واشنطن تقوم بحسابات الانتخابات.. توسيع الحرب أم التسوية؟ (الديار 7 تشرين الأول)

يُبدي الكثيرون في لبنان قلقًا واضحا من العودة إلى توسيع الحرب من قبل “اسرائيل” بغطاء أميركي، على أن تشمل تفجيرات أو اغتيالات خارج الجنوب. ويبدو الوضع الأمني على المحكّ في المرحلة الراهنة، مع بدء العدّ العكسي لانتخابات “الكنيست” ثم لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي بعدها بأسبوع. ولا يترك كلّا من الرئيس الاميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة “الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو، أي ملف في المنطقة إلّا ويتمّ توظيفه في حسابات الربح والخسارة، ولتحقيق المصالح الشخصية.
من هنا، لا يمكن إعطاء إجابة حاسمة مئة في المئة عمّا تريده واشنطن في هذه المرحلة بالذات، استئناف الحرب في لبنان والمنطقة أم الذهاب إلى اتفاق وتسوية، على ما توكّد مصادر سياسية مطلعة، نظرًا للتناقض في المواقف وترابط الملفات، رغم أنّ الدفّة تميل وفق الترجيحات إلى تجدّد الحرب، مع عدم التوصّل إلى اتفاق شامل، ولكن لا يُعرف توقيتها، هل قبل أو بعد الانتخابات؟
ثمة تجاذب سياسي وانقسام في الآراء في واشنطن، على ما تقول المصادر، مع اقتراب الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني المقبل، ما يجعل المشهد ضبابيا بعض الشيء. فترامب يعد بأنّه سيُنهي الحرب مباشرة بعد الانتخابات (أو قبلها)، وستنخفض الأسعار. ثمّ يُهدّد بعد ذلك بإمكان استئناف وتكثيف القصف على إيران. وهذه المواقف المتناقضة تدلّ على أنّه يريد اتفاقًا إذا كان بإستطاعته اعتباره انتصاراً، غير أنّه ليس مستعدّاً لقبول أي اتفاق مجتزأ لا يلبّي شروطه، ولهذا يُبقي خيار التصعيد مفتوحا ما بعدها.
وبالنسبة إلى الحرب في لبنان، تشير المصادر نفسها إلى أنّ ترامب يفصلها عن مواجهته مع طهران. ولكن ما نراه حتى الآن ليس من تسوية إقليمية، ولا من حلّ لوقف الاعتداءات “الإسرائيلية” على الجنوب اللبناني، أو لمنع الفراغ الأمني فيه بعد مغادرة “اليونيفيل”، إنّما استمرار لإعطاء الضوء الأخضر لنتنياهو لضرب البنية التحتية لحزب الله وشلّ قدراته. ولكن في الواقع، قد يكون ترامب ضد توسيع الحرب في لبنان قبل الانتخابات، كونها لن تخدم لا مصالحه ولا مصالح “تلّ أبيب”، لأنّ نتائجها غير مضمونة، وقد تأتي بردود فعل عكسية تغيّر المزاج الشعبي.
في المقابل، ثمة ضغط كبير داخل حزب ترامب الجمهوري نفسه، على ما توضح المصادر، لإنهاء الحرب على إيران قبل الانتخابات، بسبب تأثيرها في ارتفاع أسعار المحروقات، ولأنّها باتت تُشكّل عبئا على بعض المرشحين الجمهوريين. كذلك فإنّ نائب الرئيس جاي دي فأنس يميل إلى خفض التصعيد، ويقول إنّ “مصالح واشنطن و”تلّ أبيب” ليست متطابقة تماما في كلّ الملفات”.
الرؤية العامة لواشنطن بحسب المصادر هي تثبيت وقف النار في الجنوب، والانتقال إلى ترتيبات أمنية يجري التوافق عليها بين لبنان و “إسرائيل”، خلال المفاوضات التي تجري برعايتها، وليس إعطاء “إسرائيل” شيكًا “على بياض” لتوسيع الحرب. غير أنّ واشنطن، لا تضغط على “إسرائيل” للانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولا توافق بالتالي على بقاء سلاح حزب الله بعد كلّ المواجهات العسكرية الجارية منذ سنتين، بل تسعى إلى تحقيق بند نزع السلاح وتعزيز قدرات الجيش.
وتلفت المصادر إلى أنّ واشنطن لا تزال تجد أنّ الحلّ الوحيد للبنان، هو تطبيق “الإطار الثلاثي”. وهي تدفع في اتجاه تفعيل هذا الاتفاق، الذي ينصّ على بسط سيادة الدولة وتفكيك السلاح غير الشرعي، مقابل إنسحاب تدريجي “للجيش الإسرائيلي”. ولكن هذا الدفع يأتي بخطوات بطيئة لمعرفة إلى من ستميل الدفّة في انتخابات “الكنيست” في 27 تشرين الأول الجاري، ثم الانتخابات النصفية. كما تُمارس واشنطن الضغوط على لبنان، بحجّة أنّ الجهود التي تقوم بها الدولة لنزع سلاح الحزب، لا تزال “غير كافية”.
وعن إمكان أن تُساهم مسألة سحب صلاحية اتخاذ قرار الحرب من ترامب، وتأثيرها في إعطاء الضوء الأخضر لـ”إسرائيل” لتوسيع الحرب على حزب الله في لبنان، توضح المصادر المطلعة أنّ الكونغرس لم ينجح حتى الآن بسحب هذه الصلاحية منه. وقد لا تؤدّي في حال تمكّن من ذلك إلى إجبار “إسرائيل” على وقف عملياتها جنوب لبنان، إنّما على تضييق هامش ترامب بعض الشيء.



