الرقابة النيابية: مِن فتح الملفات إلى حماية المال العام (الجمهورية 5 تشرين الأول)

في دولة المؤسسات، لا تُقاس فعالية العمل النيابي بعدد القوانين التي تُقرّ فقط، بل بقدرته أيضاً على ممارسة الرقابة، وطرح الأسئلة، وتتبّع الملفات، وكشف مكامن الخلل، وإحالة ما يستوجب التحقيق إلى الجهات المختصة. فالرقابة النيابية ليست مواجهة مع الإدارة ولا بديلاً من القضاء، بل هي إحدى الأدوات الأساسية لضمان أن تبقى ممارسة السلطة ضمن القانون، وأن يكون المال العام محاطاً بالمساءلة والحماية.
من هذا المنطلق، يكتسب ما أشار إليه رئيس لجنة الاقتصاد الوطني النيابية النائب فريد البستاني في تغريدته الأخيرة، أهمية تتجاوز الملفين اللذين تناولهما. فالقضية، في جوهرها، تتعلق بوظيفة الرقابة النيابية، عندما تتحول من متابعة سياسية عامة إلى عمل مؤسساتي يقوم على جمع المعطيات، ودراسة الملفات، وطرح الأسئلة، ثم إحالة ما يستوجب المتابعة إلى القضاء أو الجهات الإدارية المختصة.
في الملف المتعلق بالوزير السابق أمين سلام وشقيقه كريم سلام ونقيب خبراء المحاسبة إيلي عبود، تكمن أهمية الدور النيابي في أنّ اللجنة، وفق ما أورده البستاني، تابعت المعطيات المتصلة بالملف، وقدّمت إخباراً إلى القضاء. أما القرار القضائي بإحالة القضية إلى محكمة الجنايات، فهو مسار مستقل يعود إلى السلطة القضائية وحدها، ولا يعني بأي حال ثبوت الإدانة، التي تبقى رهن المحاكمة وصدور حكم وفق الأصول القانونية. وهنا تتضح الحدود الصحيحة بين السلطات: المجلس النيابي يراقب ويسائل ويضع الوقائع أمام المرجع المختص، والقضاء يحقق ويحاكم ويصدر الأحكام. وكلما احترمت المؤسسات هذه الحدود، أصبحت المحاسبة أكثر جدّية وأبعد عن الانتقائية أو تصفية الحسابات.
أما ملف مكننة هيئة إدارة السير وجوازات السفر، فيطرح وجهاً آخر من وجوه الرقابة: حماية انتظام المرفق العام وضمان شفافية التلزيمات. فالمال العام لا يُحمى فقط عندما تتمّ ملاحقة مخالفة بعد وقوعها، وإنما أيضاً عندما تكون إجراءات التعاقد والشراء العمومي واضحة وتنافسية وقابلة للتدقيق، وعندما تكون الأولوية لمصلحة الدولة وحقوق المواطنين واستمرارية الخدمة العامة.
وتزداد أهمية هذه المسألة في القطاعات التي تتصل مباشرة بحياة الناس ومعاملاتهم ووثائقهم الرسمية. فالخلل في إدارة هذه القطاعات لا يبقى شأناً إدارياً داخلياً، بل يتحول سريعاً إلى كلفة يتحمّلها المواطن، سواء عبر التأخير أو التعقيدات أو تعطيل المعاملات، فضلاً عن المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما تغيب الشفافية عن إدارة العقود العامة.
من هنا، فإنّ الانتقال من عقد إلى آخر أو من شركة إلى أخرى، لا ينبغي أن يكون هو المعيار الوحيد للحكم على سلامة المسار. المعيار الأهم هو: هل تمّت العملية وفق قواعد واضحة؟ هل كانت المنافسة متاحة؟ هل حُفظت حقوق الدولة؟ هل كانت شروط التلزيم شفافة؟ وهل حصل المواطن في النهاية على خدمة أفضل وأكثر انتظاماً؟
هذه الأسئلة هي جوهر الرقابة النيابية الحديثة. فمكافحة الفساد لا تبدأ دائماً من قاعة المحكمة، ولا تنتهي فيها. إنّها منظومة متكاملة تبدأ بالشفافية، وتمرّ بالرقابة البرلمانية والإدارية والمالية، وتصل عند وجود شبهات أو مخالفات إلى القضاء المستقل، ثم تُستكمل بإصلاح مكامن الخلل التي سمحت بالمشكلة أصلاً.
