خرائط «البيئة» تُقلّص المحميات: «تصحيح» يثير اعتراضات (الأخبار 9 تشرين الأول)

أثار طرح وزارة البيئة مشاريع مراسيم تُعدِّل خرائط 11 محمية طبيعية على مجلس الوزراء أمس اعتراضات بلديات وجمعيات بيئية وناشطين، لما تتضمنه من اقتطاع لمساحات شاسعة من بعضها، بما يخرجها من الحماية القانونية. وفيما تُقدَّم الخطوة باعتبارها إجراءً تقنياً وقانونياً لتحديد الحدود بدقة، يرى المعترضون أن الفروقات الكبيرة بين المساحات الحالية والمقترحة تستدعي تساؤلات حول مستقبل الأراضي المستثناة وإمكان استغلالها في مشاريع استثمارية أو أنشطة كانت محظورة سابقاً. ونتيجة الاتصالات التي جرت قبيل جلسة أمس، سُحب البند من جدول أعمالها، من دون أن يعني ذلك إقفال الملف أو تبديد المخاوف المرتبطة به.
ووفقاً للمعطيات المتوافرة، يُسجل تراجع ملحوظ في المساحات المقترحة للمحميات المعنية مقارنةً بالمساحات المعتمدة سابقاً، إذ تقلصت مساحة محمية أرز الشوف في مشروع المرسوم المقترح بحوالى الثلث، من 15647 هكتاراً إلى 9962 هكتاراً، فيما تقلصت مساحة محمية شاطئ صور بحوالى النصف من 380 هكتاراً إلى 185 هكتاراً. أما محمية حرج إهدن، فطاولها اقتطاع كبير أيضاً من 1700 هكتار إلى 1410 هكتارات. والمحميات الأخرى المشمولة بالمرسوم هي: جزر النخل وسنني ورامكين، غابة أرز تنورين، اليمونة، بنتاعل، مشاع شننعير، كفرا، رامية وبيت ليف، علماً أن التعديل لم يشمل كافة المحميات المذكورة. ولا يقتصر الاعتراض على الأرقام، بل يشمل أيضاً معايير إعداد الخرائط، ومدى التشاور مع الجهات المحلية.
وزارة البيئة: تحديد الحدود الدقيقة
تبرر وزارة البيئة مشروعها أن القوانين التي أنشأت المحميات منذ العام 1992، رسمت حدود كل محمية شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، أي حدّدت الإطار العام وليس الحدود الدقيقة. ولذا، عملت عبر الخرائط الجديدة قدر المستطاع ووفق توفر المعلومات والمستندات التي تثبت الملكيات على إخراج الأملاك الخاصة التي تمكنت من تحديدها من هذا الإطار العام. وبالتالي، باتت الحدود مرسومة بشكل أدق.
زغرتا – إهدن ترفض
تعود أبرز الاعتراضات إلى بلدية زغرتا – إهدن ولجنة محمية حرج إهدن، اللتين ترفضان الخريطة المقترحة لأنها تقتطع نحو 17% من مساحة المحمية، أي ما يقارب 300 هكتار (ثلاثة ملايين متر مربع).
يروي رئيس البلدية واللجنة بيارو زخيا الدويهي أن الوزارة تواصلت مع البلدية منذ أشهر بشأن المشروع، إلا أن «المجلس البلدي رفض التعديل المقترح، كما صوتت لجنة المحمية ضدّه»، مستغرباً أنه «بعد التواصل معنا وإبلاغ الوزارة برفضنا، لم يحصل أي تواصل آخر، إلى أن فوجئنا بطرح الموضوع على مجلس الوزراء».
ولا يقتصر اعتراض البلدية على حجم المساحة المستثناة، بل يشمل مبررات الوزارة نفسها، وبينها وجود أجزاء من المحمية خارج النطاق العقاري لإهدن، الأمر الذي لا يراه مقنعاً. ويسأل: «هل يعني اسم المحمية أن عليها أن تقع بالكامل ضمن النطاق العقاري لإهدن؟»، مؤكداً أن «المحمية ثروة وطنية وبأن حدودها تتخطى الحدود العقارية لأي بلدية».
الخرائط الجديدة ترسم خريطة 11 محمية طبيعية بدقة بعدما كانت حدودها عامة
كذلك، يطرح المهندس والناشط البيئي رينيه معوض تساؤلات بشأن الأسس التقنية التي اعتمدت في إعداد الخرائط. ويسأل عن الجهة التي أجرت المسح، والمعايير المستخدمة في تحديد الحدود الجديدة، ومدى الاستناد إلى معطيات علمية وبيئية إلى جانب السجلات العقارية. ويربط معوض هذه التساؤلات بالمخاوف التي أثارها التعميم 609/2026 الصادر عن وزير المالية ياسين جابر في شباط الماضي، والمتعلق بتسجيل العقارات غير الممسوحة والمشاعات باسم الدولة في مرحلة أولى، على أن تُنقل لاحقاً إلى البلديات عند توافر المستندات القانونية التي تثبت حقوقها، والذي أوقف مجلس شورى الدولة تنفيذه.
