الأموال التي يمكن استردادها، يمتنع فحيلي عن تقديم تقدير رقمي، معتبراً أن مصرف لبنان هو الجهة المعنية بالإفصاح عن هذه المعطيات، نظراً إلى امتلاكه المعلومات التي تتيح له تكوين صورة واضحة عن حجم الأموال المحوّلة إلى الخارج والظروف التي رافقت هذه العمليات.

ويشير إلى ضرورة التمييز بين التحويلات التي جرت في ظروف طبيعية وتلك التي قد تكون ارتبطت بممارسات مشبوهة، من بينها تضخيم فواتير الاستيراد بهدف إخراج الأموال.

كما يطرح تساؤلات حول الأسباب التي سمحت لبعض العملاء بتحويل أموالهم إلى الخارج، في حين حُرم آخرون من هذه الإمكانية.

ويرى أن هذا التفاوت يعكس ممارسات استنسابية وزبائنية سياسية، تتعارض مع مبادئ العدالة والمساواة في التعامل مع العملاء، مذكّراً بأن حقوق المودعين تضررت بصورة كبيرة منذ تشرين الأول 2019.

متى يستعيد المودعون أموالهم؟

في ما يتعلق بالموعد الذي يمكن أن تنعكس فيه هذه الإجراءات على المودعين، يربط فحيلي أي تقدم فعلي باستكمال المسار التشريعي لمعالجة الأزمة.

ويوضح أن هذا المسار يبدأ بقانون إصلاح المصارف وإعادة هيكلتها، الذي لا يزال مصير المادة الثالثة منه مرتبطاً بالطعن المقدّم أمام المجلس الدستوري، على أن يتبعه قانون الفجوة المالية، الذي لم تصبح صيغته النهائية جاهزة بعد لإقرارها في مجلس الوزراء وإحالتها إلى مجلس النواب.

ويضيف أن إحالة مشروع موازنة عام 2027 إلى مجلس النواب قد تشكّل عاملاً إضافياً يؤثر في الجدول الزمني للنقاشات التشريعية، نظراً إلى أولوية دراسة الموازنة في لجنة المال والموازنة.

وبناءً على ذلك، يرجّح فحيلي أن تبقى الإجراءات التي يتخذها مصرف لبنان حالياً «حبراً على ورق» إلى حين إقرار قانون الفجوة المالية والبدء بتنفيذه، مؤكداً أن المودع لن يلمس تغييراً فعلياً قبل ذلك.

إجراءات يمكن اتخاذها من دون انتظار القوانين

في المقابل، يرى فحيلي أن مصرف لبنان ليس مضطراً إلى انتظار إقرار جميع القوانين لاتخاذ خطوات تخفف من معاناة المودعين.

ويشير إلى إمكان زيادة سقوف الاستفادة من التعميمين 158 و166، بما يسمح للمودعين بالحصول على مبالغ أكبر من ودائعهم عبر الآليات القائمة.

كما يعتبر أن المصرف المركزي يستطيع، بالاستناد إلى تقييم أوضاع المصارف والتعميم الأساسي رقم 154، مطالبة المصارف التي تتمتع بسيولة كافية لاستئناف تمويل النشاط الاقتصادي بالتواصل مع مودعيها والبحث في آليات تسمح لهم بالوصول إلى جزء من أموالهم، من دون تعريض السيولة بالعملات الأجنبية لضغوط غير مبررة.

ويلفت إلى أن بعض المصارف قد تكون قادرة على استئناف خدمة الاقتصاد بفضل السيولة التي كوّنتها، إلا أن هذه السيولة لا تكفي بالتأكيد لتسديد كامل ودائع العملاء.

وفي هذا الإطار، يعتبر أن معالجة ملف الودائع على مستوى كل مصرف على حدة قد تكون أكثر فعالية من المقاربة الحكومية الحالية.

سعر الـ15 ألف ليرة… سؤال معلّق

وفي موازاة ذلك، يثير فحيلي مسألة استمرار سحب بعض الودائع الدولارية على أساس سعر صرف يبلغ 15 ألف ليرة للدولار.

ويعتبر أن هذا السعر لا يستند، برأيه، إلى أساس قانوني رسمي يبرر استمرار اعتماده، متسائلاً عن الأسباب التي تسمح للمصارف بمواصلة تسديد الودائع وفق هذه الآلية.

ويرى أن توضيح هذه المسألة ومعالجتها قد يكونان أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى المودعين من الإعلان عن إنشاء حساب جديد أو مركزية للمودعين، ما دامت هذه الإجراءات لم تتحول بعد إلى نتائج ملموسة.

وهكذا، وبين الخطوات التنظيمية التي يعلنها مصرف لبنان والتشريعات التي لا تزال تنتظر الإقرار، يبقى السؤال الأساسي بالنسبة إلى المودعين من دون جواب حاسم: متى تتحول الوعود والإجراءات إلى أموال يمكنهم استعادتها فعلياً؟

بواسطة
هبة أمين
المصدر
خاص Leb Economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى