قانون انتخاب تنحني له الرقاب… أم قانون تنحني له المصالح؟ (الجمهورية 9 تشرين الأول)

في لبنان، لا يُولد قانون الانتخاب بسهولة. كلما اقترب موعد الاستحقاق، خرج القانون من الأدراج، واستيقظت اللجان، وارتفعت الأصوات، وتكاثرت الاقتراحات، ثم يبدأ السؤال الذي يعرف الجميع، أنّ الإجابة عنه ليست تقنية أبداً: مَن سيربح ومَن سيخسر إذا تغيّرت قواعد اللعبة؟
عاد قانون الانتخاب إلى الطاولة مجدداً. اللجنة النيابية الفرعية المنبثقة من اللجان المشتركة عاودت اجتماعاتها، بعدما كانت قد علّقت أعمالها في 2 تشرين الأول 2025. وعلى جدولها اقتراحات قوانين الانتخابات النيابية ومجلس الشيوخ.
وهنا تحديداً تبدأ الحكاية.
فلبنان لا يحتاج إلى قانون انتخاب جديد فقط، لأنّ القانون النافذ يتضمن ثغرات. وإنما يحتاج إلى قانون يستطيع اللبناني أن ينظر إليه فلا يسأل أولاً: لِمَن صُمّم؟
تكفي قوانين على قياس الانتخابات والقوى السياسية المختلفة..
منذ إقرار القانون الرقم 44 عام 2017، والجدل لم يتوقف حول النظام الانتخابي. أُجريت انتخابات 2018 و2022 على أساسه، وبقيت مسائل أساسية موضع نقاش، من تفاصيل النظام النسبي إلى تقسيم الدوائر، ومن الصوت التفضيلي إلى اقتراع المغتربين والإنفاق الانتخابي.
وفي 2025، لم تكن اللجنة النيابية الفرعية تناقش اقتراحاً واحداً. كانت أمامها مجموعة من الاقتراحات، بينها اقتراحات تتعلق بانتخاب مجلس النواب، وأخرى بإنشاء مجلس الشيوخ، واقتراح «اللقاء الأرثوذكسي»، وتعديلات على القانون النافذ.
أي إنّ المطلوب لم يعد مجرد «ترقيع» قانون. المطلوب، إذا كان هناك قرار سياسي جدّي، أن يُحسم السؤال الكبير: هل يريد لبنان قانوناً انتخابياً يحمي التمثيل، أم قانوناً يحمي موازين القوى القائمة؟ وهنا الفارق بين التشريع والمساومة. اللجنة عادت… والساعة لا تنتظر
اللافت أنّ النقاش لم يبدأ اليوم. ففي حزيران 2025، كانت اللجنة قد ناقشت مع وزير الداخلية موقف الحكومة من قانون الانتخاب، فيما كان السؤال المطروح آنذاك: ماذا فعلت الحكومة في اتجاه إصدار قانون انتخاب «عصري» كما ورد في بيانها الوزاري؟
وفي آب من العام نفسه، أُبلغت اللجنة أنّ الحكومة درست القانون النافذ، وأنّ لديها ملاحظات، خصوصاً في ما يتعلق بانتخاب النواب الستة عن غير المقيمين، والبطاقة الممغنطة والإنفاق الانتخابي.
ثم جاء أيلول، وكان النقاش قد وصل إلى نقطة أكثر حساسية: الحكومة بدأت العمل على تطبيق القانون النافذ، بما في ذلك إجراءات تتعلق بالمغتربين، في وقت بقيت الاقتراحات النيابية الأخرى على الطاولة.
وفي 2 تشرين الأول 2025، كانت اللجنة لا تزال تبحث اقتراحات الانتخاب ومجلس الشيوخ، قبل أن تتوقف أعمالها. واليوم عادت. لكن السؤال: هل عادت لتكمل من حيث توقفت، أم لتبدأ لعبة جديدة؟
على أنّ أكثر الملفات حساسية مسألة اقتراع اللبنانيين في الخارج. وهنا يجب أن يُقال الكلام بوضوح: المغترب اللبناني ليس رقماً يُستدعى عندما تكون أصواته مفيدة، ثم يُنسى عندما يصبح وجوده في المعادلة الانتخابية مزعجاً. ولقد أثبتت انتخابات 2022 أنّ للاغتراب اللبناني حضوراً انتخابياً وسياسياً مؤثراً. ولذلك فإنّ أي تعديل في طريقة تمثيل المغتربين أو توزيع أصواتهم لا يمكن التعامل معه كأنّه تعديل إداري صغير.
والسؤال هنا يجب أن يكون أبسط وأقسى: هل اللبناني المقيم خارج لبنان مواطن كامل الحقوق، أم مواطن انتخابي بنصف حضور؟
إذا كان صوته حقاً دستورياً، فليكن النقاش حول أفضل آلية لممارسته، لا حول طريقة احتسابه وفق حسابات القوى السياسية.
ثم هناك مجلس الشيوخ، ملفٌ يعود في كل مرّة إلى طاولة البحث ثم يعود إلى الأدراج، مع أنّه مرتبط بفكرة أوسع وردت في «اتفاق الطائف» حول تطوير النظام السياسي اللبناني. وفي 2025، كان اقتراح إنشاء مجلس الشيوخ حاضراً فعلياً على جدول أعمال اللجنة إلى جانب قوانين الانتخابات. وهنا أيضاً لا تنفع أنصاف الحلول.