عين داره: مخاوف من عودة الكسارات
تكتسب الاعتراضات على خرائط محمية أرز الشوف بُعداً إضافياً في بلدة عين داره، حيث تتخوف «هيئة المبادرة المدنية» من أن يؤدي استبعاد أجزاء من البلدة من المحمية إلى إعادة نشاط المقالع والكسارات، ما «يفتح النطاق العقاري للبلدة بمجمله (25 مليون متر مربع) للدمار الشامل». ويلفت البيان إلى أن «3 ملايين متر مربع دمرتها المقالع والكسارات والمرامل ومحافر التربة داخل هذا الحرم».
ويحذر منسق الهيئة عبد الله حداد من أن «نحو 40% من مساحة عين داره كانت تقع ضمن نطاق محمية أرز الشوف، ما يجعل أي تعديل في حدودها مسألة تتجاوز الجانب العقاري إلى مستقبل الحماية البيئية للبلدة». ويشرح أن «عين داره كانت أول قرية مذكورة في قانون إنشاء محميّة أرز الشوف الصادر في العام 1996»، مشدداً على رفضه عدم اعتماد قوانين إنشاء المحميات السابقة لعام 2014 في رسم الخرائط الجديدة.
وتطالب الهيئة بإخضاع جبل عين داره لدراسة شاملة، بالتوازي مع متابعة الملفات القضائية المفتوحة والمتعلقة بالمشاعات والانتهاكات البيئية السابقة.
تنورين: لا تقليص للمحمية
في المقابل، لا تنسحب الاعتراضات على جميع المحميات المشمولة. فرئيس بلدية تنورين ياسر نعمة يؤكد أن «الخرائط المقترحة لم تؤدِّ إلى تقليص مساحة محمية أرز تنورين، البالغة نحو 195.5 هكتاراً، والتي تضم أكثر من مليون ونصف مليون شجرة». ويوضح نعمة أن «الوزارة تواصلت مع البلدية وجرى التنسيق مع الجهات المعنية، وتبين أن الحدود المقترحة دقيقة ولا تمس مساحة المحمية، مع الإشارة إلى وجود عدد محدود من الملكيات الخاصة التي استُثنيت من الحدود، والتي ستسعى مستقبلاً إلى شرائها بالتراضي مع أصحابها، بهدف ضمها إلى المحمية».
ويظهر التباين بين تجربتي إهدن وتنورين أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ إعداد الخرائط بحدِّ ذاته، بل بنتائج عملية التحديد في كل محمية، وطبيعة الأراضي المستثناة، ومدى موافقة الجهات المحلية المعنية على التعديلات المقترحة.
اعتراضات بالجملة
شنّت النائب نجاة عون صليبا عبر وسائل التواصل الاجتماعي هجوماً قاسياً على وزيرة البيئة تمارا الزين، واصفةً إياها بـ«وزيرة المقالع والمحارق ووزيرة قضم المحميات». وشددت صليبا على أن «المحميات تأسست بقوانين والوزيرة لا يحق لها أن تعدّل القانون بمرسوم أو بقرار».
كذلك، طالبت جمعية «الأرض – لبنان» بإجراء كشف علني يبيّن إن كانت الخرائط تُصحِّح تقديرات سابقة أم تُخرج أراضي من نطاق الحماية، وما قد يترتّب على ذلك من تخفيف قيود البناء والاستثمار والأنشطة المؤذية للطبيعة. كما طالبت بإجراء مراجعة قانونية وعلمية وبيئية شفافة، بمشاركة لجان المحميات والبلديات والخبراء والجمعيات المعنية.
من جهتها، تحفظت جمعية «الجنوبيون الخضر» على المنهجية التي اعتُمدت في تحديد الحدود، منطلقةً من أن المحمية ليست مجرد مجموعة من العقارات، بل نظام بيئي مترابط، وبالتالي فإن تحديد نطاقها يجب ألّا يستند حصراً إلى الملكيات والحدود العقارية، بل إلى معايير علمية تشمل الموائل الطبيعية وحركة الأنواع والأحواض المائية والترابط بين المحمية والمناطق المحيطة بها.
وركزت الجمعية على مفهوم «المنطقة العازلة» بوصفها عنصراً أساسياً في حماية المحمية من الأنشطة المحيطة بها، لافتةً إلى أن الوثائق المعروضة والتي اطلعت عليها، لا تأتي على أي ذكر واضح لهذه المنطقة أو لمنهجية تحديدها وتحديثها. وفيما شددت على أن صفة الملكية لا ينبغي أن تكون معياراً بديلاً عن القيمة البيئية للأرض، تساءلت عن سبب عدم إخضاع الخرائط لنقاش عام ومتخصص قبل إحالتها إلى مجلس الوزراء.