وهذا تحديداً ما يجعل العمل النيابي الرقابي ذا قيمة تتجاوز الحسابات السياسية اليومية. فالرقابة الفاعلة لا تكتفي بكشف الخلل، بل تسعى إلى منع تكراره. ولا تكتفي بالسؤال عمّن يتحمّل المسؤولية، بل تسأل أيضاً: كيف يمكن تعديل الآلية أو النظام أو الإجراء بحيث لا تتكرّر المخالفة؟
في بلد يعاني منذ سنوات من أزمات مالية وإدارية متراكمة، تصبح حماية المال العام مسؤولية مضاعفة. كل ليرة تُنفق من الخزينة هي مال للمواطنين، وكل عقد عام هو قرار في استخدام موارد يفترض أن تعود بالنفع على المجتمع، وكل خدمة تتعطّل هي عبء إضافي على الناس والدولة معاً.
لذلك، فإنّ تعزيز الرقابة النيابية لا يعني توسيع صلاحيات مجلس النواب على حساب سائر المؤسسات، بل يعني تفعيل الصلاحيات الموجودة أصلاً ضمن إطار الدستور والقانون. فالمجلس القوي رقابياً هو الذي يستطيع أن يطلب المعلومات، ويتابع تنفيذ القوانين، ويدقق في أداء الإدارات، ويستمع إلى المعنيين، ويكشف مكامن الخلل، ثم يترك لكل مؤسسة اختصاصها.
وفي هذا السياق، تبدو العبارة التي اختصر بها البستاني موقفه: «المحاسبة ليست انتقاماً، والرقابة ليست تصفية حسابات» تعبيراً عن قاعدة يفترض أن تحكم العمل العام كله: لا قيمة لمحاسبة تتحول انتقاماً، كما لا قيمة لرقابة تتحول خصومة سياسية. قيمة الرقابة الحقيقية أنّها تجعل القانون فوق الأشخاص، والمؤسسات فوق الاعتبارات الشخصية، والمال العام فوق المصالح الخاصة.
والتحدّي الفعلي لا يكمن في فتح الملفات فحسب، بل في ضمان وصولها إلى خواتيمها القانونية. فالملف الذي يُفتح ثم يُنسى لا يبني دولة، كما أنّ الإخبَار الذي لا يتبعه مسار قضائي واضح لا يحقق الغاية المرجوة من الرقابة. وفي المقابل، فإنّ القضاء الذي يعمل باستقلالية، والإدارة التي تلتزم بالشفافية، والمجلس النيابي الذي يمارس رقابته بجدّية، تشكّل معاً حلقات متكاملة في بناء دولة المؤسسات.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى الرقابة النيابية باعتبارها نشاطاً موسمياً مرتبطاً بملف أو أزمة، بل باعتبارها ممارسة دائمة تواكب الإنفاق العام والتلزيمات والإدارات والخدمات، وتضع الوقائع أمام الرأي العام والجهات المختصة.
فالدولة التي تريد مكافحة الفساد لا تحتاج فقط إلى قوانين جديدة، بل إلى مؤسسات تطبّق القوانين الموجودة، وآليات رقابة تمنع الانحراف قبل وقوعه، وقضاء قادر على الفصل في الملفات وفق الأصول، وإدارة تدرك أنّ المال العام ليس مال السلطة، بل أمانة في ذمة الدولة تجاه مواطنيها.
وهنا تكمن الوظيفة الأهم للعمل النيابي الرقابي: أن يحوّل الرقابة من ردّ فعل على الخلل إلى آلية دائمة لحماية المال العام، وأن يجعل المحاسبة مساراً مؤسساتياً لا حملة ظرفية، وأن يربط حق المواطن في الخدمة العامة بحقه في معرفة كيف تُدار أموال دولته. عندها فقط تصبح الرقابة جزءاً من بناء الدولة، لا مجرد عنوان سياسي، وتصبح المحاسبة وسيلة لحماية المؤسسات، لا أداة لاستهداف الأشخاص.