إذا كان مجلس الشيوخ جزءاً من تصور متكامل لتطوير النظام السياسي، فليُناقش بجدّية. وإذا كان مجرد عنوان يُستعمل في لحظة تفاوضية ثم يُرمى جانباً، فليُقل ذلك للبنانيين بصراحة. أما أن يبقى مجلس الشيوخ «مشروعاً مؤجّلاً» وقانون الانتخاب «مشروعاً دائماً»، فهذا يعني أنّ الإصلاح يبقى شعاراً، فيما تبقى قواعد اللعبة الفعلية ثابتة.
لا أحد يريد قانوناً «يُفصّل» على قياسه.
الخطر الحقيقي ليس في النسبية وحدها، ولا في الأكثرية وحدها، ولا في الدائرة الكبرى أو الصغرى.
الخطر في أن يصبح القانون الانتخابي خياطاً سياسياً: يُقاس على هذا الطرف اليوم، وعلى ذاك الطرف غداً، وعلى التحالفات القائمة بعد غد.
فلقد دفع لبنان ثمناً باهظاً بسبب قوانين انتخابية ارتبطت في مراحل مختلفة بتوازنات سياسية محدّدة.
ولذلك، فإنّ السؤال الذي يجب أن يسبق كل مادة وكل فقرة وكل تعديل هو: لو لم نكن نعرف مسبقاً من سيستفيد من هذا القانون، هل كنا سنختاره أيضاً؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهنا يبدأ التشريع الحقيقي. أما إذا كانت الإجابة مرتبطة بأسماء وكتل ومقاعد، فنحن لسنا أمام إصلاح انتخابي، بل أمام إعادة توزيع للمقاعد.
قانون الانتخاب ليس ملكاً للنواب، وهذه نقطة يجب ألاّ تُنسى. النواب يشرّعون، لكن القانون الانتخابي ليس ملكاً لهم. إنّه ملك الناخب. والناخب هو الذي سيدفع ثمن أي ثغرة، وأي غموض، وأي التفاف، وأي مادة صيغت لتخدم ظرفاً سياسياً عابراً.
لذلك، فإنّ اللجنة النيابية الفرعية، وهي تعود إلى اجتماعاتها، أمام مسؤولية تتجاوز النصوص. وأمامها امتحان ثقة: هل تستطيع أن تنتج قانوناً لا يحتاج بعد أربع سنوات إلى «إصلاح» جديد؟ وهل تستطيع أن تفصل بين مصلحة النظام الانتخابي ومصلحة القوى التي ستخوض الانتخابات؟ وهل تستطيع أن تقول للبنانيين إنّ القانون الذي سيصدر ليس قانون هذا الفريق أو ذاك، بل قانون الدولة؟
لبنان لا يحتمل قانوناً آخر للساعة الأخيرة.
لقد آن الأوان للخروج من عادة الانتظار حتى اللحظة الأخيرة. فالقانون الانتخابي لا يُكتب في الممرات، ولا في الساعات الأخيرة، ولا تحت ضغط المهل الدستورية، ولا على وقع التسويات السياسية الطارئة. القانون الذي يحترم المواطن يجب أن يكون واضحاً قبل أن تبدأ المعركة الانتخابية، لا أن يكون جزءاً من المعركة نفسها.
والأخطر من كل ذلك، أن يتحول قانون الانتخاب أداة لإدارة الخلاف السياسي، بدلاً من أن يكون أداة لتنظيمه ديموقراطياً. وليس المطلوب قانوناً «ينتصر» فيه طرف على آخر. وإنما المطلوب قانون لا يخاف منه أحد. قانون يعرف المرشح بموجبه قواعد اللعبة قبل أن يدخلها. ويعرف الناخب قيمة صوته. ويعرف المغترب كيف يصوّت.
وتعرف الدولة كيف تنفّذ. وتعرف القوى السياسية أنّ صناديق الاقتراع هي التي تقرّر، لا غرف التفاوض وحدها. ذلك هو القانون الذي يمكن أن تنحني له الرقاب احتراماً. أما القانون الذي تنحني له الرقاب خوفاً أو اضطراراً أو حفاظاً على مكاسب، فلا يحتاج إلى كثير شرح.
لقد عادت اللجنة النيابية إلى اجتماعاتها. والكرة باتت الآن في ملعب المجلس النيابي.
فإما أن تكون العودة بداية ورشة تشريعية جدّية، تضع قواعد ثابتة للانتخابات، وإما أن تكون مجرد حلقة جديدة في مسلسل طويل من تأجيل الإصلاح إلى أن يقترب موعد الانتخابات.
إنّ لبنان لا يحتاج قانوناً انتخابياً جديداً فقط، وإنما يحتاج قانوناً يستطيع اللبناني أن يصدّقه. وعندما يصبح القانون الانتخابي فوق الأشخاص، وفوق الأحزاب، وفوق الحسابات الانتخابية الآنية، عندها فقط يمكن القول إنّ لبنان وضع نفسه على طريق دولة القانون، لا دولة القوانين التي تتغيّر كلما تغيّرت موازين القوى.



